
نجح باحثون في إجراء تعديل وراثي لدودة خطافية بشرية، حتى تنتج جسماً مضاداً علاجياً داخل عائل حي، وتفرزه بحيث يصل إلى الدم، ويؤدي وظيفة بيولوجية قابلة للقياس.
ويطرح هذا الإنجاز، المنشور في دورية Nature Communications، تصوراً جديداً لاستخدام طفيليات معروفة بقدرتها على العيش سنوات داخل الأمعاء؛ كمنصات طويلة الأمد لإنتاج الدواء وتوصيله.
والدودة الخطافية طفيليات معوية تصيب مئات الملايين من البشر، خصوصاً في المناطق الاستوائية محدودة الموارد، تستطيع البقاء داخل أمعاء الإنسان لفترات طويلة، مع إفراز جزيئات تساعدها على التعايش مع جهاز المناعة بدلاً من طردها بسرعة.
ومن هذه النقطة تحديداً انطلق فريق باحثين من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس للإجابة على سؤال: هل يمكن تحويل آلية البقاء الطفيلية هذه إلى وسيلة نافعة لإنتاج علاج داخل الجسم؟
تقوم الفكرة الأساسية في الدراسة على استغلال قدرة الدودة الخطافية على إفراز جزيئات من جسمها إلى جسم العائل، بدلاً من الاكتفاء بما تفرزه الدودة طبيعياً، عدّل الباحثون مادتها الوراثية كي تنتج جزيئاً علاجياً محدداً اختاروه هم، ثم تفرزه داخل العائل.
واختار الباحثون، في التجربة كدليل مبدئي على المفهوم، جسماً مضاداً قادراً على معادلة سم عصبي قاتل يعرف باسم "تيترودوتوكسين"، وهو سم تنتجه بعض الكائنات البحرية مثل السمكة المنتفخة، ولا يوجد له ترياق معتمد.
وبعد استعمار عائل حيواني بالديدان الخطافية المعدلة وراثياً، أظهرت النتائج أن هذه الديدان أنتجت الجسم المضاد وأفرزته، وأن الدم المأخوذ من الحيوانات المصابة بالديدان المعدلة استطاع أن يعادل السم جزئياً، أما الدم المأخوذ من حيوانات مصابة بديدان غير معدلة، فلم يظهر قدرة مماثلة على معادلة السم.
وقالت الباحثة الرئيسية للدراسة، ماكيدونكا ميتريفا، أستاذة الأمراض المعدية بجامعة واشنطن في الولايات المتحدة، إن الدودة الخطافية أمضت ملايين السنين في إتقان طريقتين أساسيتين؛ هما البقاء طويلاً داخل جسم الإنسان، وإخراج جزيئات من جسمها إلى جسم العائل "لكن ماذا لو أضفنا جزيئاً واحداً نافعاً علاجياً إلى مئات أو آلاف الجزيئات التي تفرزها الدودة بالفعل". وبحسب الدراسة، فإن الفكرة لم تعد مجرد تصور نظري، بل أثبتت أنها قابلة للتنفيذ.
لماذا الدودة الخطافية تحديداً؟
تكمن جاذبية الدودة الخطافية كمنصة علاجية محتملة في خصائص بيولوجية نادرة، فعند إصابة شخص بعدد من يرقات الدودة، يمكن أن تنتقل هذه اليرقات إلى الأمعاء الدقيقة، وتستقر فيها لفترات طويلة قد تمتد إلى سنوات، ونظراً لأن الديدان لا تستطيع التكاثر داخل جسم العائل وحده، فإن عددها يظل ثابتاً نسبياً، ما يجعل العدوى قابلة للضبط في سياق علاجي محتمل.
كما أن التخلص منها، إذا لزم الأمر، ممكن باستخدام جرعة واحدة من دواء فموي مضاد للطفيليات، إذ يمكن القضاء عليها خلال نحو 24 ساعة، وأوضح الباحثون أن هذه النقطة مهمة؛ لأن أي استخدام علاجي لطفيليات حية يجب أن يكون قابلاً للسيطرة والإيقاف عند الحاجة.
ومع ذلك، لا تتجاهل الدراسة الوجه الآخر للدودة الخطافية، فالعدوى الطبيعية قد تسبب أعراضاً هضمية خفيفة لدى بعض البالغين الأصحاء، لكنها قد تكون خطيرة عند وجود أعداد كبيرة من الديدان، خصوصاً لدى الأطفال والحوامل والمصابين بسوء تغذية أو الفئات الضعيفة صحياً، فقد تؤدي العدوى المزمنة الثقيلة إلى فقر الدم، وضعف النمو، ومضاعفات أثناء الحمل، وفي الحالات الشديدة غير المعالجة قد تسهم في مشكلات قلبية أو الوفاة، لذلك، تؤكد الدراسة أن أي استعمال علاجي محتمل يجب أن يعتمد على أعداد محددة بدقة، وأن يخضع لمراقبة صارمة.
لم يكن تعديل الدودة الخطافية وراثياً مهمة سهلة، فالأدوات الجينية المستخدمة بنجاح في كائنات أخرى لم تكن معدة للعمل مع هذا الطفيل البشري، كما لم يكن قد سبق تحقيق تعديل وراثي مستقر في هذا النوع من قبل.
استند الباحثون على أكثر من عقدين من أبحاث جينوم الديدان الخطافية في جامعة واشنطن، وساعدتهم هذه المعرفة التراكمية على فهم بيولوجيا الكائن من مستوى الخلية حتى مستوى الجينات، وتحديد موضع مناسب في الجينوم لإدخال الجين الجديد الذي يحمل تعليمات إنتاج الجسم المضاد للسم، وكان على الباحثين التأكد من أن إدخال الجين لا يعطل نشاط الجينات المحيطة، وأنه يدفع الدودة إلى إنتاج البروتين العلاجي وإفرازه خارج جسمها.
نجح الباحثون في إدخال الجين، وإنتاج البروتين، وخروجه من الدودة، ثم احتفاظه بوظيفة بيولوجية داخل العائل.
ووصفت ميتريفا هذا الإنجاز بأنه إثبات كامل للمبدأ، لأنه يبرهن أن الدودة يمكن أن تعمل كمنصة حية قابلة للتهيئة لإنتاج جزيئات علاجية محددة.
تطبيقات محتملة
رغم أن التجربة ركزت على سم عصبي قاتل، فإن أهمية العمل لا تقف عند ذلك، فقد تم تمويل المشروع من وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأميركية، في إطار البحث عن حلول لمواجهة التهديدات البيولوجية والكيميائية، خصوصاً في البيئات النائية التي قد لا تتوافر فيها رعاية طبية فورية، لكن الباحثين يرون أن الفكرة أوسع من ذلك بكثير.
وإذا أمكن تحسين المنصة وزيادة كمية البروتين العلاجي المنتج، قد تصلح هذه المقاربة لحالات تتطلب جرعات صغيرة ومستمرة من العلاج على مدى طويل، أو أمراض يكون الالتزام فيها بالحقن المتكررة أو التسريب الوريدي تحدياً عملياً.
وأضافت ميتريفا: "هنا تظهر القيمة كمصنع دواء حيوي يعيش داخل الجسم، وينتج العلاج بصفة مستمرة".
ومن بين المجالات التي تراها ميتريفا واعدة مستقبلاً أمراض الأمعاء الالتهابية، مثل داء كرون والتهاب القولون التقرحي، إلى جانب بعض أنواع حساسية الطعام.
ويرجع ذلك إلى أن الدودة تستقر أساساً في الأمعاء، وأن جزءا كبيراً مما تفرزه يبقى داخل القناة الهضمية بدلاً من الانتقال كله إلى الدم، وهذا يعني، بحسب الباحثين، أن تركيز الجزيئات العلاجية داخل الأمعاء قد يكون أعلى من التركيز الذي رصد في الدورة الدموية خلال الدراسة، ما قد يجعل المنصة مناسبة بشكل خاص للعلاجات الموجهة للأمعاء.
نتائج مبكرة
رغم نجاح التجربة، تشدد الدراسة على أن ما تحقق يمثل خطوة أولى لا علاجاً جاهزاً للاستخدام، فقد كان مستوى معادلة السم جزئياً فقط، وإن كان ذا دلالة مهمة لإثبات أن البروتين المنتج داخل الدودة خرج إلى جسم العائل، واحتفظ بنشاطه الوظيفي.
يعمل الباحثون الآن على تحسين مكونات ما تصفه ميتريفا بأنه منصة قابلة للتهيئة، بهدف زيادة كمية البروتين العلاجي الذي تنتجه الدودة وتفرزه.
وتمثل السلامة السؤال الأكبر قبل التفكير في أي استخدام بشري، فالتعامل مع كائن طفيلي حي، ولو بأعداد مضبوطة، يتطلب اختبارات دقيقة لتقييم الأخطار المحتملة على العائل والبيئة.
وأشارت "ميتريفا" إلى أن الباحثين يدرسون استراتيجيات للاحتواء الحيوي، منها تعديل الديدان بحيث تصبح غير قادرة على إنتاج البيض، بما يقلل خطر انتقالها أو انتشارها خارج السياق العلاجي المحدد.
وأوضحت "ميتريفا" أن الدراسة تفتح باباً مختلفاً في التفكير الدوائي؛ فبدلاً من أن يأخذ المريض جرعات متكررة من علاج خارجي، يمكن من حيث المبدأ برمجة كائن حي مضبوط ليصنع العلاج داخل الجسم لفترة طويلة.
وتابعت: "الطريق بين إثبات الفكرة والتطبيق الطبي لا يزال طويلاً، ويتطلب تحسين الإنتاج، وضمان السلامة، وتحديد الأمراض التي تستفيد فعلاً من هذا النوع من التوصيل المستمر والموجه".











