
هل تزيد الألقاب من قيمة الأسماء، أم أن الأسماء هي من تمنح الألقاب قيمتها؟
من هذا السؤال كان المدخل للحديث عن تجربة حافلة بالمعارك الثقافية والفكرية والدبلوماسية، كشف عنها الدكتور زياد الدريس، المندوب الدائم السابق السعودية لدى منظمة "اليونسكو" (2006–2016)، في لقائه في بودكاست "صناع الثقافة"، مستحضراً تجربته في اليونسكو المليئة بالكثير من المواقف الدبلوماسية التي تمثل انعكاساً لحضور الثقافة السعودية في المحافل الثقافية الدولية.
التجرد من الألقاب
افتتح الدريس حديثه عن ظاهرة الألقاب التي تسبق أسماء معروفة ذات قيمة فكرية، مشيراً إلى أن النجاح الحقيقي لأي قامة فكرية أو ثقافية أو سياسية يكمن في وصوله لمرحلة تجرده من الألقاب.
وقال: "سبق أن كتبت مقالاً في مجلة اليمامة قبل عدة سنوات بعنوان: "هل تفوقت على ألقابك؟" كتبت فيه أن النجاح الحقيقي للإنسان هو أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها جديراً بأن ينادى باسمه فقط دون أن يحتاج إلى أي لقب، والحقيقة أن المرء إذا وصل إلى هذه المرحلة، فهذا في حد ذاته نجاح كبير".
واستحضر في هذا السياق أمثلة عدّة بارزة في الثقافة العربية والغربية، برزت قيمتها في تجردها من الألقاب. أبرزهم طه حسين، وهو الحائز على أكثر من درجة دكتوراة من مصر، ومن جامعة السوربون في باريس، إلى أن إضافة لقب دكتور لشخصية مثل طه حسين، سيشعر المتابع وكأنها تقليل من قامة علامة فارقة في الأدب، على حد قوله.
حمد الجاسر في آخر القائمة!
وذكر الدريس موقفاً طريفاً عن الشيخ حمد الجاسر الملقب بـ "علامة الجزيرة"، وهو أحد أبرز أعلام الفكر واللغة والبحث والتحقيق في تاريخ وتراث الجزيرة العربية وجغرافيتها خلال القرن العشرين، وهو مؤسس مؤسسة اليمامة الصحفية التي أصدرت مجلة اليمامة، أول مجلة تصدر في مدينة الرياض.
قال: "أتذكر أنه كانت هناك فعالية في إحدى المؤسسات هنا في الرياض، ووضعوا قائمة بأسماء المشاركين، الدكتور فلان، والدكتور فلان، ثم وضع حمد الجاسر في آخر القائمة لمجرد أن المنظم لم يجد قبله لقب دكتور.
ويرى الدريس أن الشاعر الرحل غازي القصيبي، يُعدّ نموذجاً لا يمكن تجاوزه في هذا السياق، فهو صاحب الاسم الذي استوعب كافة ألقابه (الوزير، الدبلوماسي، الروائي، الشاعر) تجاوزها. كما استشهد بتجربة الفيلسوف الفرنسي الشهير إدغار موران، الذي كان يصر في مختلف محافل اليونسكو على كتابة اسمه مجرداً على اللوائح التعريفية دون إضافة أي لقب أو درجة علمية.
صالون ثقافي
تطرّق الحوار إلى "مركز الشيخ عبد الله بن إدريس الثقافي"، الذي بدأ كصالون ثقافي، حيث أشار الدريس إلى أن والده عبد الله بن إدريس رحمه الله، لم يكن مجرد شاعر يكتب القصائد ويهتم بالأدب فحسب، بل كان له نشاط ثقافي منذ بداية شبابه في أثناء الدراسة.
لكن المنعطف الأساسي في حضوره الثقافي كان تأليفه لكتاب "شعراء نجد المعاصرون" الذي صدر عام 1960م، وكان بمثابة أنطولوجيا ضمّت نحو 30 شاعراً فصيحاً. وحظي باحتفاء كبير من مثقفين عرب بوصفه أول كتاب يتناول الشعراء الفصحى في نجد. وبعد صدور الكتاب التقى بأعلام وقامات ثقافية وفكرية، مثل طه حسين، عباس محمود العقاد، محمد مندور، بنت الشاطئ، ومحمود إسماعيل، واكتشف أن البعض يظن أنه لم يعد في نجد شعراء يكتبون الفصحى، ما أشعره بمسؤولية ثقافية.
أنشأ في بيته ما يشبه الصالون الثقافي، حيث كان يستضيف الأدباء القادمين من مصر وغيرها ممن يعملون في المعهد العلمي أو الكلية، ولاحقاً مع تأسيس مهرجان "الجنادرية" (وكان عضو هيئة المشورة للمهرجان) أصبح يدعو ضيوف مهرجان الجنادرية القادمين من خارج المملكة. كذلك خلال رئاسته للنادي الأدبي بالرياض لأكثر من 20 سنة، كان يستضيف الأدباء عند انعقاد اجتماعات الأندية الأدبية بالرياض.
ويضيف الدريس: "كنا محظوظين برؤية تلك الرموز التي لا نراها إلا في الصحف، أمثال حسن ظاظا، عبد الوهاب المسيري، عبد العزيز الرفاعي، وعزيز ضياء".
مركز ثقافي
بعد وفاة الوالد عام 2021 بـعام تقريباً، تم إصدار الأعمال الكاملة، ثم بدأت الأفكار تتوالى، وفي العام 2023 جرى تدشين "مركز الشيخ عبد الله بن إدريس الثقافي" ليكون مركزاً ثقافياً وطنياً يعنى بثلاثة محاور أساسية، وهي: تعزيز الهوية الوطنية والعربية والإسلامية، وترسيخ القيم، ودعم اللغة العربية.
جائزة الشيخ عبد الله بن إدريس
وعن مسارات العمل والمبادرات، يقدم المركز "جائزة الشيخ عبد الله بن إدريس" الممتدة لثلاث سنوات والمنطلقة مع تأسيس المركز ومقدارها 300 ألف ريال سعودي، وكانت دورتها الأولى مخصصة للشعر، وجاءت دورتها الثانية عن الثقافة والمكتبة الرقمية، وركزت الدورة الثالثة على صناعة الأفلام القصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وإلى جانب الجائزة، يقدم المركز نشاطاً منبرياً مركزاً يقتصر على أربع ندوات دورية سنوياً تقام بالشراكة مع جهات محلية في مختلف مناطق المملكة، فضلاً عن مبادرات نوعية أخرى أبرزها مبادرة "ترجمة مليار كلمة"، التي تهدف لتعزيز المحتوى العربي عبر ترجمة كتب ودوريات، ومقالات من كبرى الصحف الأجنبية، وتشمل الترجمة مختلف اللغات، مع طغيان اللغة الإنجليزية، ويتم نشرها في موقع مخصص.
ترجمة مليار كلمة
وأكد الدريس أن "أهم المبادرات الجوهرية التي يقدمها المركز، مبادرة "ترجمة مليار كلمة" التي أطلقناها عام 2024. ووصلنا حتى الآن إلى ترجمة نحو 15 مليون كلمة".
وأضاف: "نستند في هذا الجهد المضني على اتفاقيات مع مصادر معرفية وصحف غربية، ومؤسسات ترجمة، ومترجمين أفراد (متطوعين وبمقابل) من السعودية والعالم العربي (مصر، الأردن، تونس وغيرها) ونفضل العمل التطوعي كوننا مؤسسة غير ربحية تهدف لخدمة الساحة العامة".
معركة اليونسكو
عام 2017 أصدر الدكتور زياد الدريس كتابه "معركة اليونسكو"، الذي وثق فيه المحاولات الأربع الفاشلة لوصول مرشح عربي إلى رئاسة اليونسكو منذ عام 1999 إلى العام 2017.
وقال عن قصة ترشيحه لهذا المنصب: "دعاني أحد المسؤولين في عام 2005 للمشاركة ضمن الوفد السعودي في المؤتمر العام لليونسكو (الذي يعقد كل سنتين)، وإعداد تقرير عن المؤتمر الذي استمر لمدة 20 يوماً، وعندما عدت لأقدم التقرير، فاجأني المسؤول بقوله: "دع التقرير الآن، أردت إبلاغك بأنك مرشّح لتكون المندوب الدائم هناك".
والحقيقة أني فوجئت بالقرار لأني كنت أعمل في قطاع التعليم، وكان لدي بعض المخاوف من الغربة وحاجز اللغة الفرنسية، رغم وجود 6 لغات رسمية بالمنظمة منها العربية، إضافة إلى ثقل المسؤولية في تمثيل بلد بحجم المملكة".
واستعرض الدريس أهم المحطات في رحلته في اليونسكو التي استمرت عشر سنوات، ابتداء من عام 2006 حتى العام 2016، تخللتها الكثير من الملفات المهمة، أبرزها تسجيل 9 مواقع وعناصر سعودية على قائمة التراث العالمي بشقّيه المادي وغير المادي.
وشمل المادي 4 مواقع هي مدائن صالح 2008، التي تُعدّ أول دخول سعودي للقائمة، وحي الطريف بالدرعية 2010، وجدة التاريخية 2014، والفنون الصخرية في حائل 2015، فضلاً عن إعداد ملف واحة الأحساء الذي تم تسجيله عام 2018، وتقديم قائمة تمهيدية تضم 10 مواقع أخرى مثل دومة الجندل، ورجال ألمع، وسكة حديد الحجاز.
وأوضح الدريس أن تسجيل المواقع التراثية المادية، يعطي مردوداً سياحياً كبيراً ويحفظ ديمومتها، وتصبح اليونسكو شريكة مسؤولة في حمايتها وترميمها عند الكوارث. أما التراث غير المادي مثل العرضة النجدية، القط العسيري، فيهدف للتعريف بالهوية والثقافة وجذب السياح للتعرف على الفنون الشعبية والأزياء والأطباق.
الاعتراف بدولة فلسطين
وأوضح الدريس أن هذا الحراك توّج المملكة عام 2013 بالدخول ضمن قائمة أكثر 10 دول نفوذاً في اليونسكو. وكانت الدولة العربية والإسلامية الوحيدة في القائمة إلى جانب دول كبرى مثل أمريكا وفرنسا، وبريطانيا، والبرازيل، واليابان.
هذا النفوذ يعني أن المملكة أصبح لها صوت وتأثير قوي في القرارات والتصويت، مثل قرارات التراث الفلسطيني والقدس والمسجد الأقصى، ومنح فلسطين العضوية الكاملة عام 2011، بعد أن ظلت دولة مراقبة لمدة 22 عاماً، وكانت أحد أصعب المعارك الدبلوماسية التي تكللت بالنجاح، عبر إقرار العضوية الكاملة في اليونسكو عن طريق التصويت.
اليوم العالمي للغة العربية
وفي سياق الإنجازات التي حققتها المملكة في اليونسكو، كشف الدريس عن كواليس قصة إقرار احتفالية "اليوم العالمي للغة العربية" قائلاً: عام 2012، وبصفتي نائباً لرئيس المجلس التنفيذي ورئيساً للجنة الثقافة العربية (أربيا)، تقدمت بمشروع قرار لتأسيس احتفالية سنوية باليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر".
أضاف: "قبيل التصويت بيومين، أدرجنا اسم المملكة المغربية الشقيقة معنا في المبادرة لكون سفيرتها ترأس المجموعة العربية آنذاك، وتم التصويت على القرار واعتماده رسمياً في اليونسكو والأمم المتحدة، وليكون اليوم 18 ديسمبر من كل عام هو اليوم العالمي للغة العربية".
وحول ادعاءات الدكتور جورج جبور بأنه صاحب الفكرة عام 2006، علّق الدريس قائلاً: "الأفكار مطروحة دائماً في الفضاء العام، لكن العبرة تكمن في تقديم المشروع الإجرائي والعمل الفعلي على إقراره".
وختم حديثه بتأييده لصناعة الثقافة قائلاً: "أنا مع صناعة الثقافة كعمل مبرر يهدف لاستدامة الثقافة وحفظ الهويات الفرعية من ذوبان العولمة، لكني ضد صناعة المثقف، لأن هذا الأمر يدفع للساحة بمثقفين مصطنعين بلا موهبة أو تلقائية.
وأقول دائماً المثقف الحقيقي هو من يقرأ أكثر مما يكتب، أما من يكتب أكثر مما يقرأ فهو إعلامي.








