كيف تستهدف أميركا وإسرائيل قاذفات الصواريخ الإيرانية؟ | الشرق للأخبار

لعبة المطاردة القاتلة.. كيف تستهدف أميركا وإسرائيل قاذفات الصواريخ الإيرانية؟

time reading iconدقائق القراءة - 8
منصات صواريخ إيرانية من طراز 'فاتح 110' في ساحة بهارستان جنوب طهران. صورة أرشيفية - REUTERS
منصات صواريخ إيرانية من طراز 'فاتح 110' في ساحة بهارستان جنوب طهران. صورة أرشيفية - REUTERS
دبي-

في ساحات الصراع الحديثة، لم تعد منصات الصواريخ الباليستية مجرد أدوات ردع بعيدة عن الخطر، بل تحولت إلى أهداف مكشوفة في سماء تراقبها الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة على مدار الساعة.

وفي هذا الواقع الجديد، أصبح تشغيل منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية من أخطر المهام العسكرية، فبمجرد خروج القاذف من مخبئه متجهاً نحو موقع الإطلاق، يبدأ سباق قصير مع الزمن، إذ قد يتحول خلال دقائق إلى هدف لضربة دقيقة من الجو، تنهي المهمة قبل أن يبدأ الصاروخ رحلته. وفق ما أوردته صحيفة "فاينانشيال تايمز".

وتعتمد إيران على عدد متناقص من هذه القاذفات الثمينة لمواصلة عملياتها العسكرية، إذ تُعد هذه المنصات أصولاً لا غنى عنها ينبغي لطهران الحفاظ عليها، إذا أرادت الاستمرار في إطلاق الصواريخ الباليستية، التي تمثل أقوى أسلحتها. 

"أخطر وظيفة على وجه الأرض" 

وفي الإطار، قال فرزين نديمي، الخبير في برنامج الصواريخ الإيراني لدى "معهد واشنطن"، لـ"فاينانشيال تايمز": "هذه أخطر وظيفة على وجه الأرض في الوقت الحالي. ربما نتحدث عن متوسط عمر متوقع لا يتجاوز أياماً، وسرعان ما قد يصبح ساعات". 

وأضاف نديمي أن الطواقم "تعيش تحت ضغط نفسي خانق. إذ يعتمد كامل المجهود الحربي للنظام الإيراني عليهم".

بدوره، قال ماورو جيلي، الأستاذ بكلية "هيرتي" في برلين: "إذا دمرت القاذفات، تصبح الصواريخ الباليستية بلا فائدة". وهذا يعني أن الأسبوع الماضي كان بالنسبة لأطقم تشغيل هذه القاذفات أشبه بـ"لعبة اختباء ومطاردة قاتلة". 

ورأى أوزي روبين، المدير السابق لبرنامج الدفاع الصاروخي الإسرائيلي أن العاملين هناك " في أمان كبير داخل هذه المواقع، فهم تحت عشرات الأقدام من الصخور الصلبة". 

وقال سام لير، الباحث في مركز "جيمس مارتن" لدراسات عدم الانتشار: "هناك فترات طويلة من الملل العميق حين تجلس في كهف... ثم تأتي لحظات من ضغط هائل عندما يُطلب منك مغادرة الكهف وتجهيز صاروخك". 

ويُعد أفراد أطقم الصواريخ الباليستية من أكثر العناصر التزاماً أيديولوجياً داخل الحرس الثوري الإيراني، إذ يعملون انطلاقاً من مخابئ جبلية تُعرف في إيران باسم "مدن الصواريخ"، وهي شبكات كهفية من الأنفاق تمتد عميقاً تحت الأرض. 

وقبل مغادرة قواعدهم، يراجع الجنود قائمة إجراءات ما قبل الإطلاق، وهي عملية يمكن إنجازها خلال ساعة واحدة فقط. 

ويُعتقد أن الطاقم يتكون من 5 إلى 10 جنود يقومون بتحميل صاروخ يزن مئات الكيلوجرامات على منصات الإطلاق، ثم إدخال كميات هائلة من البيانات لضمان وصول المقذوف بدقة إلى هدفه. 

وتشمل هذه البيانات كل شيء، من المعلومات الجوية وبيانات الملاحة إلى تفاصيل تتعلق بشكل الأرض ودورانها. 

ومنذ أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة هجومهما على إيران في 28 فبراير الماضي، ركزتا بشكل مكثف على تدمير القاذفات التي تمكن قوات طهران من ضرب أهداف تبعد حتى ألفي كيلومتر.  

"كل ثانية لها ثمن"

وتدربت الأطقم الإيرانية على تجهيز الصواريخ ورفعها وإطلاقها بأسرع وقت ممكن، وقد لا يتجاوز زمن الاستعداد للإطلاق 10 دقائق فقط في موقع إطلاق جرى إعداده والتدرب عليه مسبقاً. 

ومن المفترض أن تكون هذه المواقع مستقرة وموجهة نحو الهدف المطلوب.

 لكن مع المراقبة الدقيقة من جانب الإسرائيليين والأميركيين، يرجح محللون أن الطواقم تُجبر على نصب القاذفات على جوانب الطرق أو في الحقول، ما قد يضيف نحو 30 دقيقة إلى عملية الإطلاق الواحدة، بينما يتسابق الجنود لتثبيت الشاحنة باستخدام أذرع هيدروليكية وإجراء حسابات إضافية. 

وقال ماركوس شيلر، مهندس الطيران والفضاء الذي يدرس علوم الصواريخ في جامعة الجيش الألماني (البوندسفير)، إن بعض الأطقم قد تلجأ في أسوأ السيناريوهات إلى وسائل تقليدية لحساب إحداثياتها. 

 وسيتعين عليهم إعادة حساب الإحداثيات الأساسية بسرعة، إذا أصبح موقع الإطلاق المخطط له خطيراً للغاية أثناء توجه الطاقم إليه. 

ويجري التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على نطاق واسع في إيران، لذلك "ستحتاج (الأطقم) إلى خرائط جيدة جداً"، بحسب شيلر. 

وأضاف: "قد يلجأون حتى إلى تحديد مواقعهم بالنظر إلى النجوم أو باستخدام السدس(أداة ملاحية قديمة تُستخدم في الملاحة البحرية لتحديد الموقع عبر قياس زاوية الأجرام السماوية بالنسبة للأفق)". وفي الولايات المتحدة، يتلقى ضباط المدفعية والبحرية تدريبات على استخدام أدوات تعتمد على النجوم كوسيلة ملاحة لا يمكن التشويش عليها. 

وبمجرد أن يبتعد الطاقم الإيراني مسافة عن القاذف ويضغط زر الإطلاق، يبدأ عد تنازلي يتراوح بين 15 و20 ثانية قبل انطلاق الصاروخ، وفقاً لروبين. 

 ومنذ تلك اللحظة، حتى لو تمكن الطاقم والقاذف من البقاء غير مكتشفين حتى ذلك الحين، فإن غطاءهم ينكشف، فأعمدة الحرارة والبصمات الحرارية بالأشعة تحت الحمراء تتصاعد من موقع الإطلاق، وتلتقطها بسرعة الأقمار الصناعية التي تراقب إيران. 

وبعد ذلك، ترسل هذه المركبات الفضائية الإحداثيات إلى الطائرات المُسيرة الهجومية والمقاتلات الإسرائيلية والأميركية التي تحلق فوق إيران، أو إلى فرق الصواريخ الأميركية. 

 وعلى الأرض، يبدأ سباق مع الزمن لتفكيك القاذف، الذي قد يصل طوله إلى 20 متراً، وإخفائه بعيداً عن أعين البحث الإسرائيلية والأميركية. 

 وتقول إسرائيل إنها دمرت أكثر من 300 قاذف خلال الصراع، فيما يرجح محللون أن إيران قد تمتلك ما بين 100 و200 قاذف متبقٍ، رغم عدم وجود رقم موثوق معروف لإجمالي القاذفات المثبتة على شاحنات التي تحتفظ بها. 

ترسانة متنوعة 

وتمتلك إيران أكبر ترسانة من الصواريخ الباليستية وأكثرها تنوعاً في الشرق الأوسط. ويُعد صاروخ "شهاب-3" متوسط المدى ومشتقاته الأطول مدى، "قدر" و"عماد"، العمود الفقري لهذه الترسانة. ومعظم هذه الصواريخ لا يمكن إطلاقها إلا من قاذفاتها المتخصصة. 

 ومن شبه المؤكد أن الهجمات على القاذفات أسهمت في تباطؤ وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية. وقالت الولايات المتحدة إن عمليات الإطلاق تراجعت بنحو 90% خلال الأيام الأربعة الأولى من الصراع. 

 وتبدو موازين لعبة المطاردة هذه "مائلة ضد إيران". وهذه مشكلة ستجد طهران صعوبة في حلها، بحسب "فاينانشيال تايمز".

وقامت العقيدة العسكرية الإيرانية منذ فترة طويلة على حرمان خصومها من التفوق الجوي. لكن ثغرات هذا النهج ظهرت بوضوح عندما دمرت إسرائيل الدفاعات الإيرانية حول العديد من المواقع تحت الأرض خلال حرب استمرت 12 يوماً في يونيو 2025. 

وحاولت إيران تعديل نهجها عبر توزيع بعض القاذفات في الأرياف وإخفائها داخل الحظائر وبين الأحراش وتحت الجسور، لكن هذه الاستراتيجية لها حدود، إذ يتعين تزويد القاذفات بالذخيرة عبر شاحنات تتحرك ذهاباً وإياباً بين القواعد ومخازن الصواريخ الأصغر، ما قد يكشف مواقعها. 

وتُظهر مقاطع فيديو نشرتها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيرانيون على الأرض أن قاذفات مخفية جرى رصدها وتدميرها، كما تُستهدف قواعد الصواريخ بغارات جوية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى حبس أفرادها وصواريخها تحت الأرض.

وفي حين تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من تدمير بعض مداخل القواعد، تشير دلائل إلى أنهما تحاولان دفع أطقم الصواريخ إلى مسارات محددة عبر تقليص عدد المداخل، ما يسمح بإبقائها تحت المراقبة.  

وقد يكون من الممكن لإيران تجميع مركبات بناء مدنية وتحويلها إلى قاذفات بدائية مؤقتة، وهو نهج سبقت إليه كوريا الشمالية عبر تحويل شاحنات لقطع الأخشاب، لكن ربما يكون الأوان قد فات.

تصنيفات

قصص قد تهمك