هشاشة العظام.. مرض صامت قد لا يظهر إلا بعد أول كسر | الشرق للأخبار

المرض الصامت.. كيف تحمي نفسك من هشاشة العظام؟

قد تتقدم لسنوات من دون أعراض واضحة قبل أن تظهر فجأة في صورة كسر

دراسة واسعة تحدد مئات الجينات و34 مجموعة خلوية تتحكم في صحة العظام وتكشف دوراً مهماً لخلايا الأوعية الدموية في إصلاحها. صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
دراسة واسعة تحدد مئات الجينات و34 مجموعة خلوية تتحكم في صحة العظام وتكشف دوراً مهماً لخلايا الأوعية الدموية في إصلاحها. صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

قد تتطور هشاشة العظام على مدى سنوات من دون ألم أو أعراض واضحة، إلى أن تكشف عن نفسها للمرة الأولى في صورة كسر بعد سقوط بسيط من مستوى الوقوف، أو كسر في الرسغ أو الورك، أو فقدان تدريجي في الطول نتيجة كسور صغيرة في فقرات العمود الفقري.

وتعني طبيعة المرض أن المشكلة غالباً ما تكون قد بدأت قبل وقت طويل من ظهور أول كسر، وهو ما يفسر وصف هشاشة العظام بأنها من الأمراض "الصامتة" التي قد تمر من دون تشخيص إلى أن تحدث مضاعفات.

والعظام، على عكس ما قد يبدو، ليست هياكل جامدة وثابتة، بل أنسجة حية تخضع باستمرار لعملية إعادة تشكيل، إذ يزيل الجسم أجزاء قديمة من العظم ويستبدلها بنسيج جديد. وخلال مراحل الشباب، تكون عملية البناء كافية للحفاظ على قوة الهيكل العظمي.

البنية الداخلية للعظام

لكن هذا التوازن يتغير مع التقدم في العمر، وخصوصاً لدى النساء بعد انقطاع الطمث، عندما قد يصبح فقدان العظام أسرع من تكوينها. ويؤدي ذلك تدريجياً إلى انخفاض كثافتها وتغير بنيتها الداخلية، بما يجعلها أكثر هشاشة وأقل قدرة على مقاومة الصدمات.

ويشبّه المعهد الوطني الأميركي للشيخوخة البنية الداخلية للعظم بشبكة أقرب إلى خلية النحل. ففي العظام السليمة تكون الدعامات الداخلية أكثر سمكاً وترابطاً، بينما تصبح أرق مع تطور هشاشة العظام، وتزداد المسافات بينها، بالتزامن مع ترقق القشرة الخارجية للعظم.

والنتيجة أن العظم قد يبدو طبيعياً من الخارج، لكنه يكون قد فقد جزءاً مهماً من قوته الداخلية، ما يزيد احتمالات تعرّضه للكسر حتى مع إصابات أو سقوط كانت العظام السليمة قادرة عادة على تحملها.

وتشير الدراسات العلمية إلى أن الخطورة الأساسية في هشاشة العظام لا تكمن في انخفاض كثافة العظام نفسه، وإنما في الكسور الناتجة عنه.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الكسور المرتبطة بالهشاشة تحدث عادة بعد صدمة بسيطة لا يُفترض أن تكسر عظماً سليماً، مثل السقوط من وضع الوقوف. وأكثر المواقع شيوعاً للكسور هي الورك والعمود الفقري والرسغ وأعلى الذراع، بينما تُعد كسور الورك والفقرات من أخطر المضاعفات.

وقد يغيّر الكسر حياة الشخص بالكامل؛ فكسر الورك لدى شخص مسن قد يستدعي جراحة وإقامة في المستشفى وفترة طويلة من إعادة التأهيل، وقد يفقد المريض جزءاً من قدرته السابقة على المشي أو الاعتماد على نفسه.

وتشير بيانات فريق الخدمات الوقائية الأميركي إلى أن نحو 40 إلى 60% فقط ممن يتعرضون لكسر في الورك يستعيدون مستوى الحركة والقدرة على أداء الأنشطة اليومية الذي كانوا يتمتعون به قبل الكسر.

النساء أكثر عُرضة

أما بعض الكسور الفقرية فقد تمر من دون تشخيص، لكنها مع تكرارها يمكن أن تؤدي إلى ألم في الظهر، وفقدان تدريجي للطول، وانحناء الظهر إلى الأمام. وفي الحالات الشديدة، قد تصبح العظام ضعيفة إلى درجة أن حركات عادية، مثل الانحناء أو رفع شيء أو حتى السعال، يمكن أن تتسبب في كسر.

وتزداد احتمالات الإصابة مع التقدم في العمر، لكن النساء معرضات بدرجة أكبر، خصوصاً بعد انقطاع الطمث، لأن انخفاض مستويات الإستروجين يسرع فقدان العظام.

ويزداد الخطر أيضاً لدى من لديهم تاريخ عائلي لهشاشة العظام أو كسر الورك، وأصحاب الوزن المنخفض، والمدخنين، ومن يشربون الكحول بكثرة، ومن يعانون نقص النشاط البدني أو سوء التغذية ونقص الكالسيوم وفيتامين "د".

كما توجد أمراض وأدوية يمكن أن تضعف العظام. ومن أشهر الأمثلة الاستخدام الطويل للكورتيكوستيرويدات، كالكورتيزون والديكساميثازون، إضافة إلى بعض أدوية الصرع وبعض علاجات السرطان وأدوية أخرى.

كما يمكن لبعض الأمراض الهرمونية واضطرابات الجهاز الهضمي وسوء الامتصاص والتهاب المفاصل الروماتويدي وبعض اضطرابات الأكل أن تزيد فقدان العظام. ولذلك قد يحتاج بعض الأشخاص إلى تقييم مبكر حتى لو كانوا أصغر من العمر المعتاد للفحص.

ولا يسبب المرض عادة أي أعراض، وتعتمد الوقاية من أول كسر على اكتشاف الأشخاص المعرضين للخطر قبل وقوعه. وأشهر فحوص الكشف هو قياس كثافة المعادن في العظام باستخدام الأشعة السينية ثنائية الطاقة، أو "ديكسا". والفحص سريع وغير مؤلم ويستخدم كمية منخفضة من الأشعة، ويقيس عادة كثافة العظام في الورك والعمود الفقري، وهما من أهم المناطق المرتبطة بخطر الكسور.

وفي أحدث توصياتها المنشورة في يناير 2025، أوصت فرقة الخدمات الوقائية الأميركية بفحص جميع النساء من عمر 65 عاماً فأكثر للكشف عن هشاشة العظام، كما أوصت بفحص النساء بعد انقطاع الطمث تحت سن 65 إذا كان لديهن عامل أو أكثر من عوامل الخطورة، وأظهر تقييم سريري أن خطر الكسور لديهن مرتفع.

أما بالنسبة إلى الرجال، فقالت اللجنة إن الأدلة الحالية ما زالت غير كافية لإصدار توصية عامة بالفحص الدوري، وهو ما لا يعني أن الرجال لا يصابون بالهشاشة، ولكن القرار يحتاج إلى تقييم فردي.

ولا يقتصر التشخيص على رقم كثافة العظام وحده، إذ ينظر الطبيب إلى العمر والجنس والتاريخ العائلي والكسور السابقة والتدخين والأدوية والأمراض الأخرى واحتمال السقوط. وقد تستخدم أدوات لحساب خطر الإصابة بكسر خلال السنوات المقبلة، لأن شخصين لديهما كثافة عظام متشابهة قد يكون خطر الكسر لدى أحدهما أعلى بكثير بسبب عوامل أخرى.

أما الوقاية فتبدأ قبل الشيخوخة بسنوات طويلة. فالوصول إلى كتلة عظمية جيدة في مرحلة الشباب يوفر نوعاً من "الرصيد" الذي يحمي العظام لاحقاً. ويظل النشاط البدني مهماً طوال العمر، خصوصاً التمارين التي تحمل وزن الجسم، مثل المشي وتمارين المقاومة، لأنها تساعد في الحفاظ على قوة العظام والعضلات. وفي كبار السن، يصبح تحسين القوة والتوازن مهماً أيضاً، لأنه يقلل احتمالات السقوط، وهو أحد أهم أسباب الكسور.

الكالسيوم وفيتامين "د"

ويحتاج الجسم أيضاً إلى كمية كافية من الكالسيوم وفيتامين "د" والبروتين. ويدخل الكالسيوم في تكوين العظام، بينما يساعد فيتامين "د" الجسم على امتصاصه.

ويمكن الحصول على الكالسيوم من منتجات الألبان وبعض الخضروات والأطعمة المدعمة والأسماك التي تؤكل بعظامها، بينما يأتي فيتامين "د" من التعرض المناسب للشمس وبعض الأطعمة والأغذية المدعمة. وقد يحتاج بعض الأشخاص إلى مكملات إذا كان المدخول أو مستوى الفيتامين في الدم غير كاف.

لكن تناول كميات ضخمة من الكالسيوم أو فيتامين "د" لا يعالج هشاشة العظام وحده. فهما جزء من الوقاية والعلاج، وليس بديلاً عن الأدوية عندما يصبح خطر الكسور مرتفعاً. كما أن الاحتياجات تختلف بين الأشخاص، ولذلك لا يُنصح بتناول جرعات كبيرة عشوائياً من دون تقييم طبي.

وفي المرضى الذين ثبتت إصابتهم بهشاشة العظام أو لديهم خطر مرتفع للكسور، توجد أدوية متعددة؛ فبعض العلاجات يعمل أساساً على إبطاء تكسير العظام، بينما توجد أدوية أخرى تقلل نشاط الخلايا المسؤولة عن الهدم، وأدوية يمكن أن تحفز تكوين عظام جديدة لدى المرضى المعرّضين لخطر شديد. ويعتمد اختيار الدواء على العمر والجنس ودرجة فقدان العظام والكسور السابقة والأمراض المصاحبة ومخاطر كل علاج.

ولا يقل منع السقوط أهمية عن زيادة قوة العظام؛ فتدابير مثل مراجعة النظر والأدوية التي تسبب الدوخة (الدوار)، وتحسين الإضاءة داخل المنزل، وإزالة السجاد أو الأسلاك التي تسبب التعثر، واستخدام أحذية مناسبة، وتقوية عضلات الساقين وتحسين التوازن، كلها إجراءات بسيطة قد تمنع الكسر الذي تحاول بقية العلاجات تجنبه.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن أهم رسالة في هشاشة العظام هي أن غياب الألم لا يعني بالضرورة أن العظام سليمة، فقد يكون المرض قد بدأ بالفعل من دون أن يعطي أي إنذار. ولذلك، لا ينبغي انتظار أول كسر حتى يبدأ السؤال عن كثافة العظام.

تصنيفات

قصص قد تهمك