
كشف باحثون عن أكثر من 100 جين قد تزيد خطر الإصابة بمرض كرون، بعد رسم الطريقة التي يلتف بها الحمض النووي داخل نوع نادر من الخلايا المناعية، في خطوة قد تساعد مستقبلاً على تطوير علاج أكثر دقة لأمراض المناعة الذاتية.
وركزت الدراسة، التي نشرت في دورية Nature Genetics، على خلايا مناعية، تعرف باسم الخلايا اللمفاوية الفطرية من النوع الثالث، وهي خلايا نادرة توجد في الأنسجة التي تشكل حواجز للجسم مثل الأمعاء، وتشارك في الالتهاب، وإصلاح الأنسجة، ومقاومة العدوى.
ولا يوجد الحمض النووي داخل نواة الخلية في صورة شريط مستقيم، بل ينطوي ويلتف في بنية معقدة ثلاثية الأبعاد، تسمح لمناطق تنظيمية بعيدة بالاتصال بالجينات، وتشغيلها، أو إيقافها.
وتظهر دراسات وراثية واسعة أن كثيراً من المتغيرات المرتبطة بأمراض معقدة، مثل مرض كرون، لا تقع داخل الجينات نفسها، وإنما داخل مناطق تنظيمية تسمى "المعززات"، تعمل كمفاتيح تتحكم في نشاط الجينات.
لكن تحديد الجينات التي تتحكم فيها هذه المعززات يمثل تحدياً؛ لأنها قد تكون بعيدة عنها بمئات الآلاف، أو ملايين الوحدات الوراثية، قبل أن يؤدي طي الحمض النووي إلى تقريبها منها داخل نواة الخلية.
جينات تسبب داء كرون
وطور الفريق تقنية جديدة تتيح دراسة هذه الاتصالات، باستخدام أعداد قليلة من الخلايا، بعدما كانت الأساليب السابقة تتطلب ملايين الخلايا، مما جعل استخدامها صعباً مع الأنواع المناعية النادرة.
وقال الباحثون إن التقنية مكنتهم من ربط المتغيرات الوراثية المرتبطة بمرض كرون بالجينات التي يرجح أن تؤثر فيها داخل الخلايا المناعية.
وحدد الفريق أكثر من 100 جين يحتمل أن تتأثر بمعززات تحمل متغيرات وراثية تزيد خطر الإصابة بالمرض. وكان نحو نصف هذه الجينات معروفاً من قبل، بينما لم يكن النصف الآخر مرتبطاً بمرض كرون سابقاً.
ويشارك كثير من الجينات المكتشفة في عمليات مناعية تساعد الجسم على الاستجابة للعدوى، وإصابات الأنسجة، لكنها قد تؤدي إلى التهاب مرضي إذا اختل تنظيمها.
ومن أبرز النتائج ربط مرض كرون بجين يعرف باسم "سي إل إن 3" كان معروفاً في الأساس بارتباطه بمرض باتن، وهو اضطراب عصبي تنكسي وراثي.
وأظهرت تجارب إضافية أن هذا الجين يؤثر مباشرة في كمية الإشارات الالتهابية التي تنتجها الخلايا المناعية المدروسة، ما يكشف له دوراً لم يكن معروفاً من قبل داخل الجهاز المناعي.
الاختلافات الجينية والخلايا المناعية
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، هيلين راي جونز، إن النتائج قد تسلط الضوء على الروابط بين الجهاز العصبي والأمعاء، لكنها أضافت أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد كيفية تأثير الجين في خطر الإصابة بمرض كرون، وما إذا كان من الممكن استهداف هذا المسار علاجياً.
وقال المعد الرئيسي للدراسة، ميخائيل سبيفاكوف، الباحث في مختبر العلوم الطبية التابع لمجلس البحوث الطبية البريطاني، إن فهم الجينات التي تنقل الخطر الوراثي إلى تغيرات مرضية، قد يساعد العلماء على تصميم علاج جديد يستهدف الآليات المسؤولة عن المرض.
ومرض كرون أحد أشكال أمراض الأمعاء الالتهابية المزمنة، ويسبب التهاباً في الجهاز الهضمي، ولا يتوافر له حتى الآن علاج نهائي، رغم وجود أدوية تساعد على السيطرة على الالتهاب والأعراض.
وأكد الباحثون أن الدراسة لا تقدم علاجاً جديداً في الوقت الحالي، لكنها ترسم خريطة أكثر دقة لكيفية تأثير الاختلافات الجينية في سلوك الخلايا المناعية، وتحدد أهدافا يمكن اختبارها في أبحاث علاجية مستقبلية.









