الضغط المالي والاكتئاب.. دراسات تربط الفقر بالصحة النفسية | الشرق للأخبار

الضغط المالي والاكتئاب.. دراسات تربط بين الفقر وتدهور الصحة النفسية

time reading iconدقائق القراءة - 6
نفايات قرب قرب مجمع سكني فقير في أوغندا، صورة غير مؤرخة - SOPA Images/LightRocket via Gett
نفايات قرب قرب مجمع سكني فقير في أوغندا، صورة غير مؤرخة - SOPA Images/LightRocket via Gett
القاهرة -

لا ينفصل الفقر والضغط الاقتصادي عن صحة الإنسان؛ بل تربطهما منظمة الصحة العالمية بما تسميه "المحددات الاجتماعية للصحة"، وهي عبارة تعني الظروف التي يولد فيها الناس، ويعيشون، ويتقدمون في العمر.

وبحسب المنظمة، لا تتحدد صحة الإنسان بالخدمات الطبية وحدها، بل أيضاً بالدخل، والسكن، والتعليم، والعمل، والغذاء، والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية. ومن هنا، لا يكون الفقر مجرد مشكلة مالية، بل بيئة كاملة قد ترفع احتمالات التوتر، والمرض النفسي والجسدي معاً.

الفقر وصحة الإنسان

وتقول المنظمة إن الصحة النفسية تتأثر بعوامل اجتماعية واقتصادية وبيئية وبيولوجية.

وهذا يعني أن الاكتئاب أو القلق لا يمكن تفسيرهما دائماً بضعف الفرد، أو شخصيته، أو مدى قدرته على التحمل؛ فالشخص الذي يعيش في ظروف اقتصادية قاسية، يتعرض لضغوط متكررة قد تتجاوز قدرته الفردية على التكيف.

ولذلك ترى المنظمة أن حماية الصحة النفسية تحتاج إلى سياسات اجتماعية واقتصادية، لا إلى نصائح علاجية فردية فقط.

وفي تقريرها عن المحددات الاجتماعية للصحة النفسية، تؤكد المنظمة أن الاضطرابات النفسية الشائعة تتشكل داخل البيئات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيش فيها الإنسان، وأن عدم المساواة والحرمان يزيدان من مخاطر هذه الاضطرابات.

فالإنسان الفقير لا يواجه غالباً مشكلة واحدة معزولة، بل يواجه تراكماً من العوامل: عمل غير مستقر، دخل غير كاف، سكن غير آمن، تعليم محدود، وصعوبة في الحصول على الرعاية. هذا التراكم هو ما يجعل الفقر عبئاً نفسياً مستمراً.

علاقة في اتجاهين

وتصف مراجعة بحثية، منشورة في دورية BJPsych Bulletin العلاقة بين الفقر والصحة النفسية بأنها علاقة في اتجاهين؛ فالفقر قد يؤدي إلى تدهور الصحة النفسية عبر الضغط الاجتماعي، والوصمة، والصدمات، ونقص الموارد.

وفي المقابل، قد تؤدي مشكلات الصحة النفسية إلى تعميق الفقر من خلال فقدان العمل، أو انخفاض القدرة على الإنتاج، أو ضعف العلاقات الاجتماعية، أو زيادة تكاليف العلاج.

وتشير مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إلى أن "الاستقرار الاقتصادي" أحد المجالات الأساسية للمحددات الاجتماعية للصحة.

الضغط المالي والاكتئاب

وتقول مراجعة منهجية، منشورة في Journal of Affective Disorders، إن الضغط المالي يرتبط غالباً بالاكتئاب لدى البالغين.

وقد راجعت الدراسة مؤشرات متعددة للضغط المالي، مثل الديون، وصعوبة دفع الفواتير، والحرمان المالي، ووجدت أن معظم الدراسات تشير إلى علاقة إيجابية بين هذه الضغوط وأعراض الاكتئاب.

كما ربطت دراسة منشورة في BMC Public Health القلق المالي بالضيق النفسي لدى البالغين.

وتدعم دراسة منشورة في Social Science & Medicine فكرة أن "عدم الأمان الاقتصادي" عامل مستقل من عوامل الصحة النفسية؛ فليس الفقر وحده هو الخطر، بل الخوف من فقدان الدخل أو الوظيفة أو القدرة على دفع الالتزامات.

هذا الخوف قد يدفع الإنسان إلى قبول ظروف عمل سيئة، أو ساعات أطول، أو علاقات مهنية ضاغطة، لأنه يشعر بأن البدائل محدودة. ومع الوقت، يتحول الضغط الاقتصادي إلى ضغط نفسي مزمن يؤثر في النوم، والتركيز، والمزاج، والثقة بالنفس.

التأثير النفسي على الأطفال

وتشير الجمعية الأميركية لعلم النفس APA في تقاريرها عن الضغط النفسي إلى أن المال من أكثر مصادر التوتر شيوعاً لدى البالغين في الولايات المتحدة.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إن تأثير الفقر على الأطفال قد يكون أشد لأن أجسامهم وأدمغتهم وأنظمتهم العصبية ما زالت في طور النمو.

وتشير المنظمة إلى أن الفقر قد يرتبط بتأخر نمائي، ومشكلات نفسية، وضعف في التطور المعرفي، ومشكلات صحية طويلة المدى؛ فالطفل الذي يعيش في بيئة اقتصادية مضغوطة لا يتأثر فقط بنقص الأشياء، بل يتأثر أيضاً بتوتر الكبار حوله، وبازدحام السكن، وبضعف فرص اللعب والتعلم والرعاية.

الوصمة الاجتماعية

وتوضح مراجعة BJPsych Bulletin أن الوصمة الاجتماعية تلعب دوراً في العلاقة بين الفقر والصحة النفسية؛ فالفقير قد يتعرض لأحكام قاسية من المجتمع، مثل اتهامه بالكسل، أو سوء التصرف، رغم أن وضعه قد يكون نتيجة بطالة، أو مرض، أو أجر منخفض، أو ظروف عائلية قاهرة.

وقد يتحول هذا اللوم الاجتماعي إلى لوم ذاتي، فيشعر الشخص بالخجل والعجز وانخفاض القيمة، وهي مشاعر مرتبطة بتدهور الصحة النفسية.

وتلفت دراسة نشرتها دورية Science إلى أن الفقر يمكن أن يؤثر في القدرة على التفكير والتخطيط، ليس لأن الفقراء أقل ذكاء، بل لأن الضغوط المالية تستهلك جزءاً كبيراً من الانتباه الذهني.

الديون.. أثر نفسي أكبر

وتشير مراجعة Journal of Affective Disorders إلى أن الديون تمثل شكلاً خاصاً من الضغط المالي لأنها تضيف شعوراً مستمراً بالملاحقة والالتزام؛ فالدين لا يعني فقط نقص المال، بل يعني أيضاً رسائل مطالبة، توتر داخل الأسرة، خوفاً من الفضيحة، أو العجز عن السداد، وشعوراً بأن المستقبل مرهون.

ولهذا قد يكون أثر الدين النفسي أكبر من أثر انخفاض الدخل وحده، خصوصاً عندما تكون الديون مرتبطة باحتياجات أساسية مثل العلاج، أو السكن، أو الطعام.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تعزيز الصحة النفسية لا يعتمد فقط على علاج من ظهرت لديهم أعراض، بل على تقليل عوامل الخطر في البيئة الاجتماعية نفسها. وهذا يعني أن مواجهة أثر الفقر على النفس تحتاج إلى سياسات للأجور العادلة، والحماية الاجتماعية، والسكن الآمن، والغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، إلى جانب إتاحة خدمات الصحة النفسية.

تصنيفات

قصص قد تهمك