
كشفت دراسة حديثة عن تطوير منهج حاسوبي جديد ربما يحدد بشكل كبير العلاج الموجه والأكثر فاعلية لمرض السرطان، في خطوة واعدة تعزز آفاق “الطب الدقيق” في علاج الأورام.
ويعتمد علم الأورام الدقيق على تصميم العلاج وفق الخصائص الجزيئية الفريدة لكل ورم سرطاني، بهدف مواءمة الدواء المناسب لكل مريض على حدة.
ومع تزايد الاعتماد على هذا النهج، تجرى دراسات واسعة النطاق لاختبار آلاف الأدوية على مئات من خطوط الخلايا السرطانية، بهدف رصد المؤشرات الجينية القادرة على التنبؤ بفعالية الدواء؛ إلا أن هذه البيانات غالباً ما تكون "مشوشة" نتيجة وجود عوامل بيولوجية غير مقاسة تخفي إشارات مهمة أو تولد نتائج مضللة.
وأشار الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية Biology Methods and Protocols الصادرة عن جامعة أكسفورد، إلى أن الاستجابة للعلاج لا تعتمد فقط على السمات الجينية المعروفة، بل تتأثر أيضاً بعوامل خفية غير مرصودة، مثل موقع الورم في جسم المريض، وهو عامل نادراً ما يقاس في الفحوصات المعملية؛ وربما يحجب وجود مثل هذه المتغيرات غير المرئية العلاقات الحقيقية بين الجينات والأدوية أو يخلق ارتباطات وهمية.
في العديد من المجالات العلمية، يتمثل الهدف الأساسي في تقدير تأثير متغيرات تنبؤية محددة على نتائج محل الاهتمام، اعتماداً على مصفوفات كبيرة من البيانات، وغالباً مع الاستعانة بمعلومات إضافية خاصة بكل متغير أو بكل عينة؛ إلا أن هذا النوع من التحليل كثيراً ما يتعرض للتشويش بسبب ما يعرف بالمتغيرات الكامنة أو غير المرصودة، وهي عوامل خفية تؤثر على كل من المتغيرات التنبؤية والنتائج في الوقت نفسه، ما يؤدي إلى تحيز التقدير وظهور ارتباطات زائفة لا تعكس علاقات سببية حقيقية.
وتهدف الدراسة الجديدة في مجال طب الأورام الدقيق، إلى تصميم علاجات مخصصة لكل مريض بناء على الخصائص الجزيئية الفريدة للورم.
ويعتمد تطبيق هذا النهج على أدوات اكتشاف قبل سريرية، أبرزها الفحوصات الدوائية الجينومية واسعة النطاق إذ يتم اختبار أدوية متعددة على مئات السلالات الخلوية السرطانية لاكتشاف مؤشرات حيوية قادرة على التنبؤ بفعالية العلاج.
لكن هذه الدراسات تنتج 3 مصفوفات رئيسية هي مصفوفة النتائج التي تقيس استجابة كل سلالة خلوية لكل دواء، ومصفوفة المتغيرات التنبؤية الخاصة بالسلالات مثل التعبير الجيني أو الطفرات، ومصفوفة المتغيرات المساعدة الخاصة بالأدوية مثل الخصائص الكيميائية أو الأهداف الجزيئية.
إرباك منهجي
ورغم غنى هذه البيانات، إلا أن النماذج التي تعتمد فقط على المتغيرات المرصودة تظل قاصرة، لأن استجابة الخلايا للأدوية تحكمها أيضاً عوامل لا تخضع للقياس، مثل حالة تنشيط المسارات الإشارية الأساسية أو تأثيرات البيئة الدقيقة للورم.
ويسبب وجود هذه العوامل غير المرصودة إرباكاً منهجياً ربما يخفي علاقات حقيقية بين الجينات والأدوية أو يولد علاقات مضللة، ما يجعل الاستدلال الإحصائي غير موثوق؛ وبالتالي، يصبح التعامل الصريح مع هذا الإرباك ضرورة منهجية، وليس مجرد تحسين تقني.
ولمواجهة هذه التحديات، طور فريق البحث إطاراً إحصائياً جديداً أطلق عليه اسم SOLVE يهدف إلى نمذجة العوامل الخفية جنباً إلى جنب مع المتغيرات المعروفة داخل نموذج موحد؛ ويعمل هذا الإطار على فصل العلاقات الجوهرية بين الجينات والأدوية عن "الضوضاء" البيولوجية غير المرئية التي تشوه البيانات.
ويتولى نموذج SOLVE تحليل 3 عناصر في آن واحد؛ هي الخصائص الجينية لخطوط الخلايا، والسمات الكيميائية للأدوية، ومكون كامن يمثل البيولوجيا غير المقاسة.
ووفقاً للباحثين فإن الميزة الأساسية للنموذج تكمن في أنه يجبر هذا المكون الكامن على تفسير ما لا يمكن تفسيره بالبيانات المقاسة فقط، ما يجعل النتائج أكثر وضوحاً وقابلية للتفسير.
وعند تطبيق المنهج الجديد على قاعدتي بيانات رئيسيتين في أبحاث السرطان نجح SOLVE في الكشف عن علاقات معروفة وراسخة، مثل الارتباط الحاسم بين جين EGFR والأدوية المثبطة له، وهي علاقات أخفقت نماذج تحليلية أخرى في رصدها.
كما كشف SOLVE عن بنية كامنة مرتبطة بمسار الاستجابة للبروتينات غير المطوية وهو مسار معروف بدوره في مقاومة العلاجات.
ويبرز هذا الاكتشاف قيمة النموذج ليس فقط كأداة تنبؤية، بل كوسيلة لاستخلاص رؤى بيولوجية عميقة تتجاوز ما توفره المتغيرات المقاسة مباشرة.
ويرى الباحثون أن هذا التقدم يوفر أداة حاسوبية قوية لاكتشاف المؤشرات الحيوية وفهم أسباب استجابة بعض الأورام للعلاج دون غيرها، وهو ما يحمل آثارا مباشرة على تطوير علاجات السرطان الدقيقة، مع إمكانية تكييف المنهج لاستخدامه في دراسات طبية حيوية معقدة أخرى مستقبلاً.










