
يخطط البنتاجون لنشر نحو 3 آلاف جندي من فرقة المشاة 82 المحمولة جواً، إحدى فرق النخبة في الجيش الأميركي، إلى الشرق الأوسط لدعم العمليات ضد إيران، في خطوة أولى ضرورية تمهيدية لأي عمليات برية محتملة.
وأفادت وسائل إعلام أميركية بأن البنتاجون أمر وحدة القيادة الخاصة بفرقة المشاة 82 المحمولة جواً بالانتشار في الشرق الأوسط، فيما تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إمكانية نشر الفرقة بالكامل، فما هي الفرقة 82 المحمولة جواً، وماذا نعرف عنها؟
ما هي الفرقة 82 المحمولة جواً؟
الفرقة 82 المحمولة جواً (82nd Airborne Division) هي وحدة نخبة من القوات البرّية في الجيش الأميركي محمولة جواً يمكن نشرها في أي مكان حول العالم في غضون ساعات قليلة بعد إصدار الأوامر.
وأنشئت الفرقة 82 المحمولة جواً في أغسطس 1917، بمعسكر جوردون بولاية جورجيا الأميركية. حين كانت الحرب العالمية الأولى في أوجها، وكان الجيش الأميركي يبحث عن وحدة تستقطب المجندين من جميع الولايات الأميركية. ومن هنا وُلد لقبها: "All American"، أو "كل الأميركيين".
ولم تبلغ الفرقة أوج مجدها إلا في أغسطس 1942، حين أُعيد تشكيلها لتصبح أول فرقة محمولة جواً في تاريخ الجيش الأميركي. وما إن حلّ صيف 1944، حتى كانت مظلاتها تتساقط على السماء الفرنسية في ليلة السادس من يونيو، في إطار عملية النيبتون التي مهّدت لإنزال نورماندي التاريخي. وفي سبتمبر من العام ذاته، شاركت في عملية ماركت جاردن بهولندا، واحدة من أضخم العمليات المحمولة جواً في تاريخ الحرب العالمية الثانية.
وتتمركز الفرقة في قاعدة فورت براج بولاية نورث كارولاينا، وتتبع للفيلق الثامن عشر المحمول جواً، وهو التشكيل المسؤول عن القوات الجاهزة للانتشار السريع في حالات الطوارئ والأزمات العسكرية حول العالم، وفق بيانات الجيش الأميركي.
ويبلغ قوام الفرقة ما بين 15 ألفاً و20 ألف جندي، وتتكون من عدة ألوية، أبرزها 3 ألوية قتالية، إضافة إلى لواء مدفعية، ولواء طيران قتالي، ولواء دعم لوجستي. أما اللواء القتالي الواحد داخل الفرقة، فيتراوح عدد أفراده عادة بين نحو 3 و4 آلاف جندي، وهو وحدة قتالية متكاملة يمكنها تنفيذ عمليات مستقلة دون الحاجة إلى نشر الفرقة كاملة.
وتتمثل المهمة الأساسية للفرقة في تنفيذ عمليات "توغل"، وهي عمليات إنزال جوي بالمظلات في مناطق قتال أو مناطق متنازع عليها للسيطرة على مطارات أو قواعد عسكرية أو موانئ، تمهيداً لوصول قوات أكبر ومعدات ثقيلة لاحقاً. كما تشمل مهامها التدخل السريع في الأزمات، وإجلاء المدنيين، وتأمين المواقع الاستراتيجية، وفتح ممرات للقوات البرية الثقيلة.
قوة الاستجابة الفورية
وما يجعل الفرقة 82 مختلفة عن سائر قوات الجيش الأميركي ليس حجمها ولا تاريخها، بل سرعتها. فهي الوحدة البرية الوحيدة في القوات المسلحة الأميركية القادرة على تنفيذ "اقتحام جوي إجباري مشترك" على أي بقعة في العالم في غضون 18 ساعة فحسب من لحظة إصدار الأمر.
تتجسّد هذه القدرة في ما يُعرف بـ"قوة الاستجابة الفورية" (Immediate Response Force / IRF)، وهي لواء قتالي متكامل يضم نحو 3000 جندي، يعملون وفق نظام تأهب متدرج يضمن أن تكون مجموعة منهم على استعداد للإقلاع في أي لحظة. يمثل هذا اللواء ما يسميه الجيش الأميركي "قوة الاستجابة العالمية" (Global Response Force)، أي الذراع البرية التقليدية الأسرع على مستوى الأرض.
ميزة المظليين الكبرى هي السرعة: يصلون ليلاً، ينزلون بالمظلات في عمق الأرض المعادية، ويؤمّنون أهدافاً استراتيجية قبل أن تتمكن القوات المعادية من الاستعداد. بيد أن لهذه الميزة ثمنها: المظليون لا يحملون معدات ثقيلة كالمركبات المدرعة التي توفر الحماية في مواجهة الهجمات المضادة. هذه الثغرة تحديداً تمثّل تحدياً في أي سيناريو مواجهة مع قوة مدرعة كالحرس الثوري الإيراني.
سجل لا يُنسى في الأزمات الكبرى
حين تندلع أزمة في أي مكان على الكرة الأرضية، تكون الفرقة 82 في الغالب أول قوة برية تقليدية تصل، ففي ديسمبر 1989، نفّذت أول قفز مظلي قتالي منذ الحرب العالمية الثانية، حين توغلت في بنما للإطاحة بالديكتاتور مانويل نورييجا.
وعقب غزو الرئيس العراقي صدام حسين للكويت، وعندما انطلقت عملية "عاصفة الصحراء" عام 1991، كانت الفرقة في طليعة القوات التي اجتاحت الأراضي العراقية.
وخلال أحداث اقتحام السفارة الأميركية في بغداد، يناير 2020، توجهت قوة الاستجابة الفورية إلى الشرق الأوسط في غضون ساعات. وحين أعلنت واشنطن الانسحاب من أفغانستان في أغسطس 2021، كانت هي من أمّنت مطار كابول، وأدارت عمليات الإجلاء في ظروف بالغة الخطورة.
وقبيل الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، كانت الفرقة 82 أول وحدة أميركية تُنشر في بولندا كرسالة ردع.
جزيرة "خرج".. السيناريو الأكثر تداولاً
يدور النقاش في واشنطن حول سيناريوهات محددة لتوظيف هذه الفرقة في الحرب الراهنة مع إيران. الأبرز: السيطرة على جزيرة "خرج" النفطية، التي تتحكم في نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، ووصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها "جوهرة التاج" لإيران.
غير أن التخطيط لهذا السيناريو يصطدم بعقبة عملية: مدرج الجزيرة تضرر في الغارات الأميركية الأخيرة، مما يجعل إنزالاً مباشراً للمظليين أمراً عسيراً. لذا تُشير التقارير إلى أن الخطة قد تستدعي إرسال قوات مشاة البحرية (المارينز) أولاً للسيطرة على الجزيرة وإصلاح مدرجها، ثم تتولى الفرقة 82 لاحقاً تعزيزها والصمود الطويل الأمد، إذ تمتلك قدرات لوجستية أكبر تتيح لها الاستمرار في العمليات بصورة مستقلة. أما قوات المارينز فتتفوق في الاقتحام الأولي، لكنها لا تملك قدرة التمركز الطويل الذي تتيحه الفرقة.
وثمة سيناريو موازٍ يُناقَش أيضاً: توظيف الفرقة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
وحرص المسؤولون الأميركيون على توصيف هذه التحركات بأنها "تخطيط احترازي"، لا قراراً نهائياً بالتدخل البري. ونفى البنتاجون والقيادة المركزية الأميركية إصدار أي أوامر رسمية بالنشر، فيما رفضا التعليق. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترمب "يحرص دائماً على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة".
ويشير خبراء عسكريون إلى أن نشر لواء من الفرقة 82 المحمولة جواً يعني عادة أن الولايات المتحدة تريد إبقاء خيار العمليات البرية متاحاً، لأن مهمة هذه القوات في الأساس هي الوصول أولاً إلى ساحة العمليات، والسيطرة على مواقع استراتيجية، قبل وصول قوات إضافية إذا تقرر توسيع العمليات العسكرية.








