كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي شروط الإنتاج في صناعة الترفيه؟ | الشرق للأخبار
خاص

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي شروط الإنتاج في صناعة الترفيه؟

تقنيات تخفض كلفة الإنتاج وتمنح الفرق الصغيرة قدرات أكبر.. فيما تتقدم الفكرة والملكية الفكرية والحكم الإبداعي كمصادر للقيمة

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تتخيل مستقبل صناعة الترفيه، مع تداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الافتراضي في مراحل صناعة المحتوى السينمائي. - الشرق
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي تتخيل مستقبل صناعة الترفيه، مع تداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي والإنتاج الافتراضي في مراحل صناعة المحتوى السينمائي. - الشرق

تتجاوز تحولات الذكاء الاصطناعي في صناعة الترفيه سباق إنتاج الصور ومقاطع الفيديو في وقت أقصر، لتصل إلى تغيير الطريقة التي تُتخذ بها قرارات صناعة الأفلام، وحجم الفرق المطلوبة لتنفيذها، ونماذج الأعمال المرتبطة بالمحتوى، وصولاً إلى طبيعة العلاقة بين الممثل والشخصية الرقمية وبين المبدع والجمهور.

وتكشف تصريحات أربعة من مسؤولي الشركات والمتخصصين في الصناعات الإبداعية لـ”الشرق"، بالتزامن مع Digital Entertainment Leadership Forum (DELF) 2026 في هونج كونج، عن اتجاه نحو انتقال جانب من القيمة الاقتصادية في الصناعة من امتلاك موارد الإنتاج الضخمة إلى امتلاك الفكرة والملكية الفكرية والقدرة على الاختيار والحكم الإبداعي.

وجمع المنتدى، الذي ينظمه Cyberport، شركات ومبدعين ومتخصصين في التكنولوجيا والترفيه لمناقشة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المحتوى والألعاب والأفلام والفنون، في وقت تتسع فيه استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مراحل الإنتاج المختلفة.

وقال سايمون تشان، رئيس مجلس إدارة Cyberport، لـ"الشرق"، إن سهولة الإنتاج ستدفع نحو ظهور موجة من الشركات الأصغر حجماً والأعلى إنتاجية، مع قدرة الذكاء الاصطناعي الوكيلي على خفض تكاليف الإنتاج في الألعاب والرسوم المتحركة وشركات الإعلام الرقمي.

ويرى تشان أن ذلك يسمح للفرق الصغيرة والمؤسسين الذين يعتمدون على الذكاء الاصطناعي ببناء أعمال قادرة على الوصول إلى نطاق عالمي بهياكل تشغيلية محدودة، ما يقلل الحواجز الرأسمالية التي كانت تمنح المؤسسات الإعلامية الكبيرة أفضلية يصعب منافستها.

القرار قبل التصوير

قد يكون التأثير الأعمق في السينما، مع ذلك، أبعد من مجرد خفض الميزانية، إذ قالت جاكي دونج، المنتجة في Beijing Funvision Entertainment & Media، لـ"الشرق"، إن أكبر تغيير يمكن أن يحدثه الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفلام ربما لا يتعلق بمرحلة بعينها من الإنتاج، وإنما بـ"عملية اتخاذ القرار نفسها".

ففي النموذج التقليدي، لا يمكن تقييم الكثير من القرارات إلا بعد التصوير أو ما بعد الإنتاج أو تنفيذ المؤثرات البصرية. أما أدوات الذكاء الاصطناعي فتتيح اختبار تصميم الشخصيات والبيئات والـStoryboards والتصور المسبق للمشاهد، وحتى الشكل البصري الكامل لبعض اللقطات، في مرحلة ما قبل الإنتاج.

وبالتالي تتحول المعادلة، وفق دونغ، من "البناء أولاً ورؤية النتيجة لاحقاً" إلى "رؤية النتيجة أولاً ثم اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان الأمر يستحق التنفيذ".

وقالت: "قد لا تكمن أعظم قيمة للذكاء الاصطناعي في جعل الأفلام أرخص، وإنما في مساعدتنا على معرفة ما يستحق أن نصنعه قبل أن ننفق عليه أموالاً كبيرة".

وتسمح تلك القدرة باكتشاف المشكلات واختبار الأفكار والوصول إلى توافق بين المخرج والمنتج ومدير التصوير ومصمم الإنتاج والممولين في مرحلة مبكرة، بدلاً من معالجة القرارات الخاطئة بعد بدء الإنفاق الفعلي.

عشرة أشخاص بقدرات مئة

ويمتد التحول إلى حجم الفرق القادرة على المنافسة، وترى دونج أن الذكاء الاصطناعي والإنتاج الافتراضي يخفضان الحاجز الذي منع سابقاً الكثير من أصحاب الأفكار من دخول السوق بسبب عدم امتلاكهم الاستوديوهات والممثلين وفرق المؤثرات البصرية والميزانيات المطلوبة.

وقالت إن فريقاً صغيراً أصبح قادراً على إنتاج فيديو تصوري أو إعلان تشويقي أو فيلم قصير، مضيفة أن الذكاء الاصطناعي يسمح اليوم لـ"فريق من عشرة أشخاص بأن يمتلك القدرة التخيلية لفريق من مئة شخص".

لكن الاستوديوهات الكبرى لن تفقد أفضلية الحجم بالكامل، إذ تظل لديها الملكية الفكرية ورأس المال وشبكات التوزيع والنجوم والقدرات التسويقية وإدارة المشروعات المعقدة.

وتتقاطع رؤيتها مع موهان لي، المعروف أيضاً باسم هارلن، المؤسس المشارك ورئيس الأعمال الدولية في Yuguang Tongchen Group، الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي سيدفع نحو دمقرطة الصناعات الإبداعية من دون أن يلغي مزايا الشركات الكبرى.

وقال لي لـ"الشرق": "الذكاء الاصطناعي يخفض حاجز الدخول إلى الإبداع والإنتاج، لكنه لا يخفض حاجز رواية قصة جيدة".

وبحسب رؤيته، كانت صناعة المحتوى تعتمد تاريخياً على معادلة تجمع رأس المال والفرق الكبيرة ودورات الإنتاج الطويلة، فيما تقترب من نموذج جديد يجمع الموهبة الإبداعية وأدوات الذكاء الاصطناعي ومنظومة الملكية الفكرية وأنظمة الإنتاج الذكية.

اقتصاد الملكية الفكرية

ويرى تشان أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي لن يتوقف عند تخفيض تكلفة صناعة الفيلم أو اللعبة، إذ يتوقع تركز جانب أكبر من القيمة في اقتصاد الملكية الفكرية العالمي.

فمع اتساع القدرة على إنتاج المحتوى، يمكن أن تتجاوز عملية تحقيق الإيرادات بيع المنتج الإعلامي نفسه، إلى الترخيص وتداول الملكية الفكرية والأصول الرقمية والتجارب الغامرة واستخدام الفكرة عبر قنوات متعددة.

وتكتسب حماية الحقوق في المقابل أهمية أكبر، ويضع رئيس Cyberport الملكية الفكرية وحقوق النشر ضمن أبرز التحديات التي تواجه الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، خصوصاً مع الحاجة إلى أطر واضحة لحماية الأعمال الأصلية من الاستخدام غير المصرح به في التدريب، وبناء نماذج شفافة للترخيص.

ويقدم لي تصوراً مشابهاً من زاوية الإنتاج، إذ يرى أن انخفاض التكلفة يسمح بتحويل ملكيات فكرية كان تنفيذها سابقاً غير مجد اقتصادياً، مثل الروايات والقصص المصورة والمفاهيم الإبداعية، إلى رسوم متحركة ودراما قصيرة وأفلام ومحتوى تفاعلي.

كما يتوقع أن يتحول الذكاء الاصطناعي تدريجياً من أداة منفردة إلى بنية للإنتاج تربط تطوير السيناريو والـStoryboard وتوليد العناصر البصرية وإنتاج الفيديو وما بعد الإنتاج وإدارة التوزيع في مسار متكامل.

الممثل أمام نسخته الرقمية

لكن انخفاض تكلفة الصورة يطرح سؤالاً آخر: ماذا يحدث لقيمة الممثل عندما يصبح من الممكن توليد إنسان رقمي شديد الواقعية؟

تعتقد دونج أن الإجابة قد تكون عكس المخاوف السائدة. فكلما أصبح إنشاء الوجوه والأصوات والتعبيرات والبيئات الواقعية متاحاً للجميع، ستفقد "الواقعية" في حد ذاتها قدرتها على التميز.

وقالت إن القيمة ستعود إلى عناصر الأداء الأساسية، مثل النية والعاطفة والاختيار وعدم القدرة على التنبؤ، مضيفة: "عندما يصبح الظهور كإنسان رخيصاً، يصبح الفهم الحقيقي لما يعنيه أن تكون إنساناً باهظ القيمة".

وقد يصبح وجه الممثل وصوته وحركاته قابلة للرقمنة، لكن فهم الشخصية والخبرة الحياتية والحدس العاطفي والقرارات الصغيرة التي تصنع الأداء ستظل، بحسب دونغ، مصادر أساسية للقيمة البشرية.

مشكلة "النتيجة الأولى"

وتظهر معضلة مشابهة في الكتابة والسرد، إذ قالت بولي يونج، من Gudo Inc، وهي كاتبة سيناريو ومنتجة، لـ"الشرق"، إنها تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره "متعاوناً يضخم النية الإبداعية"، وليس بديلاً عن الرؤية البشرية.

وترى يونج أن المبدع يحتاج قبل استخدام الأدوات الجديدة إلى فهم آليات حرفته، لأن من لا يعرف كيف تُبنى القصة لن يستطيع توجيه الذكاء الاصطناعي أو معرفة سبب فشل المادة التي ينتجها.

كما تحذر من قبول أول نتيجة تقدمها الآلة. فالعملية الإبداعية، بحسب يونج، تقوم على بناء الفكرة والتشكيك فيها وتفكيكها وإعادة بنائها حتى تصل إلى الشكل المناسب، بينما يؤدي التعامل مع المخرجات الفورية باعتبارها منتجاً نهائياً إلى محتوى متكرر ومشتق.

وهنا تظهر مفارقة جديدة: كلما أصبحت قدرة الصناعة على توليد الخيارات أكبر، أصبحت القدرة البشرية على الاختيار بينها أكثر قيمة.

فيلم مختلف لكل مشاهد؟

وقد يمتد التحول إلى شكل العمل الذي يصل إلى الجمهور نفسه، مع إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء سرديات ديناميكية وغير خطية تتغير وفق اختيارات كل مشاهد.

وتقول يونج إن الترفيه الشخصي أصبح ممكناً، لكنها تحذر من المقابل الذي قد تدفعه الصناعة، إذ إن وجود عدد غير محدود من النسخ لا يعني بالضرورة وجود قصة أفضل.

وتخشى أن يؤدي الإفراط في التخصيص إلى إضعاف الرؤية المقصودة للمؤلف وفقدان التجربة الثقافية المشتركة التي تنشأ عندما يشاهد الجمهور العمل نفسه.

أما لي فيعتقد أن الجمهور، خلال السنوات المقبلة، سيظل مهتماً بالعمل نفسه قبل طريقة إنتاجه، وبمدى تأثير القصة وحيوية الشخصيات وصدق المشاعر والقيمة المتفردة للمحتوى.

وهكذا، لا يبدو التحدي المقبل لصناعة الترفيه مقتصراً على تحديد الوظائف التي تستطيع الآلة القيام بها، فمع انخفاض تكلفة توليد الصورة والصوت والمشهد، تتحول المنافسة تدريجياً إلى عناصر أكثر ندرة: من يمتلك القصة الأفضل؟ ومن يملك حقوقها؟ ومن يستطيع اتخاذ القرار الإبداعي الذي يحول آلاف الاحتمالات التي تقترحها الآلة إلى عمل يريد الجمهور مشاهدته؟

تصنيفات

قصص قد تهمك