
توصلت دراسة حديثة إلى أن بعض أدوية الإنفلونزا ربما تساعد في حماية الذاكرة، وتقليل الالتهاب المرتبط بالشيخوخة المبكرة للمصابين بعدوى فيروسية مزمنة، مثل فيروس نقص المناعة البشرية HIV (الإيدز).
بدأت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة نورث وسترن في الولايات المتحدة، بتحليل عينات دم من أشخاص مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، ثم امتدت إلى تجارب مخبرية ونماذج حيوانية.
ووجد الباحثون أن تدهور جزيئات سكرية واقية في الجسم، تعرف باسم الجليكانات، يرتبط بتراجع القدرات المعرفية، وأن الحفاظ على هذه الجزيئات باستخدام أدوية من فئة مثبطات السياليداز قد يقلل الالتهاب، ويحمي الذاكرة في الفئران.
ومثبطات السياليداز أدوية تعطل إنزيمات تحمل الاسم نفسه، وهي إنزيمات تقص أو تزيل أجزاء معينة من جزيئات السكر الموجودة على سطح الخلايا والبروتينات.
وفي علاج الإنفلونزا، تعمل أدوية، مثل "تاميفلو"، على تعطيل إنزيم فيروسي يساعد فيروس الإنفلونزا على الخروج من الخلايا المصابة والانتشار في الجسم.
ورغم أن العلاج المضاد للفيروسات غيّر حياة كثير من المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، إلا أن المشكلات المعرفية لا تزال تمثل تحدياً مهماً.
تحدث المشكلات المعرفية عند بعض مرضى فيروس نقص المناعة البشرية لعدة أسباب متداخلة، وليس بسبب عامل واحد فقط؛ فالفيروس قد يصل إلى الجهاز العصبي المركزي مبكراً، وقد تبقى داخل الدماغ، أو السائل المحيط به، بقايا فيروسية أو خلايا مناعية مصابة حتى مع نجاح العلاج المضاد للفيروسات في خفض الفيروس بالدم؛ وهذا قد يحافظ على حالة التهاب منخفض الدرجة داخل الجهاز العصبي.
وينشط الالتهاب خلايا مثل الميكروجليا، والماكروفاج، فتفرز مواد التهابية قد تضر الاتصال بين الخلايا العصبية، وتؤثر في الانتباه، والذاكرة، والتركيز.
وأفادت الدراسة، المنشورة في دورية MED، بأن ربع المصابين على الأقل يعانون من مشكلات في الذاكرة والتفكير، حتى مع تلقي علاج فعال للفيروس، ولم تكن أسباب هذه الأعراض واضحة بالكامل، خاصة أن الفيروس قد يكون تحت السيطرة، بينما يستمر الجسم في حالة من الالتهاب المزمن.
ركز الباحثون على الجليكانات، وهي جزيئات سكرية توجد على بروتينات الدم وخلايا الجسم، وتلعب دوراً مهماً في تنظيم المناعة، ويمكن تخيلها كطبقة دقيقة من الإشارات البيولوجية التي تساعد الجهاز المناعي على معرفة متى يهدأ ومتى يتحرك.
وعندما تتدهور هذه الجزيئات الواقية، قد يصبح الالتهاب أكثر نشاطاً واستمراراً، ما يدفع الجهاز المناعي إلى حالة استنفار طويلة قد تسرّع الشيخوخة البيولوجية، وتؤثر في الدماغ.
وحلل الباحثون عينات دم من أكثر من 100 شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، بعضهم لديه إدراك طبيعي، وبعضهم يعاني من ضعف معرفي مثبت باختبارات سريرية.
وأظهر التحليل وجود علاقة واضحة بين تدهور أنماط الجليكانات على بروتينات الدم وبين التراجع المعرفي.
بعد ذلك، انتقل الباحثون إلى دراسة الخلايا المناعية ونماذج الفئران المصابة بعدوى شبيهة بفيروس نقص المناعة البشرية، لمعرفة ما إذا كان تدهور هذه الجزيئات السكرية يزيد الالتهاب بالفعل، ثم اختبروا مثبطات السياليداز، وتشمل دواء "تاميفلو" المعروف، إضافة إلى دواء تجريبي آخر.
وتستخدم هذه الأدوية عادة لعلاج الإنفلونزا من خلال تعطيل إنزيم يساعد الفيروس على الانتشار، لكن الباحثين استخدموها بطريقة مختلفة؛ إذ استهدفوا إنزيمات في الجسم تكسر الجزيئات السكرية الواقية، وفي الفئران، ساعد هذا النهج على الحفاظ على الجليكانات، وتقليل الالتهاب، وإبطاء مؤشرات الشيخوخة البيولوجية، وحماية الذاكرة.
تدهور النساء أسرع
قال الباحث الرئيسي للدراسة، محمد عبد المحسن، الأستاذ المساعد في الطب بقسم الأمراض المعدية في كلية فاينبرج للطب بجامعة نورث وسترن، إن النتائج لا تعني أن على الناس تناول أدوية الإنفلونزا للوقاية من تراجع الذاكرة، لكنه أوضح أن الدراسة تفتح الباب لاختبار ما إذا كان يمكن إعادة توظيف هذه الفئة من الأدوية، أو تطوير نسخ أحدث منها، لعلاج مضاعفات الدماغ والشيخوخة المرتبطة بالعدوى المزمنة.
ومن النتائج اللافتة أن تدهور الجليكانات كان أوضح لدى النساء، ووفق الباحثين، تميل هذه التغيرات لدى الرجال إلى الحدوث تدريجياً مع التقدم في العمر، بينما تبدأ لدى النساء بوتيرة أبطأ، ثم تتسارع حول سن انقطاع الطمث.
نتائج مبكرة
تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تقدم فقط مساراً بيولوجياً جديداً لفهم مشكلات الذاكرة لدى المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، بل تقترح هدفاً علاجياً محتملاً.
وقد تمتد هذه النتائج، بحذر، إلى أمراض أخرى مرتبطة بالتقدم في العمر والالتهاب، مثل بعض أشكال الخرف، فالالتهاب المزمن والشيخوخة البيولوجية ليسا مرتبطين بفيروس نقص المناعة البشرية وحده، بل يظهران في عدد واسع من الحالات التي تتدهور فيها وظائف الدماغ مع الزمن.
وتبقى النتائج في مرحلة مبكرة؛ فالجزء العلاجي من الدراسة أُجري في نماذج حيوانية، وليس في تجربة سريرية على البشر، كما أن أدوية السياليداز المستخدمة لعلاج الإنفلونزا معروفة من حيث الاستخدام القصير ضد الفيروس، لكنها لم تُختبر بعد لهذا الغرض الجديد، ولا بالجرعات أو المدد التي قد تكون مطلوبة لحماية الدماغ أو تقليل الشيخوخة البيولوجية.
ويعمل الباحثون الآن على اتجاهين رئيسيين هما تحسين الاستراتيجية العلاجية المحتملة باستخدام هذه الفئة من الأدوية، ودراسة ما إذا كانت أنماط الجليكانات يمكن أن تتحول إلى مؤشرات حيوية في الدم تتنبأ بخطر التراجع المعرفي مستقبلاً.









