
يبدأ الخلاف في فيلم Bunker بعرض عمل يصعب تجاهله، ميجيل، المهندس المعماري الشهير الذي يؤديه خافيير بارديم، يتلقى تكليفاً بتصميم مخبأ فاخر في جزر هاواي لملياردير يعمل في قطاع التكنولوجيا ويستعد لاحتمال انهيار العالم.
المشروع ضخم، وكذلك أجره، لكن صوفيا، زوجة ميجيل التي تؤديها بينيلوبي كروز، ترى فيه تخلياً عن المبادئ التي عرفته بها، ومن هذا الخلاف، يبني المخرج الفرنسي فلوريان زيلر فيلماً عن زواج طويل لم تنهه أزمة واحدة، وإنما راكمت داخله السنوات أسئلة ظل الزوجان يؤجلانها.
تم عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان فينيسيا، ثم وصل إلى مهرجان تورونتو في محطته الثانية، وهو ثالث أفلام زيلر الطويلة بعد The Father وThe Son، وأول سيناريو أصلي يكتبه للسينما، بعدما نقل الفيلمين السابقين عن أعماله المسرحية، وقد كتب دوري الزوجين لبارديم وكروز تحديداً بحسب تصريحاته، وهو اختيار تستفيد منه الدراما، لكنه يرفع أيضاً سقف ما ينتظره المشاهد من العلاقة بين الشخصيتين.
يعيش ميجيل وصوفيا مع ابنتيهما بمنزل أنيق في لندن، هو معماري حاز التقدير عن مشروعات تخدم الناس، وهي تعمل في مجال النشر، تبدو حياتهما مريحة، لكن قبول ميجيل المبدئي بفكرة المخبأ يغير طريقة نظر صوفيا إليه، لا يتعلق اعتراضها بأن زوجها سيجني مالاً كثيراً، وإنما بطبيعة العمل نفسه، الذي يقدمه إلى رجل يملك ثروة هائلة يريد أن يؤمن نجاته الخاصة، ويطلب من معماري موهوب أن يحول مخاوفه إلى مشروع.
بالنسبة إلى ميجيل، لا يبدو رفض فرصة بهذا الحجم أمراً بديهياً، وهنا تظهر واحدة من نقاط قوة الفيلم، وهي أن الخلاف ينشأ من قرار يمكن فهم إغراءاته، حتى إذا كان من الصعب قبول نتائجه.
تفاوت اجتماعي
بالتوازي مع مشروع هاواي، يدخل ميجيل في مواجهة مع جاره، الذي يؤديه ستيفن جراهام، يريد الجار فتح نافذة عبر جدار يفصل بين المنزلين، ليحصل على مزيد من الضوء في مسكنه، ما يراه الجار حاجة يومية، يراه ميجيل تهديداً لخصوصية أسرته، يتصاعد انزعاجه، ويبدأ في التفكير في أمن البيت وكل ما قد يعرضه للخطر.
تربط هذه الحكاية بين عالم الملياردير وعالم ميجيل من دون أن تجعلهما متطابقين، فالرجل الذي يتلقى عرضاً لبناء مخبأ لشخص يخشى الآخرين، يصبح هو نفسه شديد الحساسية تجاه نافذة تطل على حديقته، وفي المقابل، يعيش الجار في مساحة أقل رفاهية، ويكافح من أجل تحسينها، هنا يظهر التفاوت الاجتماعي في تفاصيل مادية واضحة، بين مساحة البيت، وحق الحصول على الضوء، والقدرة على شراء الإحساس بالأمان.
يعتمد زيلر في جانب من التشويق على أحكام ميجيل المسبقة، الجار غاضب، ومظهره وطريقة كلامه يساعدان ميجيل على اعتباره مصدر خطر، يمنح الفيلم هذا الانطباع وقتاً كي يترسخ، ثم يدعو المشاهد إلى مراجعته، إنها فكرة فعالة حين تنبع من تصرفات الشخصيات وتوترها، وأقل تأثيراً حين يصبح الغرض من المشهد واضحاً قبل اكتماله.
كروز وبارديم
عملت بينيلوبي كروز وخافيير بارديم معاً قبل Bunker في أفلام من بينها Jamón Jamón و Vicky Cristina Barcelona وLoving Pablo وEverybody Knows، وهما زوجان في الواقع منذ سنوات، لكن الفيلم لا يحتاج إلى استعارة حياتهما الخاصة ليقنعنا بعلاقتهما على الشاشة، ما يقدمانه هنا هو الإحساس بعشرة طويلة، نبرة يعرف أحدهما معناها قبل أن يكمل الآخر كلامه، وصمت يدركان أنه يحمل خلافاً، وإن لم يرغبا في فتحه بعد.
تمنح كروز صوفيا قدراً كبيراً من الثبات حتى حين لا تكون متأكدة مما تريده من زواجها، هي غاضبة من قرار ميجيل، لكنها تحاول أيضاً فهم سبب شعورها بأن المسافة بينهما اتسعت، أما بارديم، فيؤدي رجلاً اعتاد النجاح والاحترام، ولذلك يصعب عليه الاعتراف بأن إغراء الصفقة قد غير نظرته إلى عمله، لا يطلب الفيلم من المشاهد أن يبرر قرار ميجيل، لكنه يوضح كيف يستطيع هو أن يبرره لنفسه.
تظهر هذه المسافة بين الزوجين في لوحة لامرأة ورجل نائمين في سرير واحد، تستوقف اللوحة صوفيا لأنها تذكرها بقرب تفتقده، رغم أنها وزوجها لا يزالان يعيشان معاً، يكرر زيلر الفكرة في علاقة ميجيل بابنته المراهقة أيضاً، حيث يشعر الأب بالقلق مما تفعله على هاتفها، ثم تنشأ بينهما لحظة بسيطة حين تشاركه الموسيقى التي تستمع إليها، لا يحتاج الأمر إلى حديث كبير بقدر ما يحتاج منه إلى اهتمام بما يشغلها فعلاً.
مركز الحكاية
منذ The Father، برهن زيلر على اهتمامه بما يحدث داخل العائلة حين يعجز أفرادها عن فهم تجربة بعضهم بعضاً، في Bunker يوسع هذا الاهتمام ليشمل قلقاً خارج المنزل، فالثراء الفاحش، والخوف من المستقبل، والعلاقات التي يتم إدراتها عبر الشاشات، والتفاوت بين من يستطيع الانسحاب من العالم ومن لا يستطيع حتى الحصول على مسكن مناسب.
تمنح هذه الموضوعات الفيلم مادة غنية، لكن كثرتها تضغط على الدراما أحياناً، فمشروع الملياردير، ونزاع الجار، وأزمة الزواج، والشكوك الأمنية داخل البيت، كلها مسارات تتنافس على مركز الحكاية، وأفضل مشاهد العمل هي التي تتقاطع فيها هذه المسارات بصورة طبيعية، خاصة عندما يكشف رد فعل ميجيل تجاه جاره شيئاً لم تستطع صوفيا إقناعه به في حديث مباشر، ولكن حين يشرح الفيلم فكرته بوضوح زائد، فإنه يفقد بعض قوة التفاصيل التي سبق أن وضعها أمامنا.
ويختلف إيقاع القسم الأخير عن التوتر الذي بناه زيلر تدريجياً، فمع اقتراب الأحداث من التشويق المرتبط بأمن المنزل، تضيق المساحة المتاحة للعلاقة بين ميجيل وصوفيا، وهي العلاقة التي تمنح الفيلم أكثر لحظاته إقناعاً، ويظل أداء بارديم وكروز قادراً على حمل المشاهد المشتركة، حتى عندما يدفع السيناريو الشخصيتين إلى التصريح بما كان يمكن أن يظهر في سلوكهما بوضوح.
لا تقتصر أهمية Bunker على سؤاله عما إذا كان ميجيل سيقبل تصميم المخبأ، القرار الأهم يسبق ذلك ويتجاوزه، كيف يتصرف مع أشخاص يعيشون عواقب مختلفة تماماً للقلق نفسه؟ أمام ملياردير يستطيع شراء الحماية، وجار يريد نافذة، وزوجة تحاول أن تفهمه، يكشف ميجيل في كل مرة أي حياة يعطيها قيمة، وأي حياة يفضل ألا يراها.











