عابد فهد لـ"الشرق": نعيش عصر الـ"فاست دراما" | الشرق للأخبار

عابد فهد لـ"الشرق": نعيش عصر الـ"فاست دراما"

time reading iconدقائق القراءة - 12
الفنان السوري عابد فهد - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة
الفنان السوري عابد فهد - المكتب الإعلامي للشركة المنتجة

بأكثر من 70 عملاً درامياً وسنوات أثقلتها الخبرات وصقلتها التجارب، يهدي الفنان السوري عابد فهد جمهوره العربي هذا العام، تجربته الدرامية الجديدة من خلال مسلسل "الساحر"، الذي منح متابعيه فرصة متابعة  رؤية درامية جديدة. 

شخصية "مينا" التي يتقمصها عابد فهد في المسلسل، قادت "الشرق" إلى هذا اللقاء معه للخوض في عمق تجربة "الساحر"، كمسلسل.

بداية، ما المختلف الذي يقدمه مسلسل "الساحر" عن أعمال السباق الدرامي الرمضاني؟

فكرة العمل الرئيسية هي المجهول الذي يسبب القلق الدائم للإنسان، والبحث عن مستقبله وماضيه معتمداً على حاضره. المجهول الذي نركض وراءه، لهثاً خلف أهداف لا نعلم ما إذا كانت ستتحقق أم ستتحول إلى خيبات.

نحن دائماً نتعلق بأمل جديد، أو خبر منتظر، فالإنسان كائن ضعيف بطبيعته، لأنه أسير لفكرة ما إذا كان سينجح ويحقق أحلامه. كل هذه التساؤلات تلازم الإنسان الطموح في كل خطوة وكل حركة وإشارة، وهذا المجهول عالم كبير.

من هنا، جاءت فكرة الدخول في عالم التنجيم، الذي يعتبر أحد ركائز علوم العالم القديم. حاولنا الدخول في هذه الفكرة، لنستعرض خفاياها ونضع يدنا على زوايا جديدة من خلال حكاية شعبية بسيطة، مرتبطة بحارة وبيئة، تحتوي مجموعة تعمل في مجال "التنجيم"، ونرى إلى أين يمكن أن تأخذنا. فالجدلية في هذا الموضوع، تخلق دراما من الممكن أن تكون شائكة، من حيث الحدث والمشكلة والتغيير في مصائر أشخاص.

هكذا بدأت الفكرة الأساسية في كتابة العمل، واستطعنا وضع "حبكة" مثيرة لهذه القصة، كما نشاهد الآن مع عرض حلقاته الأولى.

هل تعبر شخصية "مينا" التي تقدمها عن كل هذه الأفكار المتشابكة والتي تحمل فلسفة خاصة في التعامل مع هذه القضية؟

بالنسبة إلى شخصية "مينا" التي أؤديها، هناك مصير عبثي جمعها بـ"كارمن" التي تجسدها ستيفاني صليبا. وهي الفتاة التي كانت تبحث عن حل لمشكلتها المتمثلة في خيانة زوجها لها. إذ كانت تحاول إيجاد أي مخرج أو حل من خلال طرق باب الشعوذة، لإعادة بناء علاقة طويلة مع زوجها.

من هذا الباب، دخلت شخصية "مينا" إلى العمل، ولم تستطع الخروج منه، على أمل أن يحقق طموحه في أن يتحول إلى شخصية عامة في المجتمع، وله تأثير على الناس من خلال التنجيم، سواء كان يؤمن به أم لا، إلى أن يكتشف أن هذا الموضوع كله عبارة عن أحلام وأوهام ليس أكثر، وكان اعترافه هذا واضحاً منذ الحلقة الأولى، حين اكتشف أن كل هذا مجرد كذب ووهم ولا يمت للحقيقة بصلة، وهذه وجهة نظر العمل.  

إلى أي مدى تأثر تصوير العمل بانتشار فيروس "كورونا".. وما انعكاس ذلك على صناعة الدراما؟

هذه الجائحة جمدت العالم وحولت كل متحرك فيه إلى ساكن، والجميع بلا استثناء تأثر بهذا الوباء. مررنا بأوقات عصيبة أثناء التصوير، وبقينا لفترة من الزمن تحت تأثير الشلل الكلي في العمل، وهذا أثر نفسي بشكل أو بآخر.

وكغيرنا، كان الخوف من العدوى يحيطنا في كل لحظة، على الرغم من أننا توقفنا لفترة عن التصوير، حرصاً من شركة الإنتاج على طاقم العمل. ولكن حتى بعد استئناف العمل، بقي الخوف مسيطراً على المشهد، لنعود للعمل بعد انقطاع بشروط قاسية جداً، مع مشاركة فريق طبي كمرافق دائم خلال فترة التصوير، حتى تم إنجاز العمل بالشكل النهائي.

وأعتقد أن الجميع كان أمام تحدٍ جديد، ومرحلة من اكتشاف الذات خلال فترة الحجر، كذلك اكتشاف الطاقة الداخلية لذواتنا. كل هذا جعلني شخصيا أقف أمام نفسي وأتساءل: "هل أنت قادر على أن تواجه نفسك أمام عدسة الكاميرا ضمن هذه الشروط؟"، وهو ما جعلني استفيد من هذه التجربة، بعد أن خلصت إلى نتيجة مهمة شخصياً، وهي أن هذه الظروف قد تجعلنا أقوى ونواجه الحقيقة وننتصر عليها، ولكن بحذر ووعي شديدين.

هل استطاعت الدراما المشتركة تقديم محتوى يحاكي واقع الجمهور على الرغم من اختلاف الثقافات والأيديولوجيا الاجتماعية؟

المجتمعات العربية متقاربة متباعدة، تختلف في السلوك وأسلوب التعاطي مع البيئة المحيطة، فلكل مجتمع بيئته وتاريخه، ويعيش تقاليده الخاصة، وكل المجتمعات تتشابه في أحاسيسها ومشاعرها، وتختلف في التعبير عن الحالة النفسية والاجتماعية لهذه المشاعر التي تختلف من بيئة لأخرى.

كذلك، فإن الدراما المشتركة لا تنفصل عن الجذور المشتركة. وهذا العمل في حد ذاته يحتوي الكثير من الخيوط الدرامية التي يطرحها اختلاف وجهات النظر، وتمكننا من طرح رأي مغاير, لأن الاختلاف في حد ذاته مادة دسمة، لما تحتويه من صراع وتخبط ومعركة إثبات رأي، فكل شخص يحاول أن يقدم نفسه، من خلال ما اكتسبه من بيئته ونهجه وما يتمسك به.

وتؤكد النتيجة أن الدراما المشتركة بين الشعوب، عنصر هام، شرط أن تكون مبنية ومكتوبة بشكل واضح وجريء ومختلف أيضاً.

هل لدينا كمجتمع عربي أزمة في السيناريو من حيث المعالجة والطرح أم أن المشكلة لا تزال مقتصرة على شروط الإنتاج ومتطلباته؟

لا شك في أننا نفتقد النصوص القوية، وهناك مشكلة في كتابة السيناريو. لك  أن صناعة السيناريو الآن أصبحت بمثابة ورشة، فليس مجرد شخص واحد يكتب النص. ويمكن تلخيص أزمة كتابة السيناريو بأنها تقع بين جيلين.. الجيل القديم صاحب الفكر والثقافة والعمق والبعد الفلسفي للحياة، وبين كتاب السيناريو الجدد الذين يفتقرون في الواقع إلى بعض هذه الأركان، فكما تكون القصيدة خلاصة تجارب طويلة ورؤية متفردة ومكثفة للواقع، كذلك يجب أن يُبنى السيناريو.

ولا نزال اليوم نفتقر إلى الفكرة الخلَّاقة، ولا يمكننا أن نقف على الحياد من دون مواكبة الحداثة في النصوص والإخراج. وعلينا أن نعترف بأن غيرنا سبقنا، فبغض النظر عن القدرة الإنتاجية نبحث جميعاً عن الفكرة والتجديد واحترام المشاهد. ولا يمكن التعامل مع الجمهور كمستهلك، فالجمهور هو سيد الموقف وهو المعيار.

باختصار، نحن اليوم نعيش عصر الـ"فاست دراما"، والتي باتت تشبه إلى حد كبير ثقافة الـ"ديليفري". ثمة وجبة عليك تناولها فقط لسد جوعك. كذلك الدراما اليوم، باتت فقط لسد حاجة الملل، ولم يعد الهدف التثقيف والمعرفة أو حتى المتعة.

مع انتشار منصات العرض الرقمية هناك توجه نحو الأعمال القصيرة وغير الموسمية، ومنها مسلسل "هوس" هل ترى أن هناك إقبالاً حقيقياً على هذه النوعية؟

لا شك أن المنصات الرقمية حجزت لنفسها موطئ قدم، حتى في الدراما بعد أن سيطرت، أو ساهمت في تغيير العديد من استراتيجيات العمل الأخرى. وأعتقد أنها باتت قادرة الآن على المنافسة، وفي المستقبل القريب، سيكون لها حصة كبيرة من اهتمام المشاهد العربي.

ولكن كل هذا مرتبط بالأفكار التي ستحملها هذه الأعمال، فالجميع الآن يتابع أعمال "نيتفلكس". ونتحدث هنا عن الأعمال الغربية، سواء كانت أميركية أو أوروبية أو حتى آسيوية، فأصبحنا ندرك اليوم أن الجميع سبقنا، والجميع تجاوزنا بمراحل، ونحن نجلس باندهاش نتابع. كلٌ منا يلقي اللوم على الآخر، بدايةً من جهات الإنتاج، وحتى الكوادر الموجودة على الارض، لنتحول جميعا إلى مشاهدين فقط.

هناك مطالبات خجولة بفك ارتباط الدراما بالموسم الرمضاني، ما رؤيتك للتكدس المرهق لأعمال الدراما العربية سواء للإنتاج أو للمشاهد؟

شهر رمضان هو بمثابة موسم الحصاد لنتاج العام. وبالتالي، يتم التعامل مع المنتج الدرامي خلال شهر رمضان الكريم، كأي منتج آخر حان وقت بيعه. وبفعل الوقت، تحول إلى طقس من طقوس رمضان. وفي النهاية، المادة الدسمة لا تظلم إن لم تأخذ نصيبها من اهتمام المشاهد خلال العرض الأول، وبالتأكيد سيكون لها فرصة في العروض اللاحقة خلال العام.

وبالتالي، فإن أي عمل له قيمة، بالتأكيد سيحصل على نصيبه من المشاهدة، أما الأعمال التي لا تحمل أي قيمة مضافة أو تجديد، فالمشاهد لن يهتم بها في أي وقت.

أين ترى موقع الدراما السورية اليوم؟ وهل استطاعت تخطي العقبات التي لازمتها خلال السنوات القليلة الماضية؟

الدراما السورية تقوم على قواعد ثابتة مرتبطة بتاريخها وعناصرها ونجومها. وليس بالضرورة أن تكون كل الأعمال التي تنتج الآن على مستوى رفيع. ولكن هناك مؤشرات دائما تقول إنها تحمي نفسها بنفسها. وعلى سبيل المثال، هناك مسلسل يعرض الآن، وهو "سوق الحرير"، وهو من الأعمال الجميلة التي تقدم هذه السنة، ويشمل كل عناصر الدراما التي اعتدنا على مشاهدتها، أو كيف يجب أن تصنع، خاصة التي لها علاقة بدراما الواقع.

وهذه الأعمال تعطي مؤشرات إيجابية وجيدة. وفي العام الماضي، قدمنا عملين مهمين على صعيد البناء الدرامي والفني، هما "دقيقة صمت" و"عندما تشيخ الذئاب"، وكانت هذه الأعمال مصنوعة لمحاولة إعادة الدراما السورية إلى مكانتها الطبيعية. وهناك محاولات يجب أن تستمر لأنها تستحق، ولأنها أرض خصبة وغنية بتاريخها، وعالمها المليء بالرواد الذين قدموا بصمات هامة في صناعة الدراما محلياً وعربياً.

هل ترى أن رسالة الفن تكمن في تصوير الواقع كما هو؟ أم بتقديم ثقافة اجتماعية جديدة تعتمد على وعي المشاهد؟

الدراما الآن لا يجب أن تعكس الواقع، فالوباء الإنساني موجود والخراب موجود، والواقع بكل ما فيه يحتاج إلى لقاح أكثر من حاجتنا لاختراع لقاح للفيروس الذي يحاصرنا.

يجب أن يكون هناك لقاح جديد للبشر وليس للمرض، وحين نستطيع إيجاد لقاح جديد للإنسانية وللبشرية، وإعادة النظر فيها، عندها فقط سنستطيع أن نقضي على المرض والحرب والتشرد والجوع. والدراما في النهاية جزء من ثقافة المجتمع وصورة له، ولكن لا يجب أن تتحول إلى مرآة تعكس واقعاً سلبياً ومزرياً، فانعكاس الجمال يزيد جماله وانعكاس القبح يزيده قبحا. وشخصيا، أرى أن الفن بشكل عام، يجب أن يحاكي المجتمع كما يجب أن يكون، من خلال هذه المادة الترفيهية، وبناء جسر من التواصل بين الناس قوامه المحبة وليس الكره، والتماسك الاجتماعي بدلا من التفكك، والتسامح كبديل للحقد.

كيف ترى الواقع اليوم؟ وما نظرتك إلى مستقبل ما بعد "كورونا" فنياً واجتماعياً؟

نحن اليوم في فترة تعتبر مفصلية ومهمة على جميع الأصعدة. فنحن كنا نضع أنفسنا أمام تجارب وتحديات جديدة. ولكن هذه التطلعات باتت غير مجدية الآن، بعد أن جاء "كورونا" وأكد أن كل ما كنا نقوم به كان خاطئا.. الأولويات والسلوك وأسلوب الحياة.

كل شيء كان خطأً، حتى تعاطينا من المجتمع ويومياتنا داخل المنزل وخارجه. كنا نركض نحو المجهول بأعين معصوبة، لتأتي أزمة "كورونا" وتقول: انتظر أنت ليس لديك وقت كافٍ لأنك تعيش بشكل خاطئ، فأنت تتحول إلى آلة، إلى قاتل، ومجرم، وكذاب، وليس لديك أي وعي بحياتك ومصيرك وتفكيرك، فالأرض لفظت الجميع وقامت بخلطهم وعجنهم، لتعيد تقديمهم بشكل جديد للعالم".

ويجب أن نعتبر من الآن، ونتعامل مع هذا العالم انطلاقاً من مبدأ "أكون أو لا أكون". وأعتقد أن هناك خلية جديدة سوف تنتج بعد "كورونا".. خلية لصناعة إنسان جديد، وهذا الإنسان سيأتي بعد سنوات، ولكن سيبدأ تكوينه من الآن، ليكون هناك منتج جديد وثقافة جديدة وفن جديد، وأيضا إنسان جديد، لأن الكيمياء الإنسانية تغيرت خصائصها، والعقل البشري بدأ يفكر بطريقة جديدة. وبالتالي، ستكون هناك تغييرات حتمية ستشمل الجميع.. أفراد ومؤسسات وسياسات، وربما دول.

تصنيفات