"البودكاست" الثقافي العربي.. ضيف خفيف في الخلفية | الشرق للأخبار

"البودكاست" الثقافي العربي.. ضيف خفيف في الخلفية

time reading iconدقائق القراءة - 8
شعار  "بودكاست" على جهاز كمبيوتر محمول في صورة تعبيرية التقطت في حي بروكلين بنيويورك - 29 سبتمبر 2020. - Bloomberg
شعار "بودكاست" على جهاز كمبيوتر محمول في صورة تعبيرية التقطت في حي بروكلين بنيويورك - 29 سبتمبر 2020. - Bloomberg
القاهرة -

لا ينتهي الجدل حول العلاقة بين التكنولوجيا والكتاب الورقي، فكلما ظهر وسيط جديد للقراءة ومناقشة الكتب، وجد هذا السؤال المُلح طريقه إلى القراء.

لكن العلاقة هذه المرة أكثر مرونةً واتساقاً عما قبل، فمع ظهور المدونات الصوتية "بودكاست" سريعاً وجد الإبداع والكتب طريقه إليها، وسخر الوسيط الجديد قسماً لا بأس به لخدمة القراءة، سواء على الصعيد العالمي، أو العربي، فباتت آلاف الكتب موضوعاً للنقاش والعرض على المدونات الصوتية.

3 تجارب

كلمة بودكاست (Podcast) تتكون من شطرين: الأول Pod، نسبة إلى جهاز pod التابع لشركة (آبل)، والثاني Cast المشتقّة من الكلمة الإنجليزية Broadcast التي تعني بث.

وانطلقت منصات دعم وتشجيع المدونات الصوتية في الوطن العربي عام 2019، رغم أن المحتوى العربي المسموع كان موجوداً بأشكال عدة قبل هذا التاريخ بكثير.

صحيح أنه ليست هناك أرقام واضحة حول تجارب "البودكاست العربي"، رغم تبنى عدد من المؤسسات لفكرة توثيق ودعم انطلاق المضمون العربي لـ"البودكاست"، إلا أن الأرقام التي حققها بعض المدونين تُبشر بانطلاق هذا الوسيط عربياً في القريب.

يحتفل المدون السعودي حسين إسماعيل مع مستمعيه على "بودكاست كتبيولوجي" هذا الشهر، بالوصول إلى 50 ألف استماع، وهو رقم كبير نسبياً في ظل حداثة عهد هذا الوسيط.

وتخصصت المدونة في تقديم قراءات فلسفية وفكرية وعروض للكتب العربية، ورغم أنه صاحب أحد أشهر المدونات الفلسفية السعودية، يقول إسماعيل: "رقم مذهل جداً بالنسبة لي، لأني لم أتوقع أن يحصل البودكاست حتى ربعه".

يعتمد إسماعيل على طريقة الحوار المباشر، ويتحدث إلى جمهوره بما يروقه من أفكار حول كتاب أو موضوع فكري معين، ويقول عن أسباب اختياره لوسيط "البودكاست": "أشعر بأنه وسيلة مناسبة للحديث عن بعض الأبعاد المتعلقة بالكتب أو القراءة بشكل عام، والتي قد لا تكون بنفس التأثير إذا ناقشتها مكتوبة. لأني حين أكتب لا بد أن أراعي اللغة المستخدمة وبناء الجمل وإيقاع الطرح، بينما كتبيولوجي من الأساس بدأ بهدف أن يكون أقرب للمستمع من القراءات الرسمية".

دردشة ثقافية

في المقابل، ذهب الشاعر والمدون المصري مينا ناجي، إلى فكرة التدوين الصوتي، رغبة في تقديم شكل حواري حول الكتب والكتّاب.

يقول ناجي: "فكرتي الأساسية أن أقدم دردشة ثقافية وأدبية، وأن أتطرق مع ضيوفي إلى موضوعات من الصعب التطرق إليها في حوار مكتوب".

ويحاول ناجي وصديقه إسلام حنيش في مدونة "ختم السلطان" تقديم "بودكاست" يشبه جلسة المقهى، التي اشتهرت بها الحياة الأدبية كأحد أهم أساليب إثراء الجدل الثقافي، لكن ما يفرق "ختم السلطان" عن جلسة المقهى، كما يقول ناجي، هو "اختلاف الحلقات التي نقدمها إذ إن موضوعاتها محددة مسبقاً، كذلك فإن دردشة المقهى في النهاية تكون أكثر عفوية، مهما كانت الأمور بسيطة، فإن المرء في النهاية عندما يجلس أمام ميكروفون يكون متحفظاً وحريصاً، وهذا يجعل الكلام أكثر وعياً عن جلسة المقهى".

على مدار عامين، سعى مينا وصديقه إلى كسر الصورة النمطية حول نخبوية الأدب، وأن القراءة حكراً على الجماعة الثقافية، وكان ذلك هو الهدف الأول من تبسيط الموضوعات وطريقة تناولها.

أما الشاعر المصري مصطفى إبراهيم، فانطلق إلى فكرة التدوين الصوتي من منطقة مختلفة كلياً، إذ تقوم قناته على موقع "ساوند كلاود" على قراءة قصائده مع خلفية موسيقية، وقد أطلق هذه القناة قبل انتشار "بودكاست" عربياً، حيث يقول: "الحقيقة لا تعنيني التسميات، أنا لجأت إلى تسجيل الشعر، لأنه مخادع في القراءة، خصوصاً شعر اللهجة العامية، إذ يمكن للقراءة أن تفسد الوزن، ولأني شعرت أن الأداء جزء مهم من الحالة الشعرية، فكرت أيضاً أن أضع القصائد لأشعر بالإنجاز، واخترت التدوين الصوتي نظراً لسهولته، كما أنه لا تشوهه الإعلانات كما هو الحال مع منصات أخرى".

جدل في ثوب جديد

لا تزال المضامين العربية في مجال التدوين الصوتي قيد التجريب، فكثير من المدونات جديدة نسبياً، والأغلبية غير منتظمة بالقدر الكافي، لكن مواقع فهرسة وتجميع المضمون المسموع على الإنترنت، سهلت كثيراً على المستمعين العثور على المحتوى المناسب.

يشير حسين إسماعيل، إلى أن وسائط استعراض المنتج الثقافي بشكل عام، تتسبب بتغيير في التصورات حول الثقافة، ولذا فإن الجدل الثقافي هو الآخر يتغير.

ويضيف: "وأيضاً كلما تضخم حجم الشريحة القادرة على الوصول للوسائط، ومنتجاتها، كان هناك إمكانية لعدد أكبر من الناس للانخراط والمشاركة في الجدل".

ويفرض التوسع في أعداد المستمعين بشكل أو بآخر تبسيطاً في طريقة تناول الكتب والموضوعات، فبحسب تجربة إسماعيل، فإن "شريحة المستمعين لـ "كتبيولوجي" أكبر بشكل عام من شريحة من كانوا يقرؤون المقالات التي أكتبها، ولأن الاستماع لـ"بودكاست" فردي يتطلب ترتيبه بشكل ما يصعب على المستمع تتبع تسلسل الأفكار وما إلى ذلك، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن كثيرين يستمعون لـ"البودكاست" بشكل عام أثناء أداء مهامهم اليومية المختلفة".

ويتابع إسماعيل: "من جانب آخر، لم أبسط المحتوى نفسه، فليس هناك فارق كبير بين الـ"بودكاست" والكتابة، لأني ألزمت نفسي منذ فترة طويلة بتوضيح المصطلحات والمفاهيم وغيرها، بحيث لا تبدو الفكرة عسيرة على القارئ، وبذلك فإنه لا فرق بين المحتوى المسموع والمكتوب في هذه الناحية".

ضيف خفيف

يتفق الجميع أن طريقة اختيار الموضوعات الأهم هي الشغف الشخصي بالكتاب أو موضوع الحلقة، فمينا ناجي، لا يختار ضيوفه بناء على انتشارهم في الأوساط الأدبية أو وزنهم في الحياة الثقافية المصرية، إنما بدافع تفضيله الشخصي وشغفه بالكاتب، يقول: "أختار ضيوفي بناء على ذائقتي الخاصة التي أقدمها للمستمع بغض النظر عن أي معايير أخرى".

كذلك فإن المدون السعودي حسين إسماعيل يرفض تماماً فكرة أن طبيعة الجمهور ربما تفرض كتباً وموضوعات دون أخرى، يقول: "لا أظن أن اختيارات الكتب التي أناقشها تأثرت بشكل حقيقي بأي تصور عن طبيعة الجمهور. انطباعات المستمعين وآراؤهم مؤثرة في آلية تناول المواضيع والتوسع أو الاختصار فيها، لكن اختيار المواضيع نفسها كان وما زال مبنياً على تفضيلاتي الشخصية بشكل رئيسي".

أما الشاعر المصري مصطفى إبراهيم، فيجد في التدوين الصوتي مزايا تتفوق على اللقاء المباشر، قائلاً: "في حالة تقديم القراءات والاستعانة بخلفية موسيقية يكون الإيقاع أكثر انضباطاً، فهناك فرصة لإعادة التسجيل حتى تصل إلى أفضل قراءة ممكنة، صحيح أن اللقاء المباشر يعطي تفاعلاً فورياً ومباشراً، إلا أن التدوين الصوتي يعطيه جودة أفضل".

ويصف إبراهيم الـ"بودكاست"، بأنه "ضيف خفيف وغير متطلب، يمكن لمحبي الأدب الاستمتاع به في خلفية أي نشاط يمارسونه دون تفرغ ودون استهلاك للوقت والجهد".

تصنيفات