
وقف الشريط في وضع ثابت
دلوقت نقدر نفحص المنظر..
خلي المكجني يرجع المشهد
عايز أشوف نفسي زمان و أنا شاب!
بهذه الأبيات من قصيدة صلاح جاهين"أنغام سبتمبرية" وتحت عنوان (تيترات النهاية) في خاتمة كتاب"محمد خان ذاكرة النسيان" للناقد أحمد يوسف يختتم المخرج المصري الراحل محمد خان (1942-2016) حواره المطول عن مشروعه السينمائي الذي امتد لما يقارب النصف قرن، وصُنف من خلاله كواحد من أهم أصوات السينما المصرية والعربية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي.
يمكن اعتبار أبيات جاهين واحدة من مفاتيح قراءة عالم خان نفسه، أو الزواية التي ينظر بها إلى حركة المجتمع والزمن وتحولات المكان وسؤال الإنسان والمدينة، وبالتالي ليس من الغريب أن نكتشف بمراجعة فيلموجرافيا خان أن أغلب أبطال أفلامه من الشباب! وتحديداً في المرحلة العمرية من 25 إلى 35، وذلك منذ فيلم البدايات الأولى"ضربة شمس" 1981 وحتى آخر تجاربه "قبل زحمة الصيف" 2015.
إن بضع وعشرين فيلماً من بطولة شباب السينما المصرية عبر أكثر من35 عاماً له دلالات كثيرة بالطبع، أهمها أن هذا المخرج/الشاب كان يملك القدرة على صناعة سينما (متجددة) وليست فقط (جديدة) على حد تعبير منظر هذا الجيل الناقد سمير فريد (1943-2017)، والذي وضع خان مع بقية مجايليه (عاطف الطيب وخيري بشارة ودواود عبد السيد) تحت مسمى جيل الواقعية الجديدة في السينما المصرية.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن خان قد تعامل على طول مشواره الفني مع 10 كتاب سيناريو فقط، واشترك هو نفسه في كتابة السيناريو أو القصة أو كليهما في 14 فيلماً من مجموع الثلاث وعشرين فيلماً طويلاً الذي صنعهم، فنحن بلا شك أمام مشروع يتجاوز فكرة (الواقعية الجديدة) إلى محاولة البقاء دائماً على اتصال مستمر بعمق المجتمع المصري، من خلال شرائح الشباب التي تمثل أقصى درجات الانعكاس الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لفترة التحولات الكبرى في تاريخ مصر الحديث، منذ نهاية السبعينيات وحتى الآن – بل وفي تاريخ المجتمعات التي تم بعقود الحراك سواء كان بطيئاً أو متسارعاً.
أبطال سينما خان
في مرور سريع على بعض أهم تجاربه يمكن أن نرصد بسهولة:
المصور الشاب شمس في "ضربة شمس"، الذي يتورط بسبب فضوله البصري في كشف عصابة تتاجر بالآثار.
السائق الشاب فارس –كأول ظهور للأسم الأثير لدى خان الذي سوف يتحول عبر تجارب عديدة إلى صفة واختبار وأحياناً إلى ابتلاء إجتماعي وإنساني- الذي يقع في حب الزوجة المتيبسة عاطفياً فوزية بعد أن تآكلت روحها بسبب زيجة غير متكافئة شعورياً وعمرياً مع العجوز جاد.
وفي سياق مشابه نتعرف على حكاية الكوافير الشاب شكري، عندما يقع في حب الزوجة نوال، المحبوسة داخل زيجة طبقية عفنة من رجل الأعمال المتسلط عزت، والتي تنتهي بمأساة مكتملة الأركان والأطراف في "موعد على العشاء".
وعلى العكس من فارس السائق الذي ينتقل من حب سيارته إلى حب فوزية نتعرف على عمر الشاب العابث ابن تاجر الذهب صاحب السيارة أحدث موديل – سنة 86- وكيف أن رحلته من القاهرة إلى طنطا في صحبة الشاب الريفي -سمير عمر- والعاهرة نجاح تعيد إنتاج افكاره عن نفوذ المال وحكمة الشباب وعبثية الحياة.
على ما يبدو أن أبطال أفلام خان من الشباب لديهم هذا الهمّ الخفي، الذي يخضع دون إرادة أو مسؤلية كافية إلى اختبارات عديدة، وفي كل مرة لا يعود الشاب كما كان، ربما يتضاعف شبابه وتسمو طاقته وعلاقته بالعالم، كما حدث مع عطيه الشاب العازب في "خرج ولم يعد"، والذي ذهب إلى الريف كي يبيع أرضه من أجل يعود بثمن شقة في المدينة، التي تعامله بسادية وتعالي غير مبرر – متمثلة في خطيبته الحادة وأمها التي تشبه بقايا ساحرة شريرة- لكن عطيه يخرج من المدينة ولا يعود لها، لا يعود لهذه المدينة القبيحة ذات الأورام العشوائية والكتل الخرسانية الخالية الشباب والحياة.
الشباب من أبطال سينما خان يتعرضون لاختبارات المبادئ وامتحان القناعات، في مقابل الرغبات الخاصة والميول العاطفية والمادية والوجودية، وهكذا يمكن على صف واحد أن يقف كل من فارس في "طائر على الطريق" وجابر في "الرغبة" – العائد من الحرب عاجز جنسياً- وشكري في "موعد على العشاء" وغريب في "يوم حار جداً"، وجمعة في "قبل زحمة الصيف"، خمسة شباب في ظروف اجتماعية وطبقية مختلفة لكنهم جميعاً يخضعون لاختبار الدخول في علاقة مع زوجة رجل آخر! فهل هذه مجرد صدفة! أم هي ملمح ملفت لقراءة جانب من خطة خان لاختبار شخصياته، وربما كان اختبار واحد لكنه في كل مرة يطلع بإجابات مختلفة، بعضها واضح وبعضها مموهة، لكن في النهاية يبقى العنصر الفكري والدرامي بارزاً: لا شباب دون اختبار ولا اختبار دون نتيجة تغير من حال إلى حال!
تقارير بصرية
يقول آلان رينيه: أن الفيلم الوثائقي الجيد هو الفيلم الذي يمكن أن يمنحنا تقريراً عن حضارتنا.
وإذا نظرنا للجانب الوثائقي أو التسجيلي في افلام خان، التي صورت عبر أكثر من ربع قرن في شوارع القاهرة والإسكندرية وطنطا وبعض مناطق الريف، واضفنا إلى هذه المادة البصرية الكبيرة تلك الشخصيات التي تحيا وتتحرك وتحب وتذنب وتتألم في هذه الشوارع لشعرنا بمدى تطابق مقولة رينيه على سينما خان في جانبها التسجيلي، خاصة مع التزامه الواضح بالأسلوب الواقعي الذي يجعل أفلام مثل "الحريف - 83"،"خرج ولم يعد - 84"و"عودة مواطن - 86"و"مشوار عمر - 86"و"أحلام هند وكامليا - 88" و"سوبرماركت -90"و"كليفتي - 2003"و"بنات وسط البلد - 2005 " فتاة المصنع - 2013" تقارير بصرية عن المجتمع المصري في لحظة ترنحه نحو قاع منحني الجرس الشهير الذي يقيس به الفلاسفة والاقتصاديين مستوى الارتفاع والهبوط في مستوى تحضر الأمم والكيانات المجتمعية.
يمكن القول أن خان لم يكن يصنع أفلاماً من بطولة شخصيات من شباب المجتمع لمجرد أن يشعر انه لا يزال شاباً! ولكن لأنه على اتصال حقيقي ومباشر مع العديد من شرائح الشباب في سنوات نشاطه.
إن مشاهدة واحدة لـ"عودة مواطن" يمكن أن ترسم لنا صورة تفصيلية عن واقع الثمانينيات بأكلمه، ونظرة أخرى على"سوبر ماركت" يمكن ان تفسر لنا آليات رسوخ كل عناصر العفن المادي التي زرعت جذورها منذ بداية الانفتاح في السبعينيات، وجعلت من المجتمع سوبر ماركت حقيقي كل شئ فيه قابل للبيع والشراء.
ووسط كل هذا لا يمكن أن نغفل تلك الجملة الشهيرة التي تقولها سلوى/ نورا صديقة شمس/نور الشريف المصور المغامر صاحب العدسة الهيسترية، عندما تحاول إجباره بشكل مباشر على الزواج منها في "ضربة شمس"، وهما في ذلك المشهد الرائع فوق الموتوسيكل وسط شوارع القاهرة الجهنمية (نفسي أقعد جنبك يا شمس مش وراك)، إنها تلك الرغبة التي نلمحها في كل أفلام خان بترسيخ وضع الأنثى في المجتمع، بما ينصفها ككيان إنساني له نفس الحقوق الوجودية التي للرجل، إنها الأنثى التي نراها في "طائر على الطريق" تمنح السائق الصامت ذو العيون الناطقة قيمته الحقيقة، عندما تقرر أن تجلس فوزية بجوار فارس في سيارته بعد أن كانت تجلس في الخلف كمجرد راكبة، وليست شريكة في الرحلة، فالفارس الحقيقي في تلك الفترة من سينما خان هو الذي يأخذ حبيبته إلى جانبه وليس خلفه.
وهي ذاتها رولا التي نلمحها في ذلك المشهد الشيق عندما يصطحبها الكليفتي باسم سمرة في السيارة، التي سرقها من أجل اختلاس لحظات من الانطلاق اللامبالي معها في شوارع القاهرة موديل 2000.
إنها خوخة التي تقود"الحمار"في"خرج ولم يعد"بشفافية الدليل العارف، ولا تجد بداً من غسله – في مجاز رائع عن علاقتها بطلبة القادم ليبيع أرضه- لكي تزيل عنه غبار المدينة التي تلوث بها، حتى حجبت عن عينيه الكثير من ملامح البراءة والفطرة في هذا الزمن.
وهي زوجة الرجل المهم، التي تتوحد في لحظة تاريخية مع دولة تقع تحت سيطرة الفكر الرجعي، الذي يمنح الخيار الأمنى الحل الأمثل للحفاظ على مقدرات بلد تحتاج إلى الحب أكثر مما تحتاج إلى السلطة.
في الكثير من أفلام خان هناك ذلك المشهد الشهير للأنثى التي تجلس إلى جانب الشاب في سيارته، وكأنه يحقق بذلك رغبة سلوى بطلة أول أفلامه في أن تجلس إلى جانب حبيبها لكي تشاركه رحلته.
حتى "في شقة مصر الجديدة" لا نلمح هذا الإقصاء المقصود لفكرة المشاركة، ولكن ذلك التحول الشعوري الجارف الراغب في البحث عن أجمل تدفقات الحب في زمن الاحصنة الحديدة، فنجوى تركب خلف يحيى الموتوسيكل/الحصان الحداثي في النهاية، وكأنه الفارس الذي يخطفها على حصانه/الحديدي الأبيض بعد أن ظلت لسنوات تحلم به في بلدتها النائية بالصعيد، وتكتب لمرشدتها الروحية أبلة تهاني عنه دون وقبل حتى أن تراه.
بين المدينة والأنثى
هل جزء من تلك الحالة (الفيمينستية) يرجع إلى علاقة خان الأثيرة بالمدينة في أقصى مفاهيمها وتعريفاتها أنثوية؟ربما! فعلى حد قول الناقد الراحل سامي السلاموني (1936-1991) في مقاله عن فيلم "ضربة شمس" فإن القاهرة على سبيل المثال مدينة تكره التصوير بطبعها، وبالتالي كانت مهمة خان منذ البداية أن يطوع ويذلل هذه الأنثى/الجامحة بكاميراه، دون أن يجرح كرامتها أو يحط من شأنها.
إنها نظرة سيميائية على اعتبار ما للكاميرا من(شكل ذكوري)، والذي يحاول أن يجامع تلك المدينة/الأنثى تعبيراً عن حبه الجارف وليس اغتصاباً أو كراهة، وقد لانت القاهرة منذ الفيلم الأول وتبعتها الاسكندرية فيما بعد، وقبلت أن تستسلم في كبرياء لكاميرا خان، حتى وصل بنفس الناقد –السلاموني- إلى الاعتراف بقدرة خان على إبراز ما أسماه بجماليات القبح كما كتب في مقالته عن فيلم "أحلام هند وكامليا".
يقول المخرج الفرنسي روبير بريسون: إن أكثر معضلة تواجه السينمائي الحقيقي، هي أن تجعل ما ترى يُرى بواسطة ماكينة لا تراه كما تراه أنت! أي كيف للسينمائي أن يجبر الكاميرا على أن تنظر إلى شئ ما بنفس الرؤية والإحساس الذي يراه ويحسه المخرج! وهنا نستطيع أن نقول أن خان نجح عبر مشروعه المكثف والحميمي في تجاوز هذ المعضلة، خاصة فيما يتعلق بتلك الصلات البصرية والشعورية الوطيدة بينه وبين المدينة، فالمدينة في سينما خان غير المدينة عند أي مخرج اخر من جيله! إنه ذلك الشعور ذو النظرة الذكورية العاشقة التي تجعل حتى من القبح دلالة على الجمال.
موسيقى الزمن والمكان
يقول سمير فريد: أنه من الأخطاء الشائعة أن نقول بأن الأسلوب السينمائي للمخرج هو الأسلوب الذي يعتمد فقط على الصورة! فالأسلوب السينمائي ليس مسألة صورة وإنما صورة وصوت، وعلاقة بين اللقطات وبين محتويات كل لقطة سواء بصرية أو صوتية
ويمكن أن نجد تطبيقياً واضحاً لنظرية فريد داخل معطيات شريط الصوت في سينما خان، والتي جعلته من أكثر مخرجي الواقعية الجديدة إيماناً بمبدأ أن أصوات الأشياء هي موسيقى الفيلم، ورغم اذدحام سينما محمد خان بذلك التنوع البصري الهائل للمدينة والبشر، إلا أن ثمة تواجد أكيد لفكرة قراءة المجتمع صوتياً، فسماع أصوات الكلاكسات والسيارات والباعة الجائلين والأغاني الشبابية والشعبية وأصوات الموتوسيكلات ومترو الأنفاق، بل وصمت الريف وحفيف أشجاره وتموجات خضرته، كل هذا يحقق في أفلام خان تلك القدرة على تقديم تقرير صوتي شامل عن واقعنا، بكل ضوضائيته وفوضاه وعشوائيته، عبر حقبة سياسية واجتماعية استمرت لاكثر من أربعين سنة.
في أول تيتر لأول فيلم روائي طويل (ضربة شمس)، تبدأ الصورة غائمة جداً لا نرى منها سوى ظلال وكيانات غير محددة، تتحرك ثم تدريجياً يتضح الكادر لنرى شوارع المدينة/القاهرة في لقطة واضحة، والسيارات تتحرك والمواطنون يمرون قبل أن تتحرك الزاوية إلى نافذة لشقة بوسط البلد، بعدها ننتقل إلى شمس وهو يرفع حجاب النافذة لتدخل أصوات المدينة إلى غرفته، بينما ينظر إلى الشارع، ويظل معنا صوت الشارع مستمراً طوال المشهد الأول من الفيلم، دلالة على حضور المدينة القوي في العلاقة ما بين شمس ونجوى حبيبته، التي تحثه على التوقف عن التجول كمصور صحفي الشوارع والاستقرار في استديو التصوير الذي يحضر له منذ سنوات!
لو أننا تتبعنا افتتاحيات أفلام خان طوال عقد الثمانينيات، سوف نرصد بسهولة هذا الحضور الصوتي المميز للمدينة كزمن وللزمن كجغرافيا، فأصوت المدينة هي أصوات الزمن الذي يمر فيها ؛الأغاني والإذاعات والمواتير والكثافة السكانية وحركة العمران – كما نسمع في افتتاحية فيلم "خرج ولم يعد"- ويكفي أن نشير إلى إهداء فيلم "زوجة رجل مهم" عام 88 (إلى زمن وصوت عبد الحليم حافظ)، لنجزم بأن خان كان يعتبر أن صوت الزمن هو خريطة كاملة لعصر ومجتمع وحقبة، وهو ما يمكن لصوت مطرب في أيقونية عبد الحليم حافظ يمكن أن يعكس تاريخ مرحلة اجتماعية وسياسية كاملة.
ومن السهل أن ندرك مثلاً عبر صوت الإذاعة التي يستمع لها فارس في "طائر على الطريق" مستواه الثقافي وطبيعة مزاجه النفسي – إذاعة الشرق الأوسط صباحاً- وهو نفس ما يمكن أن يدلنا على ملمح مهم في شخصية عمر في افتتاحية "مشوار عمر" وهو يستمع إلى إذاعة مونت كارلو في راديو سيارته الفاخرة! بينما ينتهي "سوبر ماركت" على شخص مجهول يلقي لرمزي الموسيقي الشاب شريط كاست لواحد من أشهر أغاني سنة 90 الشعبية، التي تعكس روح العصر والمكان الذي وصلت إليه ثقافة المجتمع، في حين أن رمزي كان يحتمي من أخلاق السوبر ماركت بالضجيج الأبيض للموسيقى الكلاسيكية، التي لم تعد هي لا رمز الفن ولا عنوان الثقافة ولا محط الاهتمام المزاجي، كأنه بصوت الموسيقى كان يحتمي من صوت الزمن، وهو ما دعاه في النهاية لأن يطلق ضحكته المآساوية، بعد أن تبين له أنه كان يعيش وهماً صوتياً أو فقاعة موسيقية هشة، لم تصمد أمام اختبار حقيقي لطبيعة الزمن وتحولات المجتمع، التي جعلت جارته الحسناء أميرة تبيع نفسها لدكتور عزمي، من أجل أن تحافظ على علاقتها بابنتها، بعد أن تمكن أباها العائد من الخارج من استمالتها بنفوذه المادي الفاضح.
أخيراً، يمكن أن نستعيد أبيات من نفس القصيدة، التي طالما أحبها خان وأصبحت تشكل في جانب منها مستوى شعري ووجودي باذخ الحضور والتأثير في أفلامه، كمفتاح آخر لقراءة مشروعه الذي يتجدد مع كل عرض ومشاهدة وتفكيك لتجاربه وميراثه السينمائي.
عيش طول ما فيك أنفاس تعيش
وبص شوف
ركن الشباب صفوف صفوف
ركن الشباب في السينما بيصفر
مفيش وقوف
ركن الشباب فيه ألف مليون شاب
انظر إليهم
وأنت تتذكر
تحية إلى خان المخرج الشاب في ذكراه.
*ناقد فني











