
يبرز قطاع الثقافة والفنون في السعودية، كأحد أهم عوامل القوة الناعمة والروافد الاقتصادية، وركيزة مستقبلية للانفتاح على العالم. وتجسّد "جدارية الدرعية" للفنان السعودي إبراهيم المحارب، أحد التجارب الفنية المؤثرة التي أعادت تشكيل تاريخ المدينة.
ملحمة فينة
الجدارية هي عبارة عن منحوتة ضخمة تروي حياة أهل الدرعية في زمن مضى، أو "سواليف" الناس هناك، وتجسّد العمارة النجدية الراهنة. الخامة الوحيدة والمكوّن الرئيس الذي استخدمه الفنان لتصميم الجدارية هو حجر "الساندستون" أو الحجر الرملي الطبيعي.
تتشكل الجدارية من عناصر بصرية عدّة تضافرت لتمنح العمل هوية متجانسة، حيث مزج الفنان بين حروف الخط العربي من نوع خط الديواني وخط الثلث، مضيفاً لها الزخارف، والعمارة النجدية، ونحتها بأعماق متباينة، وشكّل منها كتلاً بصرية متوازنة تمّ توزيعها بشكل دقيق بناء على حسابات رياضية.
تظهر الجدارية بشكل بانورامي يمتدّ بطول 20 متراً، وارتفاع 6 أمتار، وعمق يصل إلى 20 سنتيمتراً. وتتدرّج مستويات النحت إلى 15 طبقة، ما يمنحها بعداً بصرياً من خلال التقاء مستويات النحت مع الضوء.
من الفكرة إلى الإزميل
يقول الفنان إبراهيم المحارب لـ"الشرق" عن رحلته في تصميم الجدارية: "استهلكت مني وقتاً طويلاً في مراحلها الأولى، سواء لجهة الفكرة أو مرحلة التحضير "الاسكتشات"، وصولاً إلى تصوّر فني يدمج بين الخط العربي والطراز السلماني النجدي، الذي يشكل قيمة فنية وجمالية، تتجلى في التناغم بين المباني التراثية والحرف العربي. فيما استغرقت عملية النحت نحو 6 أشهر من العمل الدؤوب".
وأوضح أن المرحلة الأولى بدأها بمفرده، أو ما يسميه "التحزيز بالإزميل"، واستمرت لمدة 40 يوماً تقريباً، قبل أن تشاركه "مجموعة من النحّاتين على عدة مراحل، وصل عددهم إلى 60 نحاتاً محلياً، توزعوا بحسب تخصصاتهم. منهم من تولى مهمة "الرتوش" واللمسات الدقيقة، وبعضهم متخصص في الأعماق".
"براند" نجدي
وتحدث المحارب عن العمارة النجدية المتمثلة بالنقوش التراثية وبيوت الدرعية القديمة، والتي تشكّل عنصراً بارزاً في الجدارية. فهي مستوحاة بالكامل من التراث النجدي، وتحديداً من "الوجار" الموجود في كل البيوت الطينية القديمة. كذلك الزخارف الطينية، كي يكون لدينا "براند نجدي" أصيل يقارع الأعمال العالمية المنحوتة في إيطاليا وغيرها، لأنه يخلّد هويتنا".
وأكد "أن الخط العربي يأتي توثيقاً لمرحلة زمنية، وهو أقرب لـ"سواليف" أهل الدرعية وهمسهم. وقد اخترت خط "الديواني" بليونته ليمثل الجانب الأنثوي، و"الثلث" لرصانته ورمزيته الخاصة".
أضاف: "لست معمارياً، لكني أوثق العمارة بشكلها الحالي لتكون مرجعاً بعد 100عام، فهذا العمل ليس مجرد "فلاش" أو لقطة صامتة، بل هو عمل ينبض بالحركة والحياة".
جدارية لكل منطقة
المحارب يحمل طموحاً أكبر من جدارية الدرعية، ولا يكتفي بأن تظل بصمته الفنية محصورة في حدود المنطقة، بل يرغب في الوصول لكافة مناطق المملكة.
ويرى أن كل منطقة في المملكة "لها هوية بصرية فريدة تستحق أن تخلد"، معبّراً عن ذلك بالقول: "طموحي أن يقال إن هذا تصميم نجدي، وأن نُصدّر هويتنا كرمز حضاري، كما أطمح أن أجعل لكل منطقة في السعودية جدارية خاصة، من الجنوب إلى الشمال، ومن حائل إلى الشرقية والحجاز. كما أطمح أن أصمّم جداريات تتوارثها الأجيال، ليكون فننا تخليداً للهوية السعودية وليس مجرد أعمال مؤقتة".








