
حدد باحثون مئات المقاطع الجينية الدقيقة التي تؤثر في وظائف الدماغ، وطوروا نموذجاً للذكاء الاصطناعي يساعد في تفسير ارتباط طفرات وراثية نادرة باضطراب طيف التوحد، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لم تكشف الفحوص السابقة عن تفسير جيني لحالتهم.
وكشف الباحثون عن مناطق في الحمض النووي لم تحظ باهتمام كاف في الأبحاث السابقة، قد تحمل جزءاً من التفسير الوراثي المفقود لاضطراب طيف التوحد، في اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم الآليات الجزيئية المرتبطة بالحالة، وربما تطوير وسائل أكثر دقة للتشخيص والعلاج مستقبلاً.
وتوصل الباحثون وهم من جامعة تورنتو في كندا، ومعهد سلون كيترينج، وكلية كينجز لندن، ومعهد فرانسيس كريك في بريطانيا، إلى هذه النتائج باستخدام أدوات حاسوبية متقدمة وتقنيات التعلم الآلي، بحسب بحث نُشر في دورية Nature العلمية.
ويركز الاكتشاف على أجزاء متناهية الصغر من الجينات تُعرف باسم "ميكروإكسونات"، وهي مقاطع قصيرة من الحمض النووي يتراوح طولها بين 3 و27 حرفاً من الشفرة الوراثية، وتشارك في تنظيم إنتاج البروتينات، خاصة الضرورية لتطور الجهاز العصبي، ووظائف الدماغ.
هل التوحد مرض وراثي؟
قال الباحث المشارك في الدراسة، بنجامين بلينكو، الأستاذ بجامعة تورنتو في كندا، إن التوحد يتميز بطبيعة وراثية معقدة، تتداخل فيها عوامل متعددة، مشيراً إلى أن العلماء حددوا بالفعل مئات المتغيرات الجينية المرتبطة به، لكنها لا توفر تشخيصاً جينياً سوى لنحو 15% من الأشخاص المصابين بالتوحد.
ويعني ذلك أن نحو 85% ممن تم تشخصيهم باضطراب طيف التوحد لا يزالون دون تفسير جيني محدد لحالتهم، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث خارج المناطق الجينية التي تركز عليها التحليلات التقليدية، أملاً في اكتشاف متغيرات لم تكن معروفة سابقاً.
وتؤدي "ميكروإكسونات" دوراً مهماً من خلال عملية بيولوجية، تُعرف باسم "التضفير البديل"، تسمح للخلايا بإدراج مقاطع معينة من الشفرة الوراثية، أو استبعادها عند إنتاج الحمض النووي الريبي الرسول، الذي ينقل التعليمات اللازمة لتصنيع البروتينات داخل الخلايا.
وتتيح هذه العملية إنتاج نسخ مختلفة من البروتينات انطلاقاً من الجين نفسه، بما يزيد تنوع وظائفها، وتكتسب أهمية خاصة في الدماغ، حيث تعتمد الخلايا العصبية على شبكات معقدة من التفاعلات البروتينية لتنظيم نموها واتصالاتها ونقل الإشارات بينها.
وللكشف عن هذه المقاطع، استخدم الباحث المشارك في الدراسة، جييرمو بارادا، أداة حاسوبية طورها تحمل اسم "ميكروإكسوناتور"، لتحليل أكثر من 100 تيرابايت من بيانات تسلسل الحمض النووي الريبي المتاحة للباحثين، وهي كمية تعادل تقريبا سعة تخزين 25 مليون صورة ملتقطة بالهواتف الذكية.
وأسفر التحليل عن اكتشاف أكثر من 1500 "ميكروإكسون" جديد، تبين أن نحو 300 منها تخضع لعمليات تضفير مرتبطة بالدماغ على وجه التحديد، كما لاحظ الباحثون أن كثيراً من هذه المقاطع يتركز في جينات مرتبطة بعمليات عصبية حيوية، ما يعزز الأدلة على أهميتها في وظائف الجهاز العصبي.
لكن الاكتشاف لم يتوقف عند تحديد المقاطع الجديدة، إذ طوَّر الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يستطيع تحليل تسلسلات الحمض النووي المحيطة بـ "الميكروإكسونات"، والتنبؤ بكيفية تأثير المتغيرات الجينية في إدراج هذه المقاطع، أو استبعادها أثناء تصنيع الحمض النووي الريبي الرسول.
وقال بارادا إن إحدى النتائج المفاجئة تمثلت في أن التسلسلات التي حددها النموذج باعتبارها مؤثرة في تنظيم "الميكروإكسونات" تتطابق بدرجة كبيرة مع مناطق وراثية ظلت محفوظة عبر التطور لدى الفقاريات، وهو ما يشير عادة إلى أهميتها البيولوجية.
وبالتعاون مع باحثين بمستشفى الأطفال المرضى في كندا، طبَّق الباحثون النموذج على بيانات التسلسل الجينومي الكامل لآلاف الأشخاص المصابين بالتوحد وأشقائهم غير المصابين، بهدف تحديد المتغيرات التي قد تؤثر في تنظيم "الميكروإكسونات"، واختبار ارتباطها بالاضطراب.
وأظهرت النتائج أن المتغيرات الجينية النادرة غالباً ما تمتلك التأثيرات المتوقعة الأكبر على تضفير "الميكروإكسونات" العصبية، وأن مجموعة فرعية منها ترتبط بالتوحد.
ولاحظ العلماء أن هذه المتغيرات ظهرت، بصورة رئيسية، لدى أشخاص لم تكن التحليلات الجينية السابقة قد حددت تفسيراً وراثياً لحالاتهم.
وتعزز النتائج أبحاثاً استمرت أكثر من عقد، أظهرت أن تنظيم "الميكروإكسونات" يختلف في أدمغة بعض الأشخاص المصابين بالتوحد، وأن تعطيل عمليات تضفيرها لدى الفئران يمكن أن يؤدي إلى ظهور سلوكيات تشبه بعض السمات المرتبطة بالاضطراب.
ومع ذلك، فإن النتائج الجديدة لا تعني أن الباحثين حددوا الأسباب الوراثية للتوحد لدى جميع الذين يفتقرون إلى تشخيص جيني، إذ تعتمد بعض الاستنتاجات على تنبؤات حاسوبية تحتاج إلى اختبارات بيولوجية إضافية لإثبات تأثيرها الفعلي.
وقال بلينكو إن الخطوة المقبلة تتمثل في فهم كيفية تأثير اضطراب "الميكروإكسونات" في التفاعلات بين البروتينات الضرورية لنمو الجهاز العصبي ووظائفه، مشيراً إلى أن مختبره يستكشف بالفعل طرقاً علاجية محتملة تستهدف الاختلالات في تنظيم هذه المقاطع.
ويرى الباحثون أن أهمية النموذج الجديد قد تمتد إلى اضطرابات عصبية أخرى، منها الفصام والصرع، حيث يُعتقد أن "الميكروإكسونات" تشارك في آلياتها الجزيئية، ما يوفر أداة لدراسة المتغيرات الوراثية التي يصعب تفسيرها بالوسائل التقليدية.
ويقدم الاكتشاف مساراً جديداً للبحث في الجينات المرتبطة بالتوحد، مع تحويل الاهتمام من المقاطع التي تشفر البروتينات وحدها إلى المناطق المحيطة بها، والتي قد تؤدي دوراً حاسماً في تحديد كيفية عمل الجينات داخل الدماغ.










