
تحول مفاعل نطنز النووي خلال السنوات الماضية إلى أحد أهم المواقع الاستراتيجية في إيران، باعتباره مركز تخصيب اليورانيوم، وهي العملية التي تمثل المرحلة الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني.
وعاد المفاعل إلى الواجهة بعدما ذكرت وكالة "تسنيم" الإيرانية للأنباء أن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا هجوماً على منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم صباح السبت، في حين أفادت هيئة البث الإسرائيلية، نقلاً عن مصادر، بأن الضربة نفذها الجيش الأميركي.
وأضافت الوكالة الإيرانية أنه لم تحدث أي تسريبات إشعاعية، وأن السكان القريبين من الموقع ليسوا في خطر.
ماذا نعرف عن مفاعل نطنز؟
تعود بدايات مفاعل نطنز إلى المراحل الأولى من سعي إيران لبناء بنية تحتية نووية متكاملة، لكن المنشأة لم تُكشف للعالم إلا في عام 2002، عندما أعلنت جماعة المعارضة الإيرانية في الخارج "مجاهدي خلق" خلال مؤتمر صحافي عن وجودها.
وأثار هذا الكشف قلقاً دولياً واسعاً، ودفع إيران إلى الاعتراف الرسمي بالمنشأة وفتحها أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2003. وجاء ظهور المنشأة في وقت كانت إيران تُصعد طموحاتها في تخصيب اليورانيوم، وهي العملية التي تقع في صميم الاستخدامات السلمية والعسكرية للطاقة النووية.
وتقع المنشأة قرب مدينة نطنز بمحافظة أصفهان، في منطقة نائية توفر قدراً من الحماية الطبيعية والسرّية التشغيلية. وتُغطي المنشأة مساحة إجمالية تُقدّر بحوالي 7 كيلومترات مربعة، فيما تمتد المنشأة الرئيسية لتخصيب الوقود على مساحة تقارب 100 ألف متر مربع.
ويعد مفاعل نطنز أكبر منشأة لتخصيب اليورانيوم في إيران، ويضم قاعات كبيرة تحت الأرض تحتوي على آلاف أجهزة الطرد المركزي، وفقاً لمعهد العلوم والأمن الدولي، وهو مركز أبحاث أميركي متخصص في مراقبة البرامج النووية.
وبحسب تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد ركّبت إيران خلال السنوات الأخيرة أجهزة طرد مركزي متطورة في نطنز، مثل أجهزة IR-6، وهي أجهزة قادرة على تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر من الأجهزة القديمة، ما يقلص ما يُعرف بـ"زمن الاختراق النووي"، وهو الوقت اللازم لإنتاج مواد انشطارية تكفي لصنع سلاح نووي.
وتشير تقارير الوكالة الذرية إلى أن إيران رفعت مستويات تخصيب اليورانيوم في السنوات الأخيرة إلى مستويات تقترب من درجة الاستخدام العسكري، وهو ما جعل نطنز في قلب الأزمة النووية بين إيران والولايات المتحدة والدول الغربية.
البرنامج النووي الإيراني
وذكرت وكالة "أسوشييتد برس" أن إيران قامت بتوسيع نطنز وبناء منشآت جديدة تحت الأرض وفي عمق الجبال، بعد سلسلة هجمات وعمليات تخريب استهدفت الموقع خلال السنوات الماضية، في محاولة لحماية برنامج التخصيب من الضربات الجوية.
وتعرضت المنشأة لعدة هجمات وحوادث، من بينها انفجار عام 2020 استهدف منشأة تجميع أجهزة الطرد المركزي، وأدى إلى أضرار كبيرة في البرنامج النووي الإيراني، في هجوم نُسب إلى إسرائيل، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
كما أسقطت الولايات المتحدة أكثر من 10 قنابل خارقة للتحصينات على منشأتي فوردو ونطنز النوويتين تحت الأرض في يونيو 2025، خلال حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران.
وتعرضت المنشأة كذلك، في عام 2010 لهجوم سيبراني باستخدام فيروس "ستوكسنت"، الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي وأدى إلى تعطيل عدد كبير منها، في واحدة من أشهر العمليات السيبرانية في تاريخ الصراعات الدولية.
وفي أبريل 2021، تعرضت المنشأة لقطع مفاجئ في الكهرباء، مما أدى إلى إتلاف العديد من أجهزة الطرد، وأشارت التقارير مجدداً إلى تورط "الموساد" الإسرائيلي، مع احتمال وجود اختراق داخلي.
ويرى خبراء في مراكز أبحاث أميركية أن أهمية نطنز لا تكمن فقط في عدد أجهزة الطرد المركزي، بل في أنها تمثل البنية التحتية الأساسية لبرنامج التخصيب، ما يعني أن أي ضرر كبير يلحق بها يمكن أن يؤخر البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير، وفقاً لمعهد العلوم والأمن الدولي.
لكن وسائل إعلام أميركية تشير إلى أن تدمير منشأة نطنز لن يؤدي إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني، لأن إيران تمتلك منشآت أخرى مثل منشأة فوردو، التي تقع داخل جبل، وتُعد أكثر تحصيناً ضد الضربات الجوية، بحسب وكالة "رويترز".
ويرى خبراء أن استهداف منشآت التخصيب مثل نطنز يهدف عادة إلى إبطاء البرنامج النووي وليس تدميره، لأن المعرفة والبنية التحتية النووية موزعة على عدة مواقع داخل إيران، وهو ما يجعل القضاء على البرنامج بالكامل أمراً صعباً، بحسب تقارير مراكز أبحاث أميركية.
وتُعد مسألة تخصيب اليورانيوم النقطة الأساسية في الخلاف بين إيران والغرب، إذ تقول الولايات المتحدة إن إيران يمكن أن تستخدم التخصيب لإنتاج سلاح نووي، بينما تقول إيران إن برنامجها مخصص لإنتاج الطاقة والأغراض السلمية.
وذكر خبراء أن منشأة نطنز أصبحت خلال السنوات الماضية أحد أهم المواقع الاستراتيجية في الشرق الأوسط، لأنها تمثل قلب برنامج التخصيب الإيراني، ما يجعلها هدفاً رئيسياً في أي مواجهة عسكرية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، بحسب "رويترز".










