
أثار تدريس مناهج دراسية باللغة الإنجليزية في الجامعات السعودية، سجالاً في الأوساط الثقافية بالمملكة، إذ اعتبره البعض تهديداً للهوية الثقافية واللغة العربية، بينما رآه آخرون "توجهاً واقعياً" تفرضه متطلبات السوق العالمي.
بدأ التفاعل بشأن تلك القضية، في أعقاب تصريحات وكيلة وزارة الثقافة للشراكات الوطنية وتنمية القدرات نهى قطان، خلال لقاء لها في بودكاست "سقراط"، حول اعتماد اللغة الإنجليزية لغة أساسية للتدريس في الجامعة، ما أثار تفاعلاً واسعاً ونقاشات ممتدة في الأوساط الثقافية السعودية.
وكان من أوائل المتفاعلين مع القضية، الأكاديمي السعودي والمتخصص في الترجمة سعد البازعي، الذي عبّر عن استيائه من الخطوة، ووصفها بـ"الكارثة"، قبل أن يضيف في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي: "الجامعات الغربية تدرّس الأدب العربي واللغة العربية بلغاتها، أي في بريطانيا وأميركا بالإنجليزية، وفي فرنسا بالفرنسية، وهكذا. وحتى الأدب العربي يدرس بلغات تلك البلدان، ونحن ندرس علوماً متيسرة بالعربية، لكننا نختار الإنجليزية وكأننا غربيون لا عرباً أو حراساً للغتنا داعمون لها".
في المقابل، علق الفنان السعودي ناصر القصبي على الجدل قائلاً: "السجال حول لغة الفنون بين من نسميهم الحرس القديم وفوبيا الهوية، والآخر المنفتح بلا حدود، سجال ليس جديداً، وشخصياً لا أرى مانعاً في استخدام أي لغة لتدريس الفنون".
وأضاف: "جامعة الملك فهد للبترول مثال حي، وما الفرق بين دراسة الطب مثلاً والفن؟ المدافعون عن العربية هنا يذكرونني بالمتشددين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وموقفهم من ابتعاث طلابنا للدراسة في الغرب، ونفس العبارة تتكرر: سيرجع ممسوخ الهوية".
المتحدث باسم جامعة الرياض للفنون المكلف عبدالمجيد العساف، أشار في تصريحات صحافية، الاثنين، إلى أن الجامعة صممت برامجها الأكاديمية وفق أسس علمية ومهنية تنسجم مع مستهدفات تطوير التعليم، وتمكين الكفاءات الوطنية في التخصصات الثقافية والإبداعية.
بينما كشف الناقد والأكاديمي عبدالله الغذامي عن أن فريق إعداد المقررات في الجامعة، تواصل معه قبل أسابيع لتحكيم مقرر عن الموروث السعودي.
وفي منشور على منصة "إكس"، قال: "حول جامعة الرياض للفنون، تواصل معي فريق المقررات قبل أسابيع، وطلبوا مني تحكيم مقرر عن الموروث السعودي، والمقرر بمفرداته ومراجعه وخطته باللغة العربية، وقالت لي المشرفة إن المقررات بالعربي وبعضها بالإنجليزي". وأضاف: "ولا حرج عندي لو كان بعضها بالإنجليزي، فهذا ثراء معرفي لا شك فيه".
وانضمت الشاعرة فوزية أبو خالد إلى الأصوات المعترضة، حيث كتبت تعليقاً على طرح البازعي: "رأي يمثلني ويمثل كل مواطن ومثقف غيور، ليس فقط على وطنه وهويته الثقافية التي رمزها اللغة العربية، بل وأيضاً موقف يعيد النظر في الغيرة على المفهوم العدلي لعالمية اللغة".
برامج دراسية بلغات مختلفة
ومع تصاعد الجدل وتمدد النقاشات، أصدرت جامعة الرياض للفنون بياناً توضيحياً، أكدت فيه أنها تقدم البرامج والمقررات الأكاديمية باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية وفق طبيعة كل تخصص ومتطلباته، شأنها في ذلك شأن العديد من الجامعات التي تعتمد أكثر من لغة بحسب طبيعة برامجها الأكاديمية، بناء على توصيات اللجان العلمية المختصة، بما يضمن جودة المخرجات التعليمية ورفع كفاءة التحصيل العلمي والمهني للطلبة، مع الاستفادة من أحدث المراجع والممارسات في المجالات التخصصية المختلفة.
كما شدد المتحدث الرسمي باسم الجامعة على أن البرامج الأكاديمية، لن تأتي بمعزل عن الهوية الوطنية، موضحاً أن جميع البرامج تتضمن مقررات ومحتوى معرفياً يعزز الثقافة السعودية، إلى جانب مقررات تُعنى باللغة العربية والتعبير الإبداعي والتواصل الثقافي، بما يسهم في إعداد خريجين معتزين بهويتهم وقادرين على تمثيل ثقافتهم في مختلف المناحي المهنية والمعرفية.
وقال إن الجامعة تثمن وتقدر جميع الآراء والنقاشات حول تطوير التعليم والبرامج الأكاديمية، معتبراً أن الحوار البناء والاهتمام المجتمعي يمثلان عنصرين مهمين في دعم مسيرة البناء والتطوير، بما يسهم في بناء جيل سعودي مبدع يعتز بثقافته وهويته الوطنية، ويشارك بفاعلية في تحقيق المستهدفات الثقافية الوطنية تحت مظلة رؤية "المملكة 2030".








