لماذا تختفي بعض الأورام بينما تتطور أخرى؟ دراسة تجيب | الشرق للأخبار

لماذا تختفي بعض الأورام بينما تتطور أخرى؟ دراسة تجيب

time reading iconدقائق القراءة - 7
صورة تعبيرية لطريقة جديدة للتغلب على مقاومة السرطان للعلاج - Nature Immunology
صورة تعبيرية لطريقة جديدة للتغلب على مقاومة السرطان للعلاج - Nature Immunology
القاهرة -

توصل باحثون في جامعة كامبريدج البريطانية إلى اكتشاف علمي جديد قد يغير طريقة فهم العلماء لبداية نشوء السرطان وتطوره في مراحله المبكرة.

وأظهرت دراسة حديثة أن مصير الأورام في مراحلها الأولى لا يتحدد فقط بفعل الطفرات الجينية داخل الخلايا السرطانية، بل يتأثر أيضاً بالتفاعل المعقد بينها وبين الخلايا السليمة في الأنسجة المحيطة، وهو تفاعل قد يحدد ما إذا كان الورم سيتلاشى تلقائياً أم سيتطور لاحقاً إلى سرطان كامل.

الدراسة التي أجريت على نماذج من الفئران ثم جرى التحقق من نتائجها باستخدام أنسجة بشرية، كشفت أن الأورام الصغيرة جداً التي تتكون في بداية المرض ترسل إشارات إلى الخلايا الداعمة في الأنسجة المحيطة، ما يخلق بيئة تساعدها على البقاء والنمو بدلاً من أن يتخلص منها الجسم.

ويأمل الباحثون أن يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام طرق جديدة لرصد السرطان وعلاجه في مراحله المبكرة للغاية.

وتتشكل الأورام عادة عندما تتراكم أخطاء أو طفرات في الحمض النووي داخل الخلايا، ما يدفعها إلى الانقسام بسرعة أكبر وتجاهل الإشارات الطبيعية التي تدفع الخلايا التالفة إلى الموت قبل أن تسبب ضرراً للجسم.

"مفارقة غامضة"

لكن المفارقة أن هذه الطفرات نفسها يمكن أن تظهر أيضاً في أنسجة أشخاص أصحاء مع التقدم في العمر دون أن تتطور إلى سرطان، وهو ما دفع العلماء إلى محاولة فهم العوامل الإضافية التي تحدد ما إذا كانت هذه الخلايا ستتحول إلى ورم خبيث أم لا.

وكان فريق البحث قد أظهر في دراسات سابقة أن الأورام المجهرية التي تظهر حديثاً يمكن أن تُزال أحياناً بواسطة خلايا أخرى متحورة في الأنسجة نفسها تتنافس معها على المساحة. غير أن هذه العملية لا تحدث دائماً، إذ تمكن بعض الأورام المبكرة من الإفلات من دفاعات الجسم والاستمرار في النمو، وهو اللغز الذي حاولت الدراسة الجديدة تفسيره.

وللإجابة عن هذا السؤال، أجرى فريق من معهد كامبريدج للخلايا الجذعية وقسم علم وظائف الأعضاء والتطور وعلم الأعصاب في الجامعة تجربة تحاكي المراحل المبكرة من السرطان في الجزء العلوي من الجهاز الهضمي لدى الفئران.

ولإعادة إنتاج ظروف المرض لدى البشر، عرَّض الباحثون الفئران لمادة كيميائية موجودة في دخان التبغ، وهو أحد عوامل الخطر المعروفة للإصابة بالسرطان. وقد أدت هذه المادة إلى حدوث طفرات في الخلايا المبطنة للمريء، ما تسبب في ظهور أورام مجهرية صغيرة، اختفى معظمها تلقائياً بينما استمر بعضها في النمو.

قام الباحثون بعد ذلك بتتبع هذه الأورام منذ لحظة تكونها عندما كانت مكونة من نحو عشر خلايا متغيرة فقط، وصولاً إلى المراحل اللاحقة من المرض.

واستخدم الفريق تقنيات متقدمة مثل المجهر متحد البؤر عالي الدقة، وتسلسل الحمض النووي الريبي لخلايا مفردة، وتقنيات تتبع الخلايا جينيا لفهم سلوك كل خلية داخل الورم والأنسجة المحيطة به. كما نجحوا في تنمية أنسجة ثلاثية الأبعاد في المختبر لمحاكاة التفاعل بين الخلايا السرطانية والأنسجة السليمة.

بيئة داعمة

وأظهرت النتائج، التي نشرت في دورية Nature، أن الأورام في مراحلها المبكرة ترسل ما يشبه "إشارة استغاثة" إلى خلايا ليفية موجودة في الأنسجة الداعمة أسفلها، وهي خلايا تعمل عادة كنوع من الإسعاف الأولي داخل الجسم.

وتؤدي هذه الإشارة إلى استجابة تشبه عملية التئام الجروح، حيث تتصرف الخلايا الليفية كما لو أن النسيج تعرَّض لإصابة، فتنتج بنية ليفية تحيط بالورم. هذه البنية تشكل بيئة داعمة أو ما وصفه العلماء بـ"الحيز ما قبل السرطاني"، وهي بيئة تحمي الورم من التخلص منه وتساعده على البقاء والنمو.

والمثير في النتائج أن هذه البنية الليفية وحدها كانت كافية لمنح الخلايا السليمة غير المتحورة خصائص تشبه الخلايا الورمية، حتى في غياب الطفرات المسببة للسرطان. وهذا يشير إلى أن استجابة الأنسجة السليمة المحيطة بالورم قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد مسار المرض، وليس التغيرات الجينية داخل الخلايا وحدها.

وعندما فحص الباحثون عينات من أنسجة بشرية لسرطانات المريء في مراحلها المبكرة، وجدوا نمطاً مشابهاً لما رصدوه في الفئران، إذ ظهرت مجموعات من الخلايا الورمية ترسل إشارات ضغط إلى الأنسجة المحيطة بها، مع وجود البنية الليفية نفسها التي لوحظت في النماذج الحيوانية، ما يؤكد أن هذه الآلية تنطبق على البشر أيضاً.

وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، جريتا سكروبسكليتي، من معهد كامبريدج للخلايا الجذعية "قبل عقد من الزمن كان الاعتقاد السائد أن الخلايا المتحورة نفسها هي التي تحدد ما إذا كان السرطان سيظهر أم لا. لكن نتائجنا تظهر أن طريقة استجابة الأنسجة السليمة لظهور الأورام المبكرة تلعب دوراً حاسماً في تطور المرض".

"إيقاف السرطان"

وأضافت الدراسة أنه عندما قام الباحثون بإيقاف الاتصال بين الخلايا الورمية والأنسجة المحيطة بها، لم تتشكل البيئة الداعمة للورم بشكل فعال، وانخفض عدد الأورام المبكرة التي تمكنت من البقاء بشكل كبير.

من جانبها، قالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، ماريا ألكوليا، إن فهم الآليات التي تسمح لهذه الأورام المجهرية الجديدة بالبقاء والتطور إلى سرطان يفتح إمكانات جديدة لمنع المرض قبل أن يترسخ "فإذا استطعنا إيجاد طريقة لمنع الخلايا الورمية من التواصل مع الأنسجة المحيطة بها، فقد نتمكن من إيقاف السرطان في مراحله الأولى".

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في تحسين تشخيص سرطان المريء مبكراً، وهو مرض غالباً ما يُكتشف في مراحل متقدمة عندما تكون خيارات العلاج محدودة.

وأوضحت سكروبسكليتي أن الجوانب السريرية لهذا البحث لا تزال في مراحلها المبكرة، لكنها قدمت بالفعل مؤشرات حيوية يمكن أن تعمل كـ"أعلام تحذير" لاكتشاف المرض مبكرا.

وأردفت بالقول: "إذا جرى التحقق من هذه المؤشرات، فقد تساعدنا على اكتشاف سرطان المريء في مرحلة أبكر بكثير، عندما يصبح العلاج أسهل وأكثر فاعلية".

تصنيفات

قصص قد تهمك