لماذا لا يكتمل الحمل عند بعض النساء؟ دراسة تجيب | الشرق للأخبار

لماذا لا يكتمل الحمل عند بعض النساء؟ دراسة تجيب

time reading iconدقائق القراءة - 7
سيدة حامل في كنتاكي بالولايات المتحدة. 9 مايو 2025 - REUTERS
سيدة حامل في كنتاكي بالولايات المتحدة. 9 مايو 2025 - REUTERS
القاهرة -محمد منصور

كشف فريق علمي تقوده جامعة جونز هوبكنز عن عوامل وراثية دقيقة في جينات الأمهات تلعب دوراً حاسماً في فقدان الحمل، عبر زيادة احتمالات حدوث أخطاء كروموسومية قاتلة في الأجنّة.

والدراسة، والتي تُعد الأوسع من نوعها حتى الآن، نُشرت في دورية Nature، وتقدم أوضح تفسير جيني حتى اليوم لسبب عدم بقاء بعض حالات الإخصاب البشري على قيد الحياة حتى الولادة، وتفتح في الوقت نفسه مسارات جديدة لتطوير تدخلات علاجية مستقبلية تقلل من مخاطر الإجهاض.

ويُعد فقدان الحمل من أكثر الظواهر شيوعاً، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 15% من حالات الحمل المعروفة تنتهي بالإجهاض، فضلاً عن عدد كبير من حالات الفقدان المبكر جداً التي تحدث قبل أن تدرك المرأة أنها حامل.

وعلى الرغم من أن العلماء يعرفون منذ عقود أن السبب الرئيسي يعود إلى وجود كروموسومات زائدة أو ناقصة في الجنين، فإن السؤال الأصعب ظل معلقاً: لماذا تكون بعض النساء أكثر عُرضة من غيرهن لإنتاج بويضات تحمل هذه الأخطاء من الأساس؟

المعلومات الوراثية

تطلبت الإجابة عن هذا السؤال بيانات ضخمة عن الأجنّة قبل فقدان الحمل، إلى جانب المعلومات الوراثية للوالدين، لذا حلل الباحثون بيانات جينية لأكثر من 139 ألف جنين ناتج عن عمليات إخصاب مخبري تعود إلى نحو 23 ألف زوج من الآباء والأمهات.

وأتاح هذا الحجم غير المسبوق من البيانات للباحثين لأول مرة رصد تأثيرات وراثية صغيرة للغاية، لكنها واسعة الانتشار بين البشر، وتؤثر بشكل تراكمي في احتمالات حدوث الإجهاض.

أظهرت نتائج الدراسة وجود ارتباطات قوية بين اختلافات شائعة في الحمض النووي للأم وزيادة خطر حدوث اختلال في عدد الكروموسومات لدى الأجنّة، وهي الحالة المعروفة علمياً باسم "اختلال الصيغة الصبغية". وهذا الاختلال غالباً ما يكون قاتلاً للجنين، باستثناء حالات نادرة مثل متلازمة داون، الناتجة عن وجود نسخة إضافية من الكروموسوم 21.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، راجيف ماكوي، أستاذ علم الأحياء الحاسوبي بجامعة جونز هوبكنز، إن هذا العمل "يوفر أوضح دليل حتى الآن على المسارات الجزيئية التي تنشأ من خلالها الفروق الفردية في خطر حدوث أخطاء كروموسومية لدى البشر".

وأضاف ماكوي أن النتائج تعمق فهم المراحل الأولى من التطور البشري، وتمهد الطريق لتقدم مستقبلي في علم الوراثة الإنجابية ورعاية الخصوبة.

اختلافات موروثة

من المعروف أن خطر الأخطاء الكروموسومية يزداد مع تقدم عمر الأم، إذ تنشأ معظم هذه الأخطاء أثناء تكوين البويضة، لكن العمر وحده لا يفسر التفاوت الكبير بين النساء في معدلات فقدان الحمل. فهناك نساء في العمر نفسه، وبظروف صحية متقاربة، تختلف لديهن احتمالات الإجهاض بشكل ملحوظ.

وأشارت الدراسة الجديدة بوضوح إلى أن جزءاً من هذا التفاوت يعود إلى اختلافات وراثية موروثة، وهذه الاختلافات لا تسبب المرض بشكل مباشر، لكنها تؤثر على دقة العمليات الخلوية المسؤولة عن توزيع الكروموسومات أثناء تكوين البويضات.

وركز الباحثون على جينات تلعب دوراً أساسياً في عملية "الانقسام الاختزالي"، وهي العملية الخلوية التي تنتج البويضات والحيوانات المنوية.

وخلال هذه العملية، تتزاوج الكروموسومات، وتتبادل أجزاء من مادتها الوراثية فيما يُعرف بإعادة التركيب الجيني، ثم تنفصل بدقة شديدة لضمان حصول الخلية الناتجة على العدد الصحيح من الكروموسومات.

ومن بين أبرز الجينات التي كشفت عنها الدراسة جين يُعرف باسم SMC1B، وهو مسؤول عن إنتاج جزء من بنية حلقية تشبه الطوق، تحيط بالكروموسومات وتبقيها متماسكة حتى اللحظة المناسبة للانفصال. كما أن هذه البنية ضرورية لضمان توزيع سليم للكروموسومات، لكنها تضعف تدريجياً مع التقدم في العمر.

وأوضح ماكوي أن هذه النتيجة "لافتة للغاية"؛ لأن الجينات التي ظهرت في الدراسة البشرية هي نفسها التي أثبتت تجارب عقود طويلة أهميتها في نماذج حيوانية مثل الفئران والديدان، ما يعزز الثقة في أن هذه الآليات محفوظة عبر التطور.

الانقسام الاختزالي

وترتبط المتغيرات الجينية نفسها بخطر فقدان الحمل، كما ترتبط أيضاً بعملية إعادة التركيب الجيني، وهي العملية التي تولد التنوع الوراثي بين الأجيال، وتشير هذه العلاقة إلى أن الآليات التي تمنح البشر تنوعهم الجيني قد تحمل في طياتها، في بعض الحالات، تكلفة بيولوجية تتمثل في زيادة خطر الأخطاء الكروموسومية.

تبدأ عملية الانقسام الاختزالي لدى الإناث في مرحلة مبكرة جداً، أثناء التطور الجنيني للجنين الأنثوي نفسه، ثم تتوقف العملية لعقود طويلة، إلى أن تستأنف عند الإباضة والإخصاب. وخلال هذا التوقف الطويل، قد تتعرض الآليات التي تبقي الكروموسومات متماسكة للتدهور، ما يزيد احتمال انفصالها في وقت غير مناسب عند استئناف الانقسام.

وباستخدام برنامج حاسوبي متقدم، تمكَّن الفريق من استخراج أنماط دقيقة من البيانات الهائلة. وأكد ماكوي أن "قوة هذه الدراسة جاءت من الحجم الضخم للعينة".

وبيَّن أن السمات المرتبطة بالبقاء والتكاثر تخضع لضغط تطوري قوي، ما يجعل الاختلافات الجينية ذات التأثير الكبير نادرة، ويجعل اكتشاف التأثيرات الصغيرة شائعاً أمراً مستحيلاً دون عينات ضخمة.

ورغم هذا التقدم، حذَّر الباحثون من المبالغة في توقُّع القدرة على التنبؤ الفردي بمخاطر الإجهاض بناء على الجينات وحدها، فالتأثير الفردي لكل متغير جيني شائع يظل محدوداً مقارنة بعوامل أخرى مثل عمر الأم والبيئة والصحة العامة.

ورأى الفريق البحثي أن هذه الجينات تمثّل أهدافاً واعدة للبحث الدوائي في المستقبل، ففهم كيفية عمل هذه المسارات الجزيئية قد يسمح بتطوير علاجات تحسّن استقرار الكروموسومات أثناء تكوين البويضات، أو تقلل من احتمالات حدوث الأخطاء القاتلة.

ويعمل الفريق حالياً على دراسة المتغيرات الجينية النادرة في جينات الأمهات والآباء على حد سواء، والتي قد يكون لها تأثير أكبر على خطر اختلال الكروموسومات. كما يستخدمون تقنيات حديثة لفهم كيف تسهم التغيرات الوراثية الصغيرة جداً، التي لا تزال غير مفهومة بالكامل، في فقدان الحمل.

وتشير هذه الجهود إلى تحول متزايد في أبحاث التكاثر البشري، من التركيز على العوامل الظاهرة فقط، إلى الغوص في التفاصيل الجزيئية الدقيقة التي تحكم فرص الحياة منذ لحظاتها الأولى.

تصنيفات

قصص قد تهمك