الاستخدام السريري لـ"غاز الضحك" قد يكون علاجاً سريع المفعول للاكتئاب

time reading iconدقائق القراءة - 7
يمكن معالجة الاكتئاب حتى لو كان شديداً سواء بالأدوية أو بالاستشارة النفسية - Getty Images
يمكن معالجة الاكتئاب حتى لو كان شديداً سواء بالأدوية أو بالاستشارة النفسية - Getty Images
القاهرة -محمد منصور

ذكرت دراسة علمية أن الاستخدام السريري لغاز أكسيد النيتروز، المعروف باسم "غاز الضحك"، يمكن أن يشكّل علاجاً سريع المفعول للاكتئاب، خاصة لدى المرضى الذين لم يستجيبوا لمضادات الاكتئاب التقليدية.

وقالت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة برمنجهام البريطانية، ونُشرت في دورية eBioMedicine، إن المرضى المصابين باضطراب الاكتئاب الشديد، بما في ذلك الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج، أظهروا تحسناً ملحوظاً وسريعاً في الأعراض بعد تلقّي علاج قصير المدى بأكسيد النيتروز.

يمثّل هذا التحليل أكبر دمج عالمي لبيانات التجارب السريرية حول هذا المجال، وتفتح النتائج الباب أمام جيل جديد من العلاجات السريعة المفعول للاكتئاب، بخلاف الأدوية التقليدية التي تستغرق أسابيع قبل أن يظهر تأثيرها.

خيار فعال

وأوضحت الدراسة أن أكسيد النيتروز، المستخدم عادة كمسكن للألم في العديد من الإجراءات الطبية، يمكن أن يكون خياراً علاجياً فعالاً للبالغين الذين يعانون من اضطراب الاكتئاب الشديد والاكتئاب المقاوم للعلاج.

ويُعد أكسيد النيتروز غازاً طبياً شائع الاستخدام منذ عقود، ويُعرف غالباً باسم "غاز الضحك" نظراً لتأثيره المهدئ الذي يمنح شعوراً بالاسترخاء والراحة، ويستخدم هذا الغاز بتركيزات محددة في العديد من الإجراءات الطبية، خاصة في طب الأسنان والعمليات التي تتطلب تسكيناً قصير المدى أو تخفيفاً سريعاً للألم دون فقدان الوعي الكامل.

والاكتئاب المقاوم للعلاج، حالة لا يستجيب فيها المريض لمحاولتين علاجيتين منفصلتين باستخدام مضادات الاكتئاب، وتمثّل تحدياً أمام الرعاية السريرية التقليدية، ويؤثر على ما يقرب من 48% من مرضى الاكتئاب في المملكة المتحدة ممن لا يحصلون على الفائدة المرجوة من العلاجات المعتادة، وتعاني هذه الفئة بشكل كبير نتيجة غياب الاستجابة الملموسة للعلاج، ما يجعل البحث عن خيارات بديلة وسريعة المفعول أمراً ضرورياً.

وأجرى الباحثون تحليلاً منهجياً لسبع تجارب سريرية وأربع أوراق بروتوكول بحثي أجرتها فرق علمية دولية، حيث ركز كل بحث على استخدام أكسيد النيتروز لعلاج اضطرابات الاكتئاب، بما في ذلك الاكتئاب الشديد والاكتئاب المقاوم للعلاج والاكتئاب ثنائي القطب.

المعالجة المتكررة

وتمثّلت نقاط المقارنة في تقييم مستويات التحسن في الأعراض، ونسبة التركيز الدوائي، ومدى استمرارية التأثير، إضافة إلى مؤشرات السلامة الجسدية والنفسية بعد الاستخدام.

وأظهرت النتائج أن جرعة واحدة من أكسيد النيتروز بتركيز 50% – تم استخدامها في ثلاث من التجارب – أدت إلى انخفاض سريع وملحوظ في أعراض الاكتئاب خلال 24 ساعة من الاستنشاق، غير أن التحسن لم يستمر طوال الأسبوع التالي وفق المتابعة السريرية.

وكشفت الدراسة أن المرضى الذين تلقّوا جرعات متكررة عبر عدة أسابيع حققوا تحسناً أكثر استدامة، ما يشير إلى أن المعالجة المتكررة تمثّل استراتيجية أكثر فاعلية للحفاظ على الفائدة السريرية.

وفصّلت الدراسة آلية عمل أكسيد النيتروز، مشيرة إلى أنه يستهدف مستقبلات الجلوتامات بطريقة مشابهة لدواء الكيتامين المعروف بفاعليته السريعة في تحسين الحالة المزاجية، ما قد يفسر حدوث التحسن في وقت قصير بعد الاستخدام.

وأكد الباحثون أن التقارب في الآلية بين العقارين يجعل أكسيد النيتروز خياراً واعداً في فئة العلاجات السريعة، خاصة أن له تاريخاً طبياً طويلاً من حيث الاستخدام في سياقات الألم.

وقالت الباحثة الأولى في الدراسة، كيران بريت جيل، إن مرض الاكتئاب يمثّل عبئاً مرهقاً على المريض والمجتمع، وإن انعدام الفائدة العلاجية لنحو نصف المرضى يمثّل مأزقاً إنسانياً وعلاجياً كبيراً.

وأضافت جيل أن الدراسة تجمع أفضل الأدلة المتاحة لتقييم فاعلية أكسيد النيتروز، وهو ما يمنح المرضى الذين يعانون من الاكتئاب الشديد بصيص أمل جديد في بديل علاجي سريع التأثير.

وأشارت إلى أن نتائج التحليل تمثّل أساساً لتجارب مستقبلية أكثر توسعاً تهدف إلى بناء بروتوكولات دقيقة حول جرعات العلاج وتكرارها وآليات تطبيقها.

أمل في التعافي

وبيّنت الدراسة أن الدليل العلمي المتوافر قوي فيما يتعلق بالتحسن قصير المدى في الحالة المزاجية، غير أن عدد التجارب المتاحة لا يزال محدوداً، ما أدى إلى وجود اختلافات بين الدراسات في طرق قياس الأعراض وتوقيت التقييمات.

وشدد الباحثون على أن الدراسات المقبلة يجب أن تركز على تحديد الجرعة المثلى وسلامة الاستخدام على المدى البعيد وكذلك أفضل الطرق لإدماج هذا النهج في مسارات العلاج الحالية.

وركز الباحثون أيضاً على دراسة السلامة الطبية والآثار الجانبية، وكشفوا أن بعض المرضى تعرّضوا لأعراض عابرة مثل الغثيان والدوار والصداع، لكنها اختفت سريعاً دون تدخل طبي.

وأظهرت البيانات أن الجرعات الأعلى عند تركيز 50% تزيد احتمالات حدوث الآثار الجانبية المؤقتة، غير أن جميع التجارب أفادت بعدم وجود مخاوف تتعلق بالسلامة قصيرة المدى، مؤكدة ضرورة إجراء دراسات مستقبلية لتقييم السلامة على المدى الطويل.

وأشاد المؤلف الرئيسي للدراسة، ستيفن مارواها، أستاذ الطب النفسي بجامعة برمنجهام البريطانية، بأهمية النتائج، لافتاً إلى أن المرضى الذين يفشلون في الاستجابة للعلاجات التقليدية غالباً ما يفقدون الأمل في التعافي، وأن هذه الفئة بحاجة ماسة إلى خيارات جديدة وفاعلة.

وأكد مارواها أن نتائج الدراسة تبرز الحاجة الملحة إلى تطوير علاجات مساندة يمكن دمجها مع مسارات العلاج الحالية بما يعزز فرص التحكم في أعراض الاكتئاب.

ويعمل فريق البحث حالياً على إعداد أول تجربة سريرية على مستوى هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة لتقييم سلامة وفاعلية استخدام أكسيد النيتروز كعلاج للاكتئاب الشديد في بيئة الرعاية الصحية الواقعية.

ومن المتوقع أن تساعد النتائج في تحديد أفضل الطرق لدمج هذا العلاج داخل النظام الصحي وتوسيع خيارات المرضى الذين لم يستفيدوا من الأساليب العلاجية المعتادة.

واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن أكسيد النيتروز، عند استخدامه سريرياً وتحت إشراف طبي متخصص، يمكن أن يغيّر مسار علاج الاكتئاب في المستقبل، وأن الطريق الآن مفتوحة أمام شبكة من التجارب المتقدمة التي قد تجعل من هذا الغاز جزءاً ثابتاً من بروتوكولات علاج الاكتئاب في السنوات المقبلة، خصوصاً لأولئك الذين فقدت العلاجات التقليدية قدرتها على مساعدتهم.

تصنيفات

قصص قد تهمك