الأغنية السعودية.. من الموروث الشعبي إلى الاقتصاد الثقافي | الشرق للأخبار
خاص

الأغنية السعودية.. من الموروث الشعبي إلى الاقتصاد الثقافي

الناقد الفني يحي مفرح زريقان أثناء لقائه في بودكاست "صناع الثقافة" تقديم حسن رحماني - الشرق
الناقد الفني يحي مفرح زريقان أثناء لقائه في بودكاست "صناع الثقافة" تقديم حسن رحماني - الشرق
الرياض-

تستند الهوية الفنية السعودية إلى إرث غنائي وثقافي ضارب في العمق، تتداخل فيه الألوان الشعبية مثل المجرور والسامري والدان والمجس المكي، لتصنع مشهداً موسيقياً متنوعاً. 

في حوار أجرته "الشرق" مع الناقد والباحث الفني يحيى زريقان في بودكاست "صناع الثقافة" تقديم حسن رحماني، تناول زريقان كيف أسهم هذا المخزون التاريخي في تشكيل الخطاب الفني السعودي، متطرقاً إلى جذوره التاريخية وأهمية استثمار هذا الإرث بصورة أكبر.

مرجعية تاريخية 

استهل الباحث والناقد الفني يحيى زريقان حديثه بالإشارة إلى التنوع الذي تتمتع به المملكة من ألوان تراثية ومحلية، كالمجرور والسامري والدان والمجس المكي، مؤكداً أن هذا التنوع أدى دوراً جوهرياً في صياغة هوية فنية سعودية ذات ملامح خاصة ومستقلة.

وبين أن التمازج بين الألوان الغنائية والإيقاعية في مختلف مناطق المملكة يعود بالدرجة الأولى إلى حالة الانسجام والوحدة الوطنية التي تحققت للبلاد، حيث يتماهى "السامري" النجدي مع "المجرور"، ويتكامل المجرور مع "الدان" المكي، كما ينسجم موروث المنطقة الجنوبية مع ما يملكه الإقليم الشرقي من غزارة موسيقية وإيقاعية.

الحواضن التاريخية 

ويرى زريقان أن الخطاب الفني السعودي لم ينشأ من فراغ، بل يرتكز على مرجعية تاريخية عريقة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، بدءاً من الدولتين الأموية والعباسية، معتبراً أن الغناء السعودي المعاصر يمثل امتداداً طبيعياً للغناء في تلك العصور.

مشيراً إلى أن مكة المكرمة والمدينة المنورة شكلتا حاضنتين للفن في الجزيرة العربية على مر التاريخ، حيث كان فنانو مكة والمدينة القدامى يتبارون في تقديم أساليب وأشكال غنائية متجددة، ومنها انطلقت مسارات فنية متعددة امتدت إلى مختلف الجغرافيا السعودية.

وأن هذا الموروث توارثته مناطق المملكة كإرث حضاري أصيل، وعملت على تطويره وتقديمه عبر الزمن بما يتوافق مع متطلبات الحياة المعاصرة، دون الإخلال بأصالته.

الموروث الشعبي

وفي سياق تتبع نشأة الأغنية السعودية الحديثة، ذكر زريقان إلى أن الفترة الممتدة من عام 1902 حتى 1950 اعتمدت على تقديم الموروثات الشعبية ضمن حدودها الجغرافية، حيث ظلت الفنون غير متداخلة؛ فالجنوب يقدم موروثه، والشمال كذلك.

موضحاً أن تلك المرحلة اعتمدت بصورة رئيسة على براعة الفنان وطموحه الشخصي، فحين فضل بعض الفنانين البقاء داخل دائرة موروثهم المحلي وتقديمه بأفضل صورة، قرر آخرون خوض التحدي والانطلاق نحو ألوان غنائية مختلفة

طلال مداح والانقلاب الفني

وأكد زريقان أن المنعطف التاريخي في مسار الأغنية السعودية يسجل باسم الفنان طلال مداح، الذي أحدث، بحسب وصفه، "انقلاباً فنياً" بتقديمه أول أغنية سعودية مكبلهة عام 1955 في مجالس الطائف، ما دفع مدير إذاعة جدة حينها عباس غزاوي إلى دعوته لمسرح الإذاعة لتسجيل الأغنية عام 1958، بعد تعذر مشاركته عام 1957 بسبب أحوال الطقس.

وأصبحت أغنية "وردك يا زارع الورد" بمثابة الفاصل بين مرحلتين، ونقطة تحول منحت الأغنية السعودية شكلاً حديثاً غير مسبوق.

كما أشار إلى أن تجربة طلال لم تأت من فراغ، بل كانت ثمرة اطلاعه المبكر على تجارب من سبقوه من فناني تلك المرحلة، مثل الشريف هاشم العبدلي وحسن جاوة، إلى جانب ثقافته السمعية العالية واستماعه إلى كبار قامات الغناء العربي، مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأم كلثوم وغيرهم من نجوم تلك المرحلة.

مخاوف التغيير

واستعاد زريقان أحد لقاءاته الخاصة مع الراحل طلال مداح، حين كشف له الأخير عن المخاوف التي ساورته قبل طرح الأغنية بقوله: "إما أن تكون انطلاقة، وإما أن تكون مقبرة"، وهو ما يعكس وعي طلال بحجم المخاطرة والشجاعة التي تطلبها تقديم هذا النموذج الغنائي الجديد أمام جمهور كان يستقبل التجديد بحذر.

التحام بين الثقافة والفنون

ويرى زريقان أن فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي شهدت حالة من الالتحام بين المثقف والفنان؛ فالفنان يعي أن الأغنية ليست مجرد موسيقى وألحان، كما يدرك المثقف أن الموسيقى سفيرة الكلمة.

ولعب المثقف في تلك الحقبة دوراً أساسياً من خلال المقاهي والصالونات الثقافية، مثل مقهى صالح عبد الحي، ومقهى الشجرة الذي كان يسمى حينها "كازينو الشجرة"، وارتبط اسمه بالشاعر إبراهيم خفاجي.

وكان المقهى أحد الملتقيات التي تجمع الشعراء والملحنين والفنانين، ووصفه زريقان بأنه كان بمثابة معمل لإنتاج الأعمال الغنائية أو ورشة مفتوحة، يلتقي فيها الفنان بالشاعر والملحن، لمناقشة النصوص والألحان تمهيداً لولادة الأعمال الفنية.

كما أشاد بالدور الذي لعبه الشاعر الراحل إبراهيم خفاجي، الذي سعى إلى دعم هذا المسار إيماناً منه بدور الفن في ترقية الحياة الاجتماعية.

الصحافة الفنية

وأوضح زريقان أن الصحافة الفنية كانت الجسر الذي أوصل الأغنية السعودية إلى داخل المملكة وخارجها، مؤكداً أن الصحافة والإذاعة والتلفزيون لعبت دوراً محورياً في التعريف بالفن السعودي.

مستحضراً أسماء عدد من رواد الصحافة السعودية الذين بدأوا حياتهم من الصحافة الفنية، من مثل المذيع السعودي بدر كريم، الذي بدأ صحفياً فنياً في جريدة "المدينة"، حيث كان يكتب باسم مستعار "مايك"، إلى جانب لطفي زيني وسعد الحميدين وهاشم عبده هاشم، مشيراً إلى أنهم تلقفوا بدايات النهضة الفنية وواكبوا نشاطها بالكتابة والتعريف.

ويقول: "لولا هؤلاء لما كنا نحن"، في إشارة إلى الدور الذي لعبه ذلك الجيل في تأسيس الصحافة الفنية وفتح الطريق أمام الأجيال اللاحقة.

بيروت.. ملتقى الفن العربي

كما وصف بيروت بأنها إحدى أبرز منصات الفن العربي آنذاك، وأسهمت في وصول الأغنية السعودية إلى جمهور أوسع، حيث وقف الفنانون السعوديون إلى جانب كبار نجوم الغناء العربي.

ويقول: "استطعنا أن نغني إلى جانبهم ونجعل الجمهور العربي يلتفت إلى هذا الشريان الجديد في الذائقة، ويتعرف على كلماتنا وألحاننا وأصواتنا".

ولفت أيضاً إلى أن التأثير كان متبادلاً، إذ ارتبط فنانون عرب بارزون بعلاقات فنية مع شعراء وملحنين سعوديين؛ فغنى محمد عبد الوهاب للأمير عبد المحسن بن عبد العزيز، وفريد الأطرش لخالد الفيصل، وأم كلثوم لعبد الله الفيصل، فيما غنت نجاة الصغيرة وفايزة أحمد لإبراهيم خفاجي، وهو ما يراه زريقان دليلاً على نضج المنتج الفني السعودي وحضوره عربياً.

الأغنية الوطنية

واستعاد زريقان قصة النشيد الوطني السعودي، حيث ظل اللحن الذي قدمه الموسيقار المصري عبد الرحمن الخطيب لأكثر من ثلاثة عقود بلا كلمات، حتى وجه الملك خالد، بعد زيارته إلى مصر عام 1977، بأن يكون للمملكة نشيد وطني يغنى على نفس اللحن.

وحينها وقع الاختيار على الشاعر إبراهيم خفاجي، لما يمتلكه من معرفة بالشعر والتلحين، فكتب كلمات النشيد على المقاس الزمني للحن، في مهمة استغرقت نحو ستة أشهر.

مشيراً إلى أن أعمالاً وطنية أخرى، مثل "بلادي منار الهدى" و"وطني الحبيب"، طرحت في مراحل مختلفة لتكون نشيداً وطنياً، قبل اعتماد نص خفاجي.

وتوقف زريقان عند أغنية "وطني الحبيب" لطلال مداح، الصادرة عام 1961، بوصفها محطة فارقة في تاريخ الأغنية الوطنية السعودية؛ إذ عبّرت عن علاقة المواطن بوطنه بقالب غنائي ابتعد عن الطابع العسكري والمارشات التقليدية، ما منحها خصوصيتها واستمرار حضورها حتى اليوم، على حد وصفه.

من الأغنية إلى الأوبريت

وبحسب زريقان، اتسعت دائرة الأغنية الوطنية مع تطور التجربة الفنية السعودية، لتنتقل من الأغنية الفردية إلى أعمال جماعية تمثلت في الأوبريت الوطني.

وشكل أوبريت "مولد أمة"، الذي قدم عام 1990 ضمن المهرجان الوطني للتراث والثقافة "الجنادرية"، "نقطة تحول كبيرة" في التجربة الغنائية السعودية، لما احتواه من شكل فني وإنتاجي متطور، بحسب وصف زريقان.

وجاء الأوبريت من كلمات الأمير سعود بن عبد الله، وألحان محمد شفيق، وأداء طلال مداح ومحمد عبده.

ويرى زريقان أن ازدهار الأوبريت الوطني ارتبط بـ"الجنادرية"، التي وصفها بأنها "رسالة سعودية بمواصفات عصرية للعالم"، أسهمت في التعريف بالمجتمع السعودي وتراثه وأسلوب حياته.

اقتصاد الحنين

من زاوية اقتصادية، قال زريقان أن القطاع الموسيقي السعودي يشهد تحولاً متسارعاً، مع نمو أسواق البث الرقمي والموسيقى المسجلة والآلات الموسيقية، واستهداف توفير نحو 65 ألف وظيفة بحلول 2030.

كما يرى أن رؤية السعودية 2030 نقلت الموسيقى من نشاط يعتمد على الجهود الفردية إلى قطاع منظم تقوده التشريعات والاستثمارات، مؤكداً أهمية حصر العاملين والموسيقيين السعوديين واستثمار هذه الثروة البشرية، بالتوازي مع تطوير المعاهد والأكاديميات والمشاريع الكبرى، وفي مقدمتها الأوركسترا السعودية.

ويمتد البعد الاقتصادي إلى ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الحنين"، مع عودة أجيال جديدة إلى أعمال فنانين لم تعاصرهم، مثل طلال مداح، مستفيدة من المنصات الرقمية التي أتاحت الوصول إلى أرشيف الأغنية السعودية.

مؤكداً أن في ذلك فرصة لاستثمار الإرث الفني عبر حصره وتوثيقه وإعادة تقديمه بصيغ معاصرة، فيما يكتمل التحول بمأسسة القطاع وتنظيمه وحماية الحقوق، ليؤسس لسوق أكثر احترافية واستدامة، ويجعل الفن السعودي مورداً ثقافياً واقتصادياً.

تصنيفات

قصص قد تهمك