
جدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب دفاعه عن خيار توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، معتبراً أن طهران كانت تقترب من امتلاك سلاح نووي، في تقدير يظل محل جدل بين الأوساط السياسية والاستخباراتية.
كما أرجع ترمب سبب اتخاذه ذلك القرار إلى أن إيران، على حد قوله، كانت ستستخدم سلاحها النووي - إذا امتلكته - أولاً ضد إسرائيل ثم ضد الولايات المتحدة، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".
والاثنين، قال الرئيس الأميركي: "كانوا (إيران) سيستخدمونه (السلاح النووي) خلال ساعة واحدة أو يوم واحد".
واعتبرت "نيويورك تايمز" أن الاستماع إلى ترمب في الأيام الأخيرة أشبه بالاستماع إلى رئيس يدرس ما إذا كان سيأمر بتنفيذ أكبر مهمة على الإطلاق ضد إيران، والتي تتمثل في الاستيلاء على المواد النووية شبه الصالحة لصنع قنبلة أو تدميرها، والتي يُعتقد أنها مخزّنة إلى حد كبير في أعماق جبل في أصفهان، وهي خطوة - إن نُفذت - قد تمثّل واحدة من أعقد العمليات العسكرية في التاريخ الأميركي الحديث، نظراً لما تحمله من مخاطر تقنية وإشعاعية وتداعيات إقليمية واسعة.
وأضافت الصحيفة أن لا أحد يعرف على وجه اليقين مكان جميع هذه المواد، وإذا تعرّضت الحاويات التي تحتفظ بها للثقب، فإن الغاز المتسرب سيكون "ساماً ومشعاً" في آن واحد. وإذا اقتربت الحاويات من بعضها بشكل كبير، فهناك خطر حدوث تفاعل نووي متسارع.
وكما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل أسابيع أمام الكونجرس، فإن هذه العملية لا يمكن إنجازها إلا إذا أُرسلت قوة كوماندوز "للدخول والاستيلاء عليها". لكن ترمب قال للصحافيين، الثلاثاء، إن العمليات البرية لا تثير قلقه، مضيفاً: "أنا حقاً لا أخشى ذلك... لا أخشى أي شيء".
ويبدو أن ترمب يدرس هذه العملية بجدية، بعدما قال قبل أسابيع إنه لن يقدم عليها إلا إذا كان الجيش الإيراني "مُنهكاً إلى حد لا يمكنه القتال على الأرض". لكنه رد بحدة، الاثنين، على سؤال أحد الصحافيين بشأن ما إذا كان مستعداً الآن، قائلاً: "إذا أجاب أي رئيس على مثل هذه الأسئلة، فلا ينبغي أن يكون رئيساً".
غير أن ترمب نفسه يواصل التساؤل علناً بشأن كيفية إنهاء الحرب قبل حل المشكلة الأساسية، حسبما ذكرت "نيويورك تايمز".
مخزون إيران من الوقود النووي
ويرى الخبير النووي في جامعة هارفارد ماثيو بان أنه إذا توقف ترمب الآن، فإنه "سيترك نظاماً ضعيفاً لكنه حاقد، وربما أكثر تصميماً من أي وقت مضى على تصنيع قنبلة نووية، ولا يزال يمتلك المواد وجزءاً كبيراً من المعرفة والمعدات اللازمة لذلك".
وهكذا، يبدو أن رئيساً لم يُمهد كثيراً الرأي العام الأميركي للهجوم على إيران، بات يطلق تحذيرات يومية تحسباً لاحتمال اتخاذ قرار بالسيطرة على مخزون إيران الهائل من الوقود النووي، بحسب "نيويورك تايمز".
ومع تكرار حديثه عن التهديد النووي، يبالغ ترمب في تقدير سرعة تحويل المواد المخزنة تحت الأرض إلى سلاح، إذ قال للصحافيين في المكتب البيضاوي، الثلاثاء، إن إيران كانت "على بُعد شهر واحد" من القدرة على إنتاج سلاح نووي قبل أن يقصف ثلاثة مواقع نووية في يونيو 2025.
لكن خبراء قالوا إنه رغم إمكانية تخصيب هذه المواد إلى مستوى يصلح لصنع قنبلة خلال شهر، فإن تصنيع سلاح بدائي كان سيستغرق أشهراً، وربما عاماً كاملاً.
وفي الواقع، قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير بهجوم أميركي إسرائيلي مشترك، كان معظم مسؤولي الاستخبارات يرون أن خطر اندفاع إيران نحو القنبلة "ليس وشيكاً".
وتأكد ذلك، الثلاثاء، مع استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، الذي قال في رسالة استقالته إن "إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة".
وكانت الأقمار الاصطناعية الأميركية وأدوات جمع المعلومات الاستخباراتية الأخرى تراقب مواقع التخزين النووي الرئيسية في إيران، مؤكدة قدرتها على رصد أي مؤشرات تدل على محاولة الإيرانيين استعادة الوقود من الأنفاق العميقة والتسارع نحو إنتاج قنبلة.
لكن الوضع تغيّر الآن، فبعد 18 يوماً من القصف الأميركي والإسرائيلي، الذي دمر جزءاً كبيراً من قدرات إيران الصاروخية التقليدية، أصبح هذا المخزون النووي أحد خطوط الدفاع الأخيرة لدى طهران.
وقال الباحث البارز في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي جورج بيركوفيتش: "من وجهة نظرهم، هم بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى... وربما كانوا مستعدين لحمايته".
وأضاف بيركوفيتش، مؤلف كتاب "كيفية تقييم التهديدات النووية في القرن الـ21"، أنه استناداً إلى مستوى التخطيط الذي أظهره الإيرانيون في ردهم على الهجوم الأميركي الإسرائيلي، ينبغي للولايات المتحدة أن تفترض أنهم أعدوا خططاً مماثلة لحماية مواقع تخزين الوقود النووي.
وتابع: "يدرك الإيرانيون أن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان تدمير هذه المواد أو إخراجها... ومن المرجح وجود عدد كبير من الحاويات الوهمية، بحيث عندما تصل القوات الخاصة، لن تجد نحو 20 حاوية فقط، بل مئات أو آلاف. سيفعلون الكثير لتعقيد مهمة أي جهة تحاول الوصول إليها".
وقد خططت الولايات المتحدة لمثل هذه العمليات منذ سنوات، منذ أن أنشأت وحدات خاصة مدربة على التعامل مع المواد النووية، قادرة على تعطيل الأسلحة وتفجير أجهزة الطرد المركزي والتعامل مع المواد المشعة، وفق "نيويورك تايمز".
وتحيط السرية بهذه العمليات، بحيث تبقى حتى الأسئلة الأساسية، مثل ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدمر الحاويات أو تحاول إخراجها سراً من البلاد، بلا إجابات واضحة.
وبالمثل، ليس من الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنفذ عملية محدودة وسرية على غرار عملية اغتيال زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، أم أن ترمب سيأمر بحشد عسكري واسع مع قوات حماية ودعم جوي. ومن المرجح أيضاً أن تضطر الولايات المتحدة إلى تفتيش عدة مواقع مختلفة بحثاً عن هذه المواد.
وقال بان: "رغم وجود جزء كبير منها في أصفهان، يجب أن نفترض أن ليس كل شيء هناك". وأضاف أن بعض المواد قد يكون في أنفاق بموقع يُعرف بشكل غير رسمي باسم "جبل الفأس"، فيما قد يكون جزء آخر في منشآت التخصيب المدمرة في فوردو ونطنز.
وقد يدفع تعقيد هذه العملية إدارة ترمب إلى إعادة النظر في مقترح طرحه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الشهر الماضي، قبل أيام من الهجوم.
وقال عراقجي إن إيران مستعدة لخفض مستوى تخصيب جميع المواد النووية التي تمتلكها إلى المستوى المستخدم في المفاعلات النووية، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها ترفض إخراج هذه المواد من البلاد، على أن تبقى داخل إيران وتحت الرقابة.
غير أن المفاوضين الأميركيين، مبعوث ترمب الخاص ستيف ويتكوف، وصهر ترمب جاريد كوشنر، رفضا هذا الطرح، مؤكدين أنه لا يمكن السماح لإيران بالاحتفاظ بمخزونات من الوقود النووي تحت أي ظرف.
واقترحا بديلاً يتمثل في أن تزود الولايات المتحدة إيران باليورانيوم منخفض التخصيب، المستخدم في المفاعلات الكهربائية، بشكل دائم ومجاني، بحسب مصدرين مطلعين على المفاوضات.
لكن عراقجي رفض هذا المقترح. وكان هناك حديث عن عقْد اجتماع آخر، إلا أن الهجوم الأميركي الإسرائيلي في 28 فبراير حال دون ذلك.
ورغم أن جميع الحروب تنتهي في نهاية المطاف، فإن أي مفاوضات مستقبلية لوقف إطلاق النار قد تفتح الباب مجدداً للتفاوض بشأن مصير المواد النووية، وقد يكون منْح الولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى هذه المواد، وربما إخراجها أو خفض مستوى تخصيبها، جزءاً من أي اتفاق. لكن حتى الآن، لا توجد مؤشرات على وجود مسار تفاوضي نشط للخروج من الأزمة، وفقاً لـ"نيويورك تايمز".








