
أظهرت دراسة حديثة أن بعض المرضى بسرطان الخلايا الحرشفية المتقدم موضعياً في الرأس والرقبة، ربما يحتاجون إلى جراحات أقل، بعدما أثبتت تجربة استجابتهم القوية للعلاج المناعي الكيميائي قبل العملية، دون أن يضر ذلك بالسيطرة على المرض على المدى القصير، في نهج قد يساعد مستقبلاً على تقليل التشوهات وفقدان وظائف الأعضاء المرتبطة بالجراحة التقليدية.
ووجد الباحثون في الدراسة التي نشرتها دورية Clinical Cancer Research التابعة للجمعية الأميركية لأبحاث مرض السرطان، أن 90% من المرضى الذين تقلصت أورامهم بنسبة 50% على الأقل بعد العلاج الأولي، ثم خضعوا لجراحة محدودة الحجم، ظلوا دون انتكاس أو انتشار للسرطان أو وفاة بعد عامين.
وسرطانات الرأس والرقبة مجموعة من الأورام التي تصيب مناطق تشمل الفم والحلق والحنجرة والجيوب الأنفية والغدد اللعابية، وأكثر أنواعها شيوعاً هو سرطان الخلايا الحرشفية.
ويشخص أكثر من 60% من مرضى سرطان الخلايا الحرشفية في الرأس والرقبة عندما يكون المرض وصل إلى مرحلة متقدمة موضعياً، وهي مرحلة ترتبط بارتفاع خطر عودة الورم أو انتشاره، خاصة في الحالات غير المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري.
ويعتمد العلاج المعتاد لهذه الحالات على العلاج الكيميائي والإشعاعي، أو على جراحة جذرية واسعة يتبعها العلاج الإشعاعي، لكن الجراحات قد تؤدي إلى تشوهات في الوجه أو فقدان وظائف أعضاء مهمة، في حين يمكن أن يسبب العلاج الكيميائي الإشعاعي آثاراً جانبية طويلة الأمد تشمل صعوبة البلع، والاعتماد على أنبوب للتغذية، واضطرابات أو فقدان الصوت.
وقال كونيو يانج مدير مركز السرطان بمستشفى يونيون التابع لكلية تونجي الطبية بجامعة هواتشونج للعلوم والتكنولوجيا في الصين، وأحد كبار الباحثين في الدراسة، إن النتائج السابقة للعلاج المناعي الكيميائي قبل الجراحة أظهرت انكماشاً كبيراً للأورام، ما دفع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كان من الممكن استغلال هذه الاستجابة لإجراء عمليات جراحية أقل.
شملت الدراسة 52 مريضاً يعانون من سرطان خلايا حرشفية متقدم موضعياً وقابل للجراحة وغير مرتبط بفيروس الورم الحليمي البشري، وتلقى المرضى 3 دورات من العلاج المناعي الكيميائي قبل الجراحة، مع متابعة حجم الورم باستخدام تقنيات التصوير.
وقرر الباحثون إجراء جراحة محدودة للمرضى الذين تقلصت أورامهم بنسبة 50% أو أكثر، بحيث يقتصر الاستئصال قدر الإمكان على الورم المتبقي مع الحفاظ على الأنسجة والأعضاء القريبة، أما المرضى الذين كانت استجابتهم أقل من 50% فخضعوا للجراحة التقليدية.
وأكمل 47 مريضاً العلاج قبل الجراحة وانتقلوا إلى العملية، في حين لم يستكمل 5 مرضى بروتوكول الدراسة، ومن بين المرضى الذين خضعوا للجراحة، سجل 42 مريضاً، أي نحو 90% من العينة، انكماشاً في الورم بنسبة 50% على الأقل، ولذلك خضعوا لجراحة محدودة الحجم، أما المرضى الخمسة الآخرون فخضعوا للجراحة التقليدية؛ وبعد عامين، بلغ معدل البقاء دون مرض بين من خضعوا للجراحة المحدودة 90%.
وكان الحفاظ على وظائف الحنجرة لافتاً بصفة خاصة؛ فمن بين 39 مريضاً كانوا يعانون من أورام في الحنجرة أو البلعوم السفلي وخضعوا للجراحة المحدودة، احتفظ جميعهم بوظائف الحنجرة.
وعلى النقيض، بلغ معدل البقاء دون مرض بعد عامين 20% فقط بين المرضى الذين لم تتقلص أورامهم بنسبة 50% وخضعوا للجراحة التقليدية، وفقد مريض من 3 لديهم سرطان في الحنجرة أو البلعوم السفلي، وظائف الحنجرة بالكامل.
وأشار الباحثون إلى أن مستوى بروتين PD-L1 داخل الورم ربما يساعد مستقبلاً في التنبؤ بمدى الاستجابة للعلاج المناعي الكيميائي.
وأظهرت النتائج أن 65% من المرضى الذين سجلوا درجة مرتفعة من تعبير PD-L1، تزيد على 20 في مقياس Combined Positive Score، حققوا استجابة مرضية كاملة، أي عدم العثور على خلايا سرطانية حية في الأنسجة المستأصلة.
وانخفضت النسبة إلى 28% لدى المرضى الذين تراوحت درجاتهم بين 1 و 19، وإلى 14% فقط لدى من كانت درجاتهم أقل من واحد.
وأوضح يانج أن النتائج تشير إلى إمكانية تصميم نطاق الجراحة مستقبلاً بشكل فردي وفقاً لاستجابة الورم للعلاج قبل الجراحة، لكنه أكد أن الأدلة الحالية ليست كافية لتغيير الممارسة العلاجية القياسية.
وأضاف أن ضعف الاستجابة للعلاج المبكر قد يمثل أيضاً مؤشراً مهماً على سوء الإنذار، ما يبرز الحاجة إلى إيجاد استراتيجيات علاجية مختلفة للمرضى الذين لا تستجيب أورامهم للعلاج المناعي الكيميائي.
وتظل هذه النتائج أولية لأن الدراسة أجريت دون مجموعة مقارنة عشوائية وعلى عدد محدود نسبياً من المرضى، وكانت غالبية الحالات مصابة بسرطان الحنجرة والبلعوم السفلي، ما يعني صعوبة تعميم النتائج على جميع أورام الرأس والرقبة.
وقال الباحثون إن الأمر يتطلب دراسات أكبر وعشوائية للتأكد مما إذا كان خفض حجم الجراحة استناداً إلى الاستجابة للعلاج المناعي قبل الجراحة يستطيع الحفاظ على معدلات السيطرة على السرطان على المدى الطويل، مع تحسين القدرة على الكلام والبلع والحفاظ على شكل ووظائف أعضاء الرأس والرقبة.










