
يستعيد فيلم Mayday أجواء الحرب الباردة من خلال مغامرة تجمع الأكشن والكوميديا، لكنه يضع في قلبها سؤالاً إنسانياً عن صورة العدو، ومدى قدرة شخصين ينتميان إلى عالمين متصارعين على تجاوز الأحكام المسبقة وبناء علاقة تقوم على الثقة والصداقة.
يجمع الفيلم رايان رينولدز وكينيث براناه في قصة طيار أميركي يجد نفسه عالقاً خلف خطوط العدو، قبل أن يصبح عميل سابق في جهاز الاستخبارات السوفيتي فرصته الوحيدة للنجاة، ويؤدي رينولدز شخصية الملازم تروي كيلي، وهو طيار في البحرية الأميركية تُرسل به مهمة سرية إلى الأراضي الروسية، لكنها تنهار وتتركه وحيداً في قلب الاتحاد السوفيتي.
يعثر عليه نيكولاي أوستينوف، الذي يجسده براناه، وهو عميل سابق في جهاز KGB يتمتع بشخصية غريبة ومركبة، تجمع بين الخشونة والخطر من جهة، والولع بالثقافة الأميركية من جهة أخرى. ومن خلال تحالف يبدو مستحيلاً في البداية، تبدأ رحلة خروج تروي من الأراضي السوفيتية، بالتوازي مع تشكل رابطة لم يتوقعها أي من الرجلين.
طُرح الفيلم عبر Apple TV في 4 سبتمبر 2026، وتبلغ مدته ساعة و50 دقيقة، وهو من تأليف وإخراج جون فرانسيس دالي وجوناثان جولدشتاين، ويشارك في بطولته ماريا باكالوفا ومارتسين دوروتشينسكي وديفيد مورس.
هل يقدم الفن حقيقة المجتمعات؟
يرى كينيث براناه أن التناقض الأساسي داخل شخصية نيكولاي ينطلق من افتتانه بالفن والثقافة الأميركيين، رغم ماضيه في KGB وما يحمله ذلك الماضي من صراع سياسي وتاريخ شخصي معقد.
وقال براناه، في تصريحات خاصة لـ"الشرق"، إن السؤال الذي تطرحه الشخصية هو ما إذا كان الإنسان يستطيع الحصول على معلومات دقيقة عن ثقافة أخرى من خلال فنونها وأفلامها وكتبها وملصقاتها، أم أن هذه الصورة تظل دائماً نوعاً من الترويج أو الإعلان الذي لا يعكس الواقع كاملاً.
وأوضح أن تقدير نيكولاي للثقافة والموسيقى الأميركيتين ينبع من موقف مثالي، فهو يبحث فيهما عن صورة لمجتمع آخر يمكن أن يعمل بصورة مختلفة عن المجتمع الذي عرفه، لكن هذا الحلم يصطدم بماضيه المظلم، بعدما نكتشف أنه كان عضواً في KGB، وأن أسرار تلك المرحلة تركت أثرها العميق في حياته وفي علاقته بابنته.
يحمل نيكولاي صراعاً داخلياً تجاه حياته السابقة، خصوصاً لأن تبعاتها لم تتوقف عنده، بل امتدت إلى ابنته وعلاقته المضطربة بها، ولذلك يصبح تمسكه بصورة مثالية عن أميركا محاولة للعثور على احتمال آخر للحياة، ومكان قد يستطيع الذهاب إليه بصحبة ابنته، بعيداً عن بلد لا يعترف بها كما هي.
عندما يسقط تروي حرفياً داخل عالم نيكولاي، تتحول صورة أميركا التي صنعها الرجل من الأفلام والموسيقى إلى اختبار حي، وبحسب براناه، يدخل نيكولاي في حوار عملي مع تروي بشأن حقيقة تلك الصورة: هل الحياة في الولايات المتحدة تشبه حقاً ما شاهده في Top Gun؟ وإذا كانت كذلك، فهل يمكن أن تصبح وطناً جديداً له ولابنته؟
وأشار إلى أن هذه الأزمة الداخلية تمنح الفيلم عمقاً إضافياً، رغم أنه يقدم نفسه في الأساس بوصفه عملاً جماهيرياً يجمع الأكشن والكوميديا.
شخصية تقف على حافة الكوميديا والخطر
يعتمد جانب مهم من جاذبية نيكولاي على قدرته على الانتقال المفاجئ بين الطرافة والعنف، ففي لحظة يبدو رجلاً غريب الأطوار يمكن الاستخفاف به، ثم يتحول في اللحظة التالية إلى قاتل محترف شديد الخطورة.
ووصف براناه هذا التوازن بأنه أشبه بالسير على "حافة سكين"، معتبراً أن الكاتبين والمخرجين نجحا في استخدامه لإرباك الجمهور بصورة إيجابية وإبقاء عنصر المفاجأة حاضراً داخل فيلم ينتمي إلى نوع جماهيري يمكن أن يصبح متوقعاً بسهولة.
وأضاف أن تقلب الشخصيات يجعل مسار الأحداث أقل قابلية للتوقع؛ ففي اللحظة التي يكاد الجمهور يصرف النظر عن نيكولاي باعتباره شخصاً أحمق أو غريباً، يكشف الرجل عن مهاراته القاتلة ويتحول إلى منفذ عمليات قادر على تغيير الموقف بأكمله، ما يفتح السؤال حول الاتجاه الذي ستسلكه القصة.
واعتمد براناه في تجسيد التناقض على حضور الشخصية الكامل داخل كل لحظة، من دون محاولة شرح تحولات نيكولاي للجمهور. فهو يستمع إلى تروي بكل كيانه عندما يكونان معاً، لكن عند ظهور تهديد أو اندلاع مواجهة عنيفة، تنشط داخله سنوات التدريب والخبرة التي اكتسبها بوصفه عنصراً قاتلاً.
ولا يرى براناه أن هذه الصفات المتباينة تلغي إحداها الأخرى، لأن نيكولاي يستطيع أن يكون كل تلك الأشياء في الوقت نفسه؛ فهو يحمل جانباً من الشاعر والفيلسوف، لكنه يستطيع أيضاً أن يصبح قاتلاً إذا وضعته الظروف في موقف خاطئ.
وقال إن ثراء الشخصية جاء من محاولة تجسيد كل هذه الجوانب، لا تفسيرها بصورة مباشرة، وترك نيكولاي يفاجئ المشاهد، لأن عنصر المفاجأة يمثل جزءاً من «الخلطة السرية» للفيلم.
صداقة تتشكل على مراحل
لا ينتقل نيكولاي من رؤية تروي بوصفه عدواً إلى اعتباره صديقاً في لحظة واحدة، وإنما تتكون علاقتهما عبر سلسلة من الاختبارات، ويرى براناه أن نيكولاي يقدّر الشجاعة والوفاء، ولذلك يبدأ موقفه من الطيار الأميركي في التغير كلما اكتشف فيه هاتين الصفتين.
يبدأ هذا التحول عندما ينجح تروي في حبس أنفاسه داخل برميل ممتلئ بالفودكا، في اختبار يكشف قدرته على الاحتمال، ثم يكتشف نيكولاي تدريجياً أن تروي يمتلك حساسية إنسانية تشبه جانباً موجوداً داخله، لكنه لم يتمكن من استخدامه بصورة ناجحة في علاقته بابنته.
وأوضح براناه أن نيكولاي لم يستطع التحدث إلى ابنته أو مشاركة مشاعره معها، إذ ظل أسيراً لصعوبات يواجهها كثير من الرجال وعدم قدرتهم أحياناً على التعبير عما يشعرون به.
ويكتشف هذا الجانب في تروي عبر مفارقة ساخرة يلخصها أحد حوارات الفيلم، عندما يسأله نيكولاي: "هل جميع الطيارين المقاتلين بهذه الحساسية؟"، فيجيبه تروي: "نعم، نحن كذلك".
يتعلم نيكولاي من تروي كيفية مشاركة مشاعره، رغم أن التعبير العاطفي ليس أمراً طبيعياً أو سهلاً بالنسبة إلى تروي نفسه، وهكذا يصبح كل منهما مرآة لما يحتاج إليه الآخر، ويبحث الرجلان معاً عن جوانب يصعب على كل واحد منهما اكتشافها منفرداً.
ويرى براناه أن نيكولاي يدرك في وقت مبكر نسبياً احتمال وجود تحالف بينهما، ثم احتمال نشوء صداقة حقيقية، كما أن الشخصية كانت محرومة من الصداقة وتتوق إليها، ولذلك يصبح انهيار العلاقة أو ظهور احتمال فشلها أمراً مؤلماً بالنسبة إليه، وليس مجرد تعطل لخطة الهروب.
الضحك وفهم الاختلاف
وتتجاوز العلاقة بين نيكولاي وتروي فكرة التعاون المؤقت من أجل النجاة، لتتحول إلى اختبار لإمكانية احترام الاختلافات والاستمتاع بها، بل والضحك معها.
وقال براناه إن أبرز ما يتمنى أن يخرج به الجمهور من صداقة بطلي Mayday هو إدراك قدرة البشر على الاستمتاع باختلافاتهم واحترامها، وأن يصبح الضحك على تلك الاختلافات أو معها مساحة يمكن أن يتعلموا داخلها أكثر.
وأضاف أن الإنسان عندما يضحك مع شخص آخر يضطر إلى التخلي عن قدر من اعتداده ووقاره، ويصبح أكثر حرية وأقل انشغالاً بنظرة الآخرين إليه، كما يبدأ في تعلم الثقة بمن أمامه.
وبحسب براناه، ينجو بطلا الفيلم لأنهما يثقان ببعضهما، وتمثل هذه الثقة نوعاً من القفزة الإيمانية: فإذا استطاع الإنسان، رغم اختلاف الطرف الآخر عنه، أن يتعرف إلى رابط مشترك في حسه الفكاهي وإنسانيته، فعليه أن يثق بهذا الرابط، ثم يتعامل مع التحديات التي تفرضها العلاقة.
ولا تخلو صداقة تروي ونيكولاي من العقبات، لكن بمجرد اتفاقهما على منح الثقة أحدهما للآخر، يصبح كل منهما قادراً على الاعتماد على شريكه. ولذلك يتمنى براناه أن يحمل الجمهور معه رسالة تقوم على الاستماع إلى المختلفين عنا ومشاركتهم الضحك.
صدى عربي لعلاقة إنسانية
وعبّر كينيث براناه عن سعادته بالصدى الذي حققه Mayday لدى الجمهور في الشرق الأوسط والعالم العربي، إذ تصدر الفيلم قائمة الأعلى مشاهة على آبل تي في بلس في أكثر من دولة عربية، معتبراً أن هذا التفاعل يكشف عن اهتمام مماثل بفهم الصداقة وتأمل طبيعتها.
وأوضح لـ"الشرق" أن السينما لم تقدم منذ فترة، وبهذا الحجم الإنتاجي، فيلماً يجعل الكيمياء بين شخصيتين وممثلين عنصراً مركزياً إلى هذه الدرجة، بحيث يشعر المشاهد كأنه الطرف الثالث داخل العلاقة.
ورأى براناه أن الجمهور يستمتع بمشاهدة رجلين يتعلمان الثقة ببعضهما، خصوصاً أن الرجال يستطيعون بناء كثير من الجدران حول أنفسهما، ولهذا تبدو رؤية رجلين يسمحان لأنفسهما بالضعف والمرح والدخول في علاقة عميقة، تشبه قصة حب من حيث قوتها وإن لم تكن علاقة رومانسية، تجربة قادرة على عبور الحدود الثقافية.
وأضاف أنه يشعر بسعادة كبيرة لأن هذه العلاقة استطاعت السفر بين الثقافات وإمتاع الجمهور، واكتسبت طابعاً إنسانياً عاماً، مؤكداً أن أكثر ما يسعده هو وصول الفيلم إلى جمهور الشرق الأوسط، وقدرته على إضحاك المشاهدين ومنحهم شعوراً بالدفء.
وأشار براناه إلى أنه عندما قرأ سيناريو Mayday للمرة الأولى، شعر بأنه عمل يعرف بوضوح ما يريد أن يكون عليه. وفي النتيجة النهائية، قدم الفيلم الأكشن والكوميديا اللذين وعد بهما، لكنه استطاع، بفضل نجاح العلاقة المركزية، تقديم تأمل دافئ في معنى الصداقة وقدرتها على تجاوز الاختلافات السياسية والثقافية.











