
ينتهي المهرجان، أيّ مهرجان، ويُبقي في الذاكرة الأفلام التي لا تزال تملك القدرة على أن تتنفس مجدداً بداخلنا؛ والفيصل في النهاية لا يرتبط بكونها حصدت جوائز أم لا، بل أنها حركت شيئاً بداخلنا.
ومن بين هذه الأفلام "أوروبا" لحيدر رشيد، الذي اقتنص أيضاً- وعن جدارة- في "مهرجان البحر الأحمر السينمائي" في جدة بالسعودية، جائزة الإخراج وأيضاً أفضل ممثل لبطل الفيلم آدم علي. والفيلم سيمثّل هذا العام دولة العراق في الأوسكار، وله نصيب وافر من الفرص، إذ سبق أن شارك في قسم "أسبوعَي المخرجين" بمهرجان "كان".
القضية التي يعايشها- ولا أقول يصورها- الشريط السينمائي، فيها نبض وروح ونفس ومذاق الوثائقي، رغم أنها فعلياً ليست وثائقياً. الهجرة غير الشرعية من أكثر المواضيع الشائكة درامياً، الهجرة التي لا تحميها ولا تقننها الأوراق الرسمية، ولا يمكن الدفاع عنها؛ وكذلك قتل إنسان يحرص على اقتناص الحياة لا يقرّه الضمير البشري.
كثيراً ما شاهدنا أفلامنا العربية تقف عند تلك الحافة الشائكة، وربما المغرب العربي له النصيب الأكبر، لأنه الأقرب إلى الشاطئ الآخر من البحر المتوسط، ونرى مئات الضحايا من كل الدول التي أنهكها الصراع الديني أو العرقي أو يعيش شعبها تحت خط الفقر.
تلك الأفلام تطل على عالمين متناقضين، الوفرة والكفاف، الحلم والكابوس، الجنة والنار، شعوب داخل أوطانهم يقبضون على الجمر وخارجه يشتعلون مثل الجمر، حيث لا أمل بحياة سعيدة..
ولهذا يطلق عليهم في الجزائر تسمية "الحراقة"، لأنهم يحرقون كل الأوراق الثبوتية كمواطنين، فلا يعود يوجد مستند يدل على الهوية، وكأنهم يقطعون الصلة تماماً بالزمان والمكان، يحرقون أنفسهم لكي يولدوا من جديد مثل طائر العنقاء الذي تأكله النيران، بعدما قطعوا الصلة تماماً مع الوطن الذي أنهكهم وأذلهم، فما الذي يتبقى لهم إذن ليبقوه في ضمائرهم من اعتزاز بمعنى الوطن؟
شيء من هذا تجده في رحلة بطل فيلم "أوروبا" ومَن شاركوه رحلة الأدغال وكأنها "بيت رعب القرن 21".
رحلة الموت
في رحلة الأدغال القاتلة حيث تترصد لهم المخاطر في كل خطوة، الحلم بالسعادة يبدو بعيداً، يكتشفون أنهم مثل حفار القبور، واجبهم أن يجهزوا بأيديهم قبورهم.
ترى وجه الصديق الذي قتلوه، وفي لقطة معبّرة، تقول عيناه الكثير قبل أن يغلقهما صديقه للأبد.
هل الشرطة فقط هي التي تطاردهم؟ تكتشف أن الناس في تلك البلدان الأوروبية مشاعرها مختلطة بين الشفقة والكراهية، جانب يسكنه الخوف من هذا القادم إليهم، مهدداً أمنهم، بثقافة مغايرة، وسيتحول مع الزمن إلى قنبلة بشرية موقوتة.
لا أقول إن الغالبية تحمل تلك المشاعر، ولكنه جانب لا يستهان به وأيضاً قابل -مع الأسف- للزيادة، مع استمرار حالات من الانفلات التي نتابعها جميعاً باسم الدين. فلا يمكن أن نحمّل الآخرين تشويه صورتنا الذهنية وننسى أننا أقدمنا على كل ذلك بأيدينا، بعض من جرائم السرقة والنهب والعنف، ويتم تضخيم الحدث وإضفاء صفة التعميم، ليصير المهاجرون مؤهلين لتحمل صورة ذهنية في الغالب لا تنصفهم، وهذا هو عمق الحكاية.
سينما "رعب الواقع"
الرحلة التي التقطها حيدر رشيد لها ظلالها الواقعية، كثيراً ما تابعناها عبر السوشيال ميديا، وأجاد البطل آدم أداءها. وكي يمنح صدقية لفيلمه، حرص المخرج على الاستعانة بعدد ممن عاشوا هذه التجربة نفسها.
الفيلم يمكن وضعه في إطار سينما الرعب: المطاردات الدموية بين لقطة وأخرى لا تسمح لك بالتقاط أنفاسك، اللحظات تمضي مثقلة، أنفاس الهارب المطارَد تشغل جزءاً كبيراً من الشريط الصوتي بحيث لا مجال إلا للخوف والهلع. تلك الأنفاس اللاهثة تلعب دور البطولة وكأنها بمثابة "موتيفة" موسيقية متغيرة.
إلا أنه أيضاً يختلف تماماً عن سينما الرعب، لأن الرؤية الاجتماعية والنفسية لا تزال مسيطرة ولها الصدارة، بينما في سينما الرعب تسيطر المؤثرات البصرية والسمعية على حالة الشاشة.
والرهان على أن يظل المتفرج في حالة لهاث وتعاطف وخوف على الشخصيات، في إيقاع متصاعد، وحتى اللحظة الأخيرة من المطاردة، لينحاز قطعاً صوب المهاجرين الأبرياء.
والخيط الرفيع الذي أمسك به المخرج بإبداع، أنه لا يدافع عن الهجرة غير الشرعية "المجرمة والمحرّمة"، بل عن الإنسان وحقه في الحياة. هؤلاء المهاجرون وغيرهم، إذا كانوا قد فروا من ظلم بلادهم، فإنهم اكتشفوا رحلة النجاة تصبح رحلة الموت.
"أوروبا" في نهاية المطاف.. فيلم يدافع عن "الإنسان ولو مالوش عنوان"!
*ناقد سينمائي مصري




