
مع رحيل المرشد الإيراني، علي خامنئي، تدخل إيران مرحلة مفصلية تُنهي أكثر من 3 عقود من القيادة التي طبعت ملامح نظامها السياسي وحددت اتجاهاتها الإقليمية والدولية.
وعلى امتداد سنوات حكمه، ارتبط اسمه بتحولات داخلية عميقة، وصراعات سياسية متكررة، وتوترات ممتدة مع قوى إقليمية وغربية، ما جعله أحد أبرز الشخصيات تأثيراً في تاريخ إيران الحديث.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أول من أعلن خبر اغتيال خامنئي في اليوم الأول من الضربات الجوية الواسعة، التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وأكد التلفزيون الرسمي الإيراني لاحقاً وفاة خامنئي عن عمر يناهز 86 عاماً، بعدما حكم البلاد خلال العقود الـ3 الماضية، ويُعد من بين الأطول بقاء في السلطة في العالم.
ولم تعرف إيران سوى مرشدين فقط منذ الثورة عام 1979. ويُعد المنصب صاحب السلطة الأعلى في البلاد، إذ يشغل المرشد موقع رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة، بما في ذلك قوات الحرس الثوري الإيراني.
ورغم أن خامنئي لم يكن يتمتع بالمكانة الدينية ذاتها التي حظي بها سلفه الخميني، إلا أنه أصبح أعلى سلطة في البلاد، مشرفاً على القوات المسلحة والسلطة القضائية وأجهزة الدولة الرئيسية، وتمتع بصلاحيات دستورية واسعة.
3 عقود في السلطة
خلال فترة حكمه، التي تجاوزت 3 عقود، عزز خامنئي دور المؤسسة الدينية في إدارة الدولة، ووسع نفوذ الحرس الثوري الإيراني، الذي تحول إلى قوة عسكرية واقتصادية مؤثرة، وتولى مسؤوليات تتعلق بالبرنامج الصاروخي والأنشطة الإقليمية، بحسب "أسوشيتد برس".
وُلد علي خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد شمال شرقي إيران. وكان الثاني بين ثمانية أبناء في عائلة دينية، إذ كان والده رجل دين متوسط الرتبة من المذهب الشيعي، المذهب السائد في إيران.
وقد صوّر لاحقاً طفولته بأنها "فقيرة لكنها متدينة"، قائلًا إنه كان يأكل في كثير من الأحيان "الخبز والزبيب" فقط، بحسب ما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية BBC.
وتركز تعليمه على دراسة القرآن، وتأهل كعالم دين في سن الحادية عشرة. وكما هو حال كثير من رجال الدين في تلك الحقبة، كان نشاطه سياسياً بقدر ما كان دينياً.
انضم خامنئي إلى منتقدي شاه إيران، محمد رضا بهلوي، الذي أُطيح به لاحقاً في الثورة، وعاش لسنوات متخفياً أو في السجن، إذ اعتقلته الشرطة السرية التابعة للشاه 6 مرات، وتعرض للتعذيب والنفي الداخلي، وفق BBC.
بعد ثورة 1979، عيّنه الخميني إماماً لصلاة الجمعة في طهران. وكانت خطبه السياسية الأسبوعية تُبث في أنحاء البلاد، ما رسخ مكانته ضمن القيادة الجديدة.
وفي الأشهر الأولى المضطربة بعد الثورة، احتل طلاب جامعيون متشددون موالون للخميني السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا عشرات الدبلوماسيين والموظفين رهائن. ودعم قادة الثورة، ومنهم خامنئي، الطلاب الذين احتجوا على قرار الولايات المتحدة منح اللجوء للشاه المخلوع.
استمرت أزمة الرهائن 444 يوماً، وأسهمت في إنهاء إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر، كما وضعت إيران على مسار من العداء للولايات المتحدة والغرب استمر لعقود، وأدت إلى عزلة دولية طويلة.
نجاة من محاولة اغتيال
في يونيو 1981، نجا خامنئي من محاولة اغتيال عندما أخفت جماعة معارضة قنبلة داخل جهاز تسجيل انفجر أثناء إلقائه محاضرة. أُصيب بجروح خطيرة، واستغرقت رئتاه شهوراً للتعافي، وفقد الاستخدام الكامل لذراعه اليمنى بشكل دائم.
في وقت لاحق من ذلك العام، وبعد اغتيال الرئيس محمد علي رجائي، خاض خامنئي الانتخابات الرئاسية وفاز بنسبة 97% من الأصوات، في اقتراع كان يُنظر إلى نتيجته على أنها محسومة سلفاً.
خلال رئاسته، أصبح قائداً في زمن حرب، إذ كانت العراق بقيادة صدام حسين قد غزت إيران عام 1980. واستمرت الحرب 8 سنوات، وأسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا من الجانبين.
وفي عام 1989، وبعد وفاة الخميني، اختاره "مجلس خبراء القيادة" مرشداً رغم ما اعتُبر آنذاك ضعفاً في سجله العلمي الديني. وأقر في أول خطاب له بوجود شكوك حول مؤهلاته.
وعلى مدى السنوات الـ30 التالية، عمل خامنئي على بناء شبكة موالين داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك البرلمان والقضاء والشرطة ووسائل الإعلام والمؤسسة الدينية، وفق "أسوشيتد برس".
داخلياً، شهدت إيران موجات احتجاج بارزة، من بينها احتجاجات عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية، ثم تحركات في 2017 و2019 على خلفيات اقتصادية، إضافة إلى احتجاجات واسعة عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها. وتعاملت السلطات مع هذه الاحتجاجات بإجراءات أمنية موسعة، في حين تحدثت منظمات حقوقية عن سقوط ضحايا واعتقالات واسعة.
وعلى الصعيد الإقليمي، تبنت إيران خلال عهده سياسة دعم حلفاء وجماعات مسلحة في عدة دول، فقد عززت علاقاتها مع "حزب الله" في لبنان، ودعمت حركة "حماس" في غزة، كما قدمت دعماً عسكرياً وسياسياً للرئيس السوري السابق بشار الأسد خلال النزاع في سوريا.
كما ارتبط اسم إيران بدعم جماعات مسلحة في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وبمواجهة تنظيم "داعش" في العراق وسوريا عبر "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري.
وشهدت السنوات الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في التوتر مع إسرائيل، بما في ذلك تبادل ضربات مباشرة في 2024 و2025، إضافة إلى استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وسقوط قادة عسكريين وعلماء. كما لقي قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني حتفه في غارة أميركية عام 2020، ما أدى إلى توتر حاد بين طهران وواشنطن.
الملف النووي
في الملف النووي، أعلن خامنئي أن الأسلحة النووية محرّمة دينياً، لكنه أشرف على برنامج نووي أثار مخاوف دولية.
وفي 2015، وافقت إيران على اتفاق مع قوى دولية للحد من أنشطتها النووية مقابل رفع العقوبات. غير أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق عام 2018 خلال ولاية ترمب الأولى، ما أدى إلى إعادة فرض العقوبات.
ومنذ ذلك الحين، أعلنت طهران تقليص التزاماتها وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم. ورغم محاولات إحياء الاتفاق خلال إدارة باراك أوباما سابقاً ثم مساعٍ لاحقة، ظلت المفاوضات متعثرة.
سياسياً، واجه خامنئي تحديات من تيارات إصلاحية برزت مع انتخاب محمد خاتمي عام 1997، ثم صعود التيار المحافظ مجدداً مع انتخاب محمود أحمدي نجاد عام 2005، وشهدت البلاد انقسامات داخلية بشأن طبيعة الإصلاحات السياسية والاجتماعية والعلاقة مع الغرب.
وفي يونيو 2025، استهدفت إسرائيل منشآت إيرانية مرتبطة بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية، وردت إيران بإطلاق صواريخ على مدن إسرائيلية. وعندما انضمت الولايات المتحدة إلى الضربات واستهدفت 3 منشآت نووية رئيسية، تعهد خامنئي بعدم الاستسلام.
في يناير 2026، واجهت البلاد موجة احتجاجات بسبب الأزمة الاقتصادية، وردت السلطات بحملة أمنية واسعة، وفق تقارير حقوقية.
وفي خطاب سابق عام 2011، استشهد خامنئي بتجربة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي للتأكيد على أهمية الحفاظ على القدرات الدفاعية، في سياق دفاعه عن استمرار البرنامج النووي الإيراني.
وينص الدستور الإيراني على أن يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار المرشد الأعلى الجديد. ويضم المجلس 88 عضواً من رجال الدين المنتخبين، ولم يُعلن رسمياً حتى الآن عن خليفة محدد.
وأعلنت الحكومة الإيرانية الحداد العام لمدة 40 يوماً، إضافة إلى عطلة رسمية لمدة 7 أيام. ويطرح رحيل خامنئي تساؤلات عن مستقبل القيادة السياسية في إيران، واتجاهات سياستها الداخلية، ودورها الإقليمي، ومسار علاقاتها مع القوى الدولية في المرحلة المقبلة.









