
شهدت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة تصعيداً غير مسبوق، انتقل من مسار تفاوضي متعثر إلى مواجهة عسكرية مباشرة، عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اغتيال المرشد علي خامنئي بعد عمليات عسكرية ضد أهداف إيرانية، إذ جاء هذا التطور في ظل توترات متراكمة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وحسابات الردع الإقليمي، ما أدخل المنطقة في مرحلة جديدة تتزايد فيها احتمالات اتساع رقعة المواجه.
وأعلن الرئيس الأميركي، السبت، بدء عمليات قتالية واسعة النطاق ضد إيران، وذلك بالتنسيق مع إسرائيل، واصفاً إياها بأنها تهدف إلى القضاء على التهديدات الإيرانية بما في ذلك برنامج الصواريخ والنووي ومنع طهران من تطوير سلاح نووي، مؤكداً أن النظام الإيراني يمثل تهديداً مباشراً للأمن الأميركي وللحلفاء في المنطقة.
وشملت الضربات أهدافاً استراتيجية وعسكرية داخل إيران، بينها مواقع في العاصمة طهران ومدن أخرى مثل أصفهان وقم، كما أعلنت إسرائيل أيضاً مشاركتها في العملية بهدف تحييد ما تعتبره "تهديداً وجودياً لأمنها"، بدورها أطلقت إيران أول موجة من المسيرات والصواريخ باتجاه إسرائيل.
ولم يكن التنسيق الأميركي- الإسرائيلي وليد اللحظة، بل بدأت التوترات منذ اندلاع الاحتجاجات في إيران نهاية ديسمبر ويناير الماضيين، وتحذير الرئيس الأميركي من أن الولايات المتحدة "ستتدخل لإنقاذ المتظاهرين"، إذا قامت طهران بـ"قتل المحتجين السلميين".
كما جاء التصعيد العسكري، بعد فشل مفاوضات نووية مع إيران في مدينة جنيف، الخميس، وارتفاع حدة التهديدات المتبادلة، ما دفع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل إلى التحرك.
ضغوط اقتصادية واحتجاجات
بدأت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر الماضي، عندما أضرب أصحاب المتاجر في طهران احتجاجاً على الوضع الاقتصادي، لكن نطاقها وحجمها اتسعا ليمتدا إلى عدة مدن في أنحاء البلاد.
وبدأت الاحتجاجات بين التجار وأصحاب المتاجر ثم امتدت إلى طلاب الجامعات ومدن رئيسية، حيث هتف بعض المحتجين بشعارات مناهضة للنظام.
وإثر ذلك، اندلعت تظاهرات في عدد من المناطق حول البلاد، بينها تظاهرات متفرقة من عدد من أحياء العاصمة طهران، وفي محاولة لاحتواء التظاهرات، بدأت السلطات الإيرانية حملة اعتقالات تستهدف قادة الاحتجاجات، فيما أشارت تقارير حقوقية إلى ارتفاع عدد الضحايا إلى 6 آلاف و126 شخصاً على الأقل.
وقدرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة "هرانا" HRANA، وهي منظمة حقوقية مقرها ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، الحصيلة الجديدة للضحايا، بنحو 6 آلاف و126 شخصاً استناداً إلى توثيق نشطاء داخل إيران.
وكانت حكومة الرئيس مسعود بيزشكيان، أعربت عن رغبتها في التهدئة مع المحتجين، وقدمت عرضاً غير معتاد للحوار، في حين خرج المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بتصريحات تجمع بين الاعتراف بـ"المطالب المحقة" للمتظاهرين، والتشديد على مواجهة "مثيري الشغب"، بالتزامن مع استمرار الاحتجاجات وفرض قيود على الإنترنت.
تجدر الإشارة إلى أن تلك الاحتجاجات هي الأكبر في إيران منذ عام 2022، عندما تسببت وفاة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاماً أثناء احتجازها لدى الشرطة، باندلاع مظاهرات في جميع أنحاء البلاد.
"جاهزون للانطلاق"
الاحتجاجات المتصاعدة، دعت الرئيس الأميركي، للتدخل لـ"إنقاذ المتظاهرين السلميين" في إيران، حال "إطلاق النار عليهم وقتلهم بعنف"، وذلك على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وكتب ترمب حينها في منشور عبر حسابه على منصة Truth Social: "إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف، كما جرت عادتها، فإن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدتهم"، مضيفاً: "نحن على أهبة الاستعداد".
بدوره، رد المرشد الإيراني على تهديد ترمب بالتدخل لمساعدة المتظاهرين الإيرانيين في حال تعرضهم لإطلاق نار، قائلاً إن بلاده "لن تتراجع أمام العدو".
وقال خامنئي خلال لقاء جمعه بعائلات ضحايا "حرب الـ12 يوماً" مع إسرائيل، إن "الرئيس الإيراني وغيره من كبار المسؤولين يسعون لمعالجة هذه المشكلة. إنها مشكلة حقيقية، وللعدو يدٌ فيها أيضاً".
وأضاف خامنئي آنذاك: "ما هو مهم وخطير أن يقف خلف التجار أشخاص محرَّضون، عملاء للعدو، ويرفعون شعارات معادية للإسلام، ومعادية لإيران"، مشيراً إلى أن السلطات الإيرانية تتحاور مع المحتجين "لكن لا فائدة من الحوار مع مثير الشغب؛ فمثير الشغب يجب أن يُوضع عند حدّه ويُلقّن درساً".
أما أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، فقد رد على تصريحات ترمب بالتحذير من أن تدخل الولايات المتحدة في الأمور الداخلية الإيرانية يعني زعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها.
تعزيزات أميركية في الشرق الأوسط
وخلال الأسابيع الأخيرة، وقبل الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف، حشدت الولايات المتحدة قوة عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط، شملت عشرات الطائرات المقاتلة المتطورة، وقاذفات بعيدة المدى، وأنظمة دفاع صاروخي، إضافة إلى حاملة طائرات ومدمرات حربية، فيما حذر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران من عدم إبرام اتفاق نووي جديد.
وحملت التحركات العسكرية في الشرق الأوسط، أصداء التحركات الأميركية التي سبقت غزو العراق في عام 2003، كما أنها أكبر من الحشد الأميركي الأخير في منطقة الكاريبي قبل اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
وأعلنت البحرية الأميركية آنذاك وجود ما لا يقل عن 12 سفينة حربية في منطقة الشرق الأوسط، بينها حاملة طائرات و8 مدمرات، إضافة إلى 3 سفن قتالية ساحلية جرى تحويلها إلى كاسحات ألغام، فضلاً عن حاملة طائرات أخرى اتجهت عبر البحر المتوسط إلى المنطقة.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث، في بيان نُشر على منصة "إكس" في وقت سابق من فبراير الماضي، إنه "أصدر توجيهاته بنشر قدرات إضافية" في الشرق الأوسط.
وجاء في البيان: "حماية القوات الأميركية تمثل أولويتنا القصوى، وعمليات النشر هذه تهدف إلى تعزيز وضعنا الدفاعي في المنطقة"، دون أن يحدد أنواع القوات التي تم نشرها.
وخلال الشهر الماضي، نشرت الولايات المتحدة مسبقاً أنظمة "ثاد" و"باتريوت" الاعتراضية الأكثر تطوراً لحماية أصولها في المنطقة، إذ يستطيع "ثاد" اعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي، بينما يتصدى "باتريوت" للتهديدات قصيرة المدى وعلى ارتفاعات منخفضة.
فشل مفاوضات جنيف
وانتهت الجولة الثالثة من مفاوضات أميركا وإيران في جنيف، وسط مؤشرات على "استمرار الفجوة" بينهما، إذ دفعت واشنطن بمطالب أبرزها تدمير المواقع النووية الرئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، في حين رفضت إيران التخلي عن التخصيب، وتفكيك منشآتها، وقيود دائمة على برنامجها، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وقال مسؤولون للصحيفة حينها إن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، أبلغا الجانب الإيراني، خلال محادثات جنيف، بضرورة تدمير المواقع النووية الثلاثة الرئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، وتسليم كامل مخزون اليورانيوم المخصب المتبقي إلى الولايات المتحدة.
وشدد المبعوثان الأميركيان على أن يكون أي اتفاق نووي دائماً، وألا يتضمن بنوداً تنتهي بمرور الوقت كما حدث في اتفاق عام 2015، الذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، وأعاد عقب ذلك فرض عقوبات صارمة على طهران، بحسب الصحيفة.
وذكرت مصادر مطلعة على المحادثات أن إيران "رفضت فكرة نقل مخزونها من اليورانيوم إلى الخارج، كما اعترضت على إنهاء عمليات التخصيب، وتفكيك منشآتها النووية، وفرض قيود دائمة على برنامجها".
وأشارت الصحيفة إلى أن إيران متمسكة بتخصيب اليورانيوم، لكنها طرحت مقترحات لتخفيف المخاوف الأميركية، منها خفض نسبة التخصيب إلى 1.5% بدلاً من 60% حالياً، أو تعليق التخصيب لعدة سنوات، أو معالجته عبر "كونسورتيوم عربي-إيراني" داخل إيران.
وكانت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية، أشارت إلى امتلاك إيران مركبات إطلاق فضائية يمكن استخدامها لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الولايات المتحدة بحلول عام 2035.
ولفت التقرير إلى أن إيران قد تمتلك بحلول عام 2035 نحو 60 صاروخاً عابراً للقارات قادراً على ضرب أي جزء من الأراضي الأميركية، "إذا قررت طهران السعي لامتلاك هذه القدرة".
وتقول إيران، إن أبحاثها النووية مخصصة لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتنفي سعيها لامتلاك سلاح نووي.












