
وضعت الضربات الجوية، التي شنّها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران، حليفته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في موقف سياسي حرج قبل استفتاء حاسم هذا الشهر، إذ تحاول الموازنة بين الحفاظ على علاقتها بواشنطن وطمأنة الناخبين بأن إيطاليا لن تُجر إلى الحرب، وفق "بوليتيكو".
ورغم أن الاستفتاء الوطني يتعلق ظاهرياً بإصلاحات قضائية، فإنه تحول سريعاً إلى تصويت على الثقة في ميلوني وحكومتها اليمينية، التي تُعد من أكثر الحكومات استقراراً في إيطاليا خلال السنوات الأخيرة.
لكن تحالف ميلوني الوثيق مع ترمب بات يهدد موقعها السياسي، إذ أن "ترمب غير محبوب إلى حد كبير في إيطاليا" حسبما أوردت المجلة الأميركية، حيث يُظهر استطلاع أجرته مؤسسة YouGov أن 77% من الإيطاليين يحملون نظرة سلبية تجاهه. كما أن الحرب تزيد المخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة، وهو عامل حساس في بلد يدفع بالفعل من أعلى أسعار الكهرباء في الاتحاد الأوروبي.
هذه المشاعر السلبية تجاه الرئيس الأميركي، إلى جانب القلق من تأثير الحرب على فواتير الأسر، تدفع ميلوني إلى السير على حبل مشدود، فهي تتجنب انتقاد حليفها القوي في البيت الأبيض، وفي الوقت نفسه تحاول طمأنة الناخبين بأن إيطاليا لن تُجر إلى الحرب، وفق "بوليتيكو".
وتؤكد إيطاليا أنها لن تقدم دعماً مباشراً للحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، وتشير إلى أن القواعد الأميركية في إيطاليا مصرح لها فقط بتقديم دعم لوجيستي وليس تنفيذ عمليات هجومية.
وقالت ميلوني لإذاعة RTL الخميس: "نحن لسنا في حالة حرب، ولا نريد الذهاب إلى الحرب".
توقيت سيئ
وذكرت "بوليتيكو" أن هذا التوازن الدقيق، يأتي في أسوأ توقيت سياسي ممكن بالنسبة لميلوني، إذ تشير الاستطلاعات إلى أن نتيجة الاستفتاء أصبحت متقاربة للغاية، وأن نسبة المشاركة ستكون عاملاً حاسماً. وإذا خسرت ميلوني، فسيُعد ذلك انتكاسة كبيرة لسياسية تمتعت في السنوات الأخيرة بطريقة قوية داخلياً، وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي.
واستثمرت ميلوني كثيراً في علاقتها مع ترمب، لكن هذه الاستراتيجية بدأت تحمل كلفة سياسية داخلية، خاصة بعد أن بدا أن الدور الإيطالي في القرارات الاستراتيجية الأميركية محدود للغاية.
واعترف وزير الدفاع الإيطالي لاحقاً خلال نقاش في البرلمان بأن حلفاء واشنطن الأوروبيين لا يملكون نفوذاً يذكر في بعض القرارات. وقال إن الهجوم على إيران "حدث بالتأكيد خارج قواعد القانون الدولي"، لكنه أضاف أن أي حكومة، أوروبية أو غيرها، لم تكن قادرة على منعه.
كما أن احتمال استخدام القواعد العسكرية الأميركية في إيطاليا قد يصبح قضية سياسية حساسة في بلد كان الرأي العام فيه تاريخياً حذراً من الانجرار إلى الحروب التي تقودها الولايات المتحدة.
وأكدت الحكومة أن استخدام قواعد مثل قاعدة سيجونيلا الجوية البحرية في صقلية يقتصر على الدعم اللوجيستي والتقني وفق اتفاقيات ثنائية قديمة.
وأضافت ميلوني أن استخدام الأراضي الإيطالية، لدعم ضربات عسكرية يتطلب موافقة الحكومة، وهو أمر لم يُطلب حتى الآن.
وقال وزير الخارجية أنطونيو تاياني للبرلمان إن إجراءات الحكومة تهدف إلى حماية المواطنين الإيطاليين في المنطقة وكذلك طرق الملاحة البحرية، ومنع ارتفاع أسعار الطاقة، مضيفاً: "نحن لا نتعامل فقط مع مواقف ترمب؛ سلامة مواطنينا هي الأولوية".
وإدراكاً منها لخطر ارتفاع أسعار الطاقة، استدعت ميلوني الثلاثاء قادة قطاع الطاقة إلى مكتبها لإجراء محادثات حول أمن الطاقة، مؤكدة أن حكومتها تعمل بلا توقف للحد من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
ميلوني في مرمى الانتقادات
لكن أحزاب المعارضة، التي شعرت بضعف موقفها السياسي، انتقدتها بسبب رفضها إدانة الضربات وبسبب ما وصفته بـ "التبعية" للولايات المتحدة.
وخلال النقاش في البرلمان، اتهم أنجيلو بونيلي من تحالف الخضر واليسار الحكومة بالخضوع لترمب، قائلاً: "أنتم تقودون إيطاليا إلى الحرب. عندما تصل طائرة عسكرية – سواء كانت طائرة شحن أو غيرها – لإجراء صيانة أو غير ذلك، فإن تلك الطائرات ستذهب لاحقاً لتقصف في مسرح العمليات. ما الفرق بين الدعم اللوجيستي العسكري ومن يقوم بالقصف؟ هذا يعني أننا في حالة حرب، ونحن لا نوافق على ذلك".
أما أرنالدو لوموتي، النائب عن حركة النجوم الخمس الشعبوية، فسخر قائلاً إن "على روما الابتعاد عن واشنطن وإسرائيل"، مطالباً الحكومة بأن "تفرض عقوبات على الولايات المتحدة، وتقدم حزمة مساعدات عسكرية لإيران".
وقال المحلل ليو جوريتي من معهد الشؤون الدولية الإيطالي إن ميلوني "تحافظ على موقف متوازن"، مدركة أن الرأي العام يعارض بشدة أي مشاركة إيطالية في الحرب، وفي الوقت نفسه تحاول عدم الإضرار بعلاقتها مع ترمب.











