
قبل 30 يوماً من الآن، كان العالم يستعد لخفض الفائدة وزيادة استثمارات الذكاء الاصطناعي مع وجود فائض كبير محتمل من النفط والغاز، لكن بمجرد دخول الحرب من الباب خرج كل ذلك من النافذة.
فالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الأخرى خلفت تأثيرات اقتصادية هائلة في أسواق الطاقة والمعادن النفيسة والأصول الرقمية والأسمدة والأغذية والنقل والشحن والتأمين وتشعبت آثارها إلى قطاعات الأسهم والبنوك والأسلحة وغيرها لكن بدرجات متفاوتة.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز الحيوي لصادرات الطاقة واستهداف البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز في الخليج بشكل متكرر، تقدّر مؤسسة "ماكنزي" أن إصلاح ما أفسدته الحرب في قطاع الطاقة وحده سيحتاج إلى أكثر من عام.. هذا لو انتهت الحرب غداً.
من هذا المنطلق، نرصد في هذا الموضوع أبرز الفائزين والخاسرين على المستوى الاقتصادي منذ بداية حرب إيران وحتى الآن، كالآتي:
الفائزون
منتجو النفط والغاز خارج دول الخليج
هم الرابح الأكثر وضوحاً حتى الآن. فبحسب "رويترز"، تُعتبر الشركات التي تبيع النفط والغاز خارج المنطقة عند أسعار أعلى من دون أن تتحمل تكاليف الإغلاقات، أو تعطل الشحن، أو إصلاح الأصول المتضررة في الخليج، الأكثر استفادة من الشهر الأول للحرب، بعدما تعرض منافسوها في المنطقة لضربات وسط الصراع.
ووصفت منصة "أويل برايس" الربع الأول المنتظر لشركات النفط الكبرى بأنه قد يكون "استثنائياً" من حيث الأرباح، ولا سيما شركات النفط الأميركية. ورفع 6 محللين في بنك "جيه بي مورغان" متوسط تقديراتهم لربحية سهم "شيفرون" في الربع الأول بنحو 40% خلال شهر، بينما رفع ثلاثة محللين متوسط تقديراتهم لأرباح "شل" الصافية بنحو 15%.
لكن هذه المكاسب "تعني تحسن التدفقات النقدية أكثر من معناها زيادة فورية في الإنتاج"، لأن شركات النفط الصخري الأميركية قالت إن سعر 100 دولار للبرميل لن يدفعها إلى زيادة الحفر بقوة ما لم يستمر الارتفاع أكثر من ربع سنة، وبعضها تحدث عن أفق 6 إلى 12 شهراً قبل تغيير خطط الإنتاج فعلياً، بحسب ما نقلته صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وخلال الشهر الجاري لامس خام برنت المرجعي العالمي أعلى مستوى له في 4 سنوات عند أقل بقليل من 120 دولاراً للبرميل، وتُداول معظم هذا الشهر فوق 100 دولار للبرميل، فيما يحوم سعره اليوم حول 112 دولاراً.
وعلى صعيد الغاز، قفزت الأسعار الأوروبية بأكثر من 35% في يوم واحد عقب استهداف منشآت الطاقة، كما تضاعفت تقريباً مقارنة بمستويات أواخر فبراير. وفي المقابل، ساهم توقف جزئي في الإنتاج بعد استهداف منشآت حيوية مثل حقل رأس لفان في قطر -أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم- وحقل بارس في إيران في تعميق اختلال الإمدادات العالمية.
الدولار.. واليوان أيضاً لكن بشكل مختلف
إذا كانت هناك عملة ربحت الحرب بوضوح حتى الآن من الحري فهي الدولار، إذ ارتفع مؤشر بلومبرغ الفوري للعملة الأميركية إلى 100.36 نقطة في 15 مارس الماضي، مسجلاً أعلى مستوى له في 10 أشهر، كما يقترب من تسجيل أفضل أداء شهري منذ يوليو 2025 وفق بلومبرغ، مدفوعاً بتدفقات الملاذ الآمن وإعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية، واحتياج المستثمرين للسيولة بشكل خاص.
أما اليوان، فكانت قصته مختلفة، فرغم أن الحرب أوقفت موجة صعوده الممتدة منذ 11 شهراً، ففي 25 مارس صعد الدولار إلى 6.922 يوان في السوق الخارجية، لكن استفادة العملة الصينية جاءت من توسع دوره النسبي في إدارة المخاطر والتجارة العابرة للحدود لا من مكسب سوقي مماثل لمنافسه الأخضر، خاصة بعدما أعلنت طهران عن تحصيل رسوم لعبور مضيق هرمز باستخدام اليوان الصيني.
وكتب محللو مصرف "دويتشة بنك" الألماني في مذكرة هذا الشهر، أن حرب إيران تضع مكانة الدولار الأميركي كعملة أساسية لتجارة النفط العالمية على المحك بينما تعزز فرص صعود "البترويوان"، وسط احتمال بأن تدفع تداعياتها طويلة الأمد نحو توسيع استخدام العملة الصينية بصورة أكبر خلال السنوات القليلة المقبلة.
شركات الشحن والتأمين العالمية
القطاع لم يربح بالتساوي، لكن تسعير المخاطر فيه قفز بصورة حادة. فأقساط تأمين مخاطر الحرب على هيكل السفن ارتفعت من نحو 0.25% من قيمة السفينة إلى ما يصل إلى 3% للرحلة الواحدة، أي زيادة تتجاوز 1000% في بعض الحالات، وفق تقرير لوكالة "رويترز".
أما شركات الملاحة نفسها -ورغم قفزة أجور الناقلات بنسبة 712% في الفترة منذ 6 يناير حتى 16 مارس الجاري- لم تكن كلها رابحة؛ إذ قالت شركة "هاباغ-لويد" العالمية للشحن إن الحرب تضيف عليها تكاليف أسبوعية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار من الوقود والتأمين والتخزين.
كما قالت شركة "ميرسك" إنها اضطرت لفرض "رسوم مخاطر حرب" تصل إلى 1500 دولار لكل حاوية، وسط عملية تقييم للعمليات في المنطقة وإعادة جدولة شاملة للشحنات.. المزيد في الفيديو التالي:
أي أن الرابح هنا ليس “النقل البحري” كقطاع تشغيلي، بل سوق التأمين الحربي، ووسطاء المخاطر، وبعض ملاك الناقلات، ومنصات التداول المرتبطة بالتحوط.
التسليح والذكاء الاصطناعي العسكري
ظهر الاعتماد بشكل واضح على أنظمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العسكري في هذه الحرب، وهو ما دفع الشركات المرتبطة باستخدام تقنيات ذات استخدامات عسكرية لقفزات كبيرة منذ بداية الحرب، على غرار شركة "لوكهيد مارتن"، أكبر متعاقد دفاعي في العالم من حيث الإيرادات، التي صعدت أسهمها لمستوى قياسي جديد في أول أيام الحرب، إذ أغلق سهمها عند 676,70 دولار بعد ارتفاع تجاوز 4%. وتشكل مقاتلاتها من طراز "إف-35" والذخائر الذكية وأنظمة الرادار التي تنتجها العمود الفقري للحملة الجوية الجارية فوق إيران.
وامتد الزخم إلى مجمل قطاع الدفاع، فقفزت أسهم "نورثروب غرومان" منذ بداية الشهر الجاري بنسبة 6% مدفوعة بتقنيات القاذفات الشبحية والدفاع الصاروخي، وحققت "آر تي إكس" (المعروفة سابقاً باسم "رايثيون") مكاسب تقارب 5%، وسجلت كل من "إل 3 هاريس تكنولوجيز" و"جنرال دايناميكس" زيادات قوية كذلك.
كما ارتفع سهم "بالانتير تكنولوجيز"، التي تدعم أدوات تحليل البيانات لديها عمليات الاستخبارات في وزارة الدفاع الأميركية، بنحو 6%، ووصفت الشركة حرب إيران بأنها أول صراع موسع مدعوم فعلياً بالذكاء الاصطناعي. وفي 25 مارس أبرم "البنتاغون" اتفاقات إطارية مع 3 شركات للتقنيات الدفاعية هي "بي إيه إي سيستمز" (BAE Systems) و"لوكهيد مارتن" (Lockheed Martin) و"هاني ويل" (Honeywell) لزيادة إنتاج أنظمة ومخزونات دفاعية، مما أدى إلى قفزة بأكثر من 5% في أسهمها جميعاً.
كما حصلت شركة "شيلد إيه آي" (Shield AI) على تمويل جديد بقيمة ملياري دولار رفع تقييمها إلى 12.7 مليار دولار، مستفيدة من الطلب المتزايد على الأنظمة الذاتية والبرمجيات القتالية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
وفي المنطقة العربية، من المتوقع أيضاً أن تزداد عمليات استيراد السلاح في ظل ما تعانيه دول الخليج من هجمات، وخلال العام الماضي كانت السعودية أكبر مستورد للأسلحة حول العالم، بحصة تفوق 9%.
ويشير محللون تحدثوا إلى "رويترز" إلى أن "موازنات الدفاع"، المقررة أصلاً للزيادة في عام 2026، باتت تواجه عقبات أقل في واشنطن والعواصم الأوروبية ودول عالمية وعربية أخرى لإقرارها، ما يعني أن مكاسب هذه الشركات قد تتواصل لفترة أطول بكثير كلما طال أمد الحرب في إيران.
الأصول الرقمية.. ربح مختلط
الربح هنا أيضاً كان وظيفياً وهيكلياً أكثر منه ربحاً سعرياً خالصاً. فبحسب بلومبرغ، ارتفع سعر عملة بتكوين منذ 28 فبراير إلى 73949 دولاراً بحلول 17 مارس، لكنها تقهقرت بالأمس إلى نطاق 65 ألف دولار بعد انتهاء عقود خيارات بقيمة 14 مليار دولار، ولا تزال العملة المشفرة الكبرى منخفضة بنحو 18% منذ بداية السنة، وشهدت أخواتها من العملات المشفرة الأصغر أداءً مشابهاً أيضاً.
لكن ورغم ذلك الهبوط، يمكن القول إن الحرب خدمت العملات المشفرة خدمة كبيرة، بعدما أظهرتها كقناة أموال سريعة في البيئات المضطربة. وتم إجراء معاملات بقيمة 10.3 مليون دولار من منصات العملات المشفرة الإيرانية في أول 3 أيام فقط من الحرب بعد الضربات الأولى، فيما قُدّر حجم معاملات الكريبتو في إيران خلال 2025 بين 8 و11 مليار دولار بحسب "رويترز". وتفوقت بتكوين على الذهب نفسه من حيث الأداء في الحرب، مع احتياج المستثمرين لسيولة سهلة النقل.
مع ذلك لا يعني هذا أن الأصول الرقمية الخطرة تحولت إلى “ملاذ آمن” بالمفهوم التقليدي وسط الحرب، لكنها كانت من أكبر المستفيدين من التقلب، والتحويلات العابرة للرقابة، والمضاربة على الأحداث السياسية.
الخاسرون
مصدرو النفط والغاز داخل الخليج
تعرضت العديد من منشآت النفط والغاز في المنطقة لهجمات، فيما أدت الحرب إلى توقف شبه كامل لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من إمدادات الغاز والنفط الخام العالمية، مما تسبب فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر تعطل لإمدادات النفط على الإطلاق.
وقدّرت دراسة صادرة عن مؤسسة "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy) تكلفة إعادة إعمار وإصلاح منشآت الطاقة المتضررة جراء الحرب في الشرق الأوسط بنحو 25 مليار دولار على الأقل، مع توقعات بارتفاعها لاحقاً، حيث تعرضت عدة منشآت للطاقة في المنطقة لضربات مباشرة خلال الحرب، كما تبين الخريطة التالية:
ولفتت الدراسة إلى أن الصراع تسبب في اضطرابات حادة بإمدادات النفط والغاز عالمياً، بعد أضرار وإغلاقات طالت منشآت رئيسية تشمل وحدات الغاز الطبيعي المسال ومصافي التكرير، ومحطات الوقود.
وقد يحتاج إعادة هذه المنشآت لمستويات إنتاجها قبل الحرب لعدة أشهر، مع تركيز الإنفاق على أعمال الهندسة والإنشاء أولاً، تليها المعدات والمواد، في محاولة لإعادة الإمدادات إلى طبيعتها.
مع ذلك، هناك دولة واحدة في المنطقة تستفيد من الوضع الحالي وهي إيران، حيث تحتكر تدفقات النفط والغاز التي تعبر مضيق هرمز، وتجني طهران مكاسب مزدوجة من تحركات الأسعار منذ بدء الحرب؛ إذ يُباع خامها الرئيسي للعملاء، ومعظمهم في الصين، بأضيق خصم في أكثر من 10 أشهر مقارنةً بخام برنت، في حين تجاوز سعر الخام القياسي العالمي نفسه مستوى 100 دولار للبرميل منذ بدء القصف.
وحسب التقديرات، ظلت صادرات إيران قريبة من مستويات ما قبل الحرب عند نحو 1.6 مليون برميل يومياً خلال هذا الشهر. وتجني نحو 139 مليون دولار يومياً منذ بداية مارس حتى الآن من مبيعات خامها الرئيسي، وفق بلومبرغ.
شركات التأمين الخليجية.. حتى الآن
رغم استفادة شركات التأمين العالمية من ارتفاع أقساط التأمين تبدو نظيراتها الخليجية في مأزق، بسبب المطالبات والتعويضات التي قد تنشأ عن الحرب.
وتوقعت مؤسسة "إس آند بي غلوبال ريتينغز" تباطؤ نمو إيرادات شركات التأمين في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام الجاري، ليبلغ نحو 5% فقط بالسعودية والإمارات، بينما قد يكون أضعف في بقية الأسواق الخليجية الأخرى، بعدما حقق القطاع نمواً قوياً في الإيرادات برقم من خانتين خلال السنوات الماضية.
وشهدت أسهم شركات التأمين في السعودية والإمارات ميلاً واضحاً نحو التراجع منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، مع تفاوت في نسب الهبوط. ففي السوق السعودية، تراجع سهم “التعاونية” من نحو 138.5 ريال في 26 فبراير إلى حوالي 128.4 ريال بنهاية مارس، أي انخفاض يقارب 7.3%. كما انخفض سهم “بوبا العربية” من 177.6 ريال إلى نحو 174 ريالاً خلال الفترة نفسها، بخسارة تقارب 2% . وفي الاتجاه ذاته، تعكس بيانات السوق أداءً أضعف لشركات أخرى في القطاع مثل "ميدغلف" و"ولاء"، حيث سجلت تراجعات تقارب 7% و10% على التوالي خلال الشهر الأول من الحرب، بحسب منصة "إنفستنج".
أما في الإمارات، فجاء الأداء أكثر سلبية، إذ هبط سهم "أبوظبي الوطنية للتأمين" (ADNIC) بنحو 14% خلال الفترة نفسها، في واحد من أكبر الانخفاضات داخل القطاع.
رغم ذلك، ذكرت "إس آند بي جلوبال" في تقريرها أنه لا يزال من المبكر جداً تقييم التأثير المالي الكامل للحرب في الشرق الأوسط على قطاع التأمين في منطقة الخليج، حيث إن الوضع يتطور بسرعة ومدة الحرب غير مؤكدة، ولم يتم تسعير الأثر الإيجابي الكامل لارتفاع أقساط التأمين حتى الآن.
الذهب والمعادن النفيسة
كان الذهب وزملاؤه من حزمة المعادن النفيسة من أكثر البنود التي خالفت التوقعات في الشهر الأول من حرب إيران. فبدلاً من أن تحل هذه المعادن في القائمة أعلاه بين أبرز الفائزين، بوصفها الملاذ الآمن المفضل عادة للمستثمرين، هبط الذهب بنحو 4% في الأيام الأربعة الأولى بعد الضربات الأولى وأكثر من 15% في الفترة بين 28 فبراير و16 مارس مع صعود الدولار. وكان الأداء مشابهاً في المعادن النفيسة الأخرى مثل الفضة والبلاديوم والتيتانيوم، التي أُصيبت هي الأخرى بهبوط جماعي.
كما عانت المعادن النفيسة من "التسييل الاضطراري للمراكز المزدحمة" فيها، حيث أدى الإقبال القياسي السابق للحرب عليها إلى هروب عدد كبير منها بعدها، وأظهرت بيانات شركة "بلاك روك" أن 83 مليار دولار من أصل 100 مليار دولار تدفقت إلى منتجات السلع في 2025 ذهبت إلى الذهب، مع 15.5 مليار دولار إضافية في يناير وحده، ما جعل الذهب متخماً استثمارياً قبل الحرب.
كما أدى توقف بعض البنوك المركزية عن شراء مزيد من الذهب أو بيع جزء من حيازاتها خلال الحرب إلى زيادة الضغوط، وكان أبرز تحرك من البنك المركزي التركي، الذي باع واستبدل نحو 60 طناً من الذهب بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار، خلال أسبوعين بعد بدء الحرب، ما أضاف ضغوطاً هبوطية على أسعار المعدن النفيس. وقال بارت ملك، المحلل في مؤسسة "آرغوس" (Argus) لـ"الشرق" إن وقف شراء البنوك المركزية يبدو مؤقتاً، لكنه توقع أن تستأنف الشراء لاحقاً بوتيرة أقل من السنوات الماضية، وإن ظلت عند مستويات مرتفعة تاريخياً. المزيد من توقعات ملك للذهب في الفيديو التالي:
الأسواق الناشئة.. ضربة ثلاثية
وجهت الحرب ضربة ثلاثية للأسواق الناشئة، خاصة تلك المعتمدة على الاستيراد، حيث تتجه أسهمها وعملاتها نحو تسجيل أكبر خسارة شهرية لها منذ ذروة جائحة كورونا في عام 2020، وفق بلومبرغ، كما تخلى المستثمرون عن جزء كبير من أصولها وسنداتها في ظل ارتفاع الدولار وحالة عدم اليقين المحيطة بالحرب.
وتراجع مؤشر "إم إس سي آي" لعملات الأسواق الناشئة بنحو 1.4% في أول أسبوع فقط من الحرب، بينما هبط المؤشر المقارن لأسهم الأسواق الناشئة بأكثر من 6%، وبات كلاهما على مسار تسجيل أسوأ أداء شهري منذ مارس 2020.
ومن المتوقع أن تتشدد السياسات النقدية في هذه الدول لكبح التضخم الناتج عن الحرب، وقال إيلي ريمولونا جونيور، محافظ بنك الفلبين المركزي، في مقابلة مع تلفزيون "بلومبرغ"، إن تجاوز أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل قد يدفع البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية، في حال تجاوز التضخم النطاق المستهدف رسمياً.
وفي هذا السياق، كانت مصر من أكثر الدول تأثراً بتداعيات الحرب، مع انخفاض سعر الجنيه المصري بأكبر نسبة عالمياً أمام الدولار بنسبة تفوق 8%، ويناهز سعره في البنوك اليوم 52.66 جنيه للدولار، كما غير صندوق النقد الدولي توقعاته للبلاد، ورهن صرف باقي القرض الممنوح للبلاد بتنفيذ سياسات إصلاحية وسط تداعيات الحرب.
السياحة والسفر
يُعدّ القطاع واحداً من الأكثر والأسرع تضرراً من تداعيات الحرب، حيث بدأ الطلب على الرحلات السياحية يتراجع بالفعل تحت وطأة حالة عدم اليقين المرتبطة بحرب إيران، وفق بلومبرغ.
وانخفضت حجوزات الصيف من أوروبا إلى الولايات المتحدة بنحو 15% مقارنة بالعام الماضي، فيما تراجعت الحركة في الاتجاه المعاكس بنسبة 11%، بحسب بيانات شركة "سيريوم". كما تراجعت الحجوزات من آسيا إلى أوروبا بنسبة 4.4%، بما يشمل الرحلات التي تمر عبر الشرق الأوسط.
كما ارتفعت أسعار تذاكر الطيران في بعض الخطوط حتى 560% نتيجة زيادة أسعار الوقود، بحسب الوكالة.
ويتوقع براين تيري، المدير الإداري لدى مؤسسة "ألتون أفييشن كونسلتنسي"، أن تستمر أسعار تذاكر الطيران المرتفعة حتى في حال انتهاء النزاع.
وأضاف في حديثه مع "بلومبرغ" أن "انتقال أي انخفاض في الأسعار عبر سلسلة إمدادات وقود الطائرات قد يستغرق ما يصل إلى ثلاثة أشهر".
وتابع: "ما نشهده ليس صدمة سعرية مؤقتة. فحتى مع انحسار الاضطراب المباشر، ستؤدي المسارات الأطول، وضيق السعة التشغيلية، وارتفاع تكاليف الوقود، إلى استمرار الضغوط الصعودية على أسعار تذاكر الطيران لفترة طويلة".
السلع الفاخرة والكماليات
تراجعت أسهم كبرى شركات السلع الفاخرة بنسبة 15% أو أكثر منذ اندلاع الحرب مع إيران، في وقت يحذر فيه محللون من احتمال انخفاض المبيعات في سوق الشرق الأوسط الهامة للقطاع إلى النصف.
وانخفضت أسهم شركتي "إل في إم إتش" و"هيرميس" بنحو 16% و20% على التوالي خلال هذا الشهر، مقارنة بتراجع أقل من 6% لمؤشر "إس آند بي 500".
كما هبطت أسهم "فيراري" بنحو 15%، وأعلنت الشركة تعليق تسليم سياراتها إلى الشرق الأوسط مؤقتاً. كذلك أوقفت شركات السيارات الفاخرة مثل "بنتلي" و"مازيراتي" عمليات التسليم بسبب المخاطر الأمنية والتحديات اللوجستية، وفق "رويترز".
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "بنتلي"، فرانك-شتيفن فاليسر، خلال مكالمة مع المستثمرين: "في الوقت الحالي، لا نواجه تأثيراً من ناحية الإنتاج، لكن من المؤكد أن الناس في الشرق الأوسط لديهم أولويات أخرى غير التفكير في شراء سيارة (بنتلي) جديدة".
وبالنسبة للمستثمرين وشركات السلع الفاخرة، كشفت الحرب مع إيران عن الأهمية المتزايدة للشرق الأوسط في صناعة الرفاهية العالمية واقتصاد أصحاب الثروات العالية. ورغم أن المنطقة لا تزال تمثل حصة صغيرة نسبياً من إجمالي المبيعات العالمية، فإن نموها أصبح عاملاً حاسماً للقطاع.
فقد كانت المنطقة الأسرع نمواً في سوق السلع الفاخرة عالميًا العام الماضي، مسجلة نمواً يتراوح بين 6% و8%، مقارنة بنمو شبه ثابت عالمياً، ووفقاً لمحلل القطاع في شركة "بيرنستين"، لوكا سولكا، الذي تحدث إلى "رويترز" تمثل منطقة الشرق الأوسط حالياً نحو 6% من إجمالي المبيعات العالمية، مع إمكانية منافسة اليابان التي تستحوذ على نحو 9%.
الصناعة
القطاع الصناعي خسر عبر 3 قنوات: الطاقة، والخامات، والتمويل. ففي منطقة اليورو هبط مؤشر مديري المشتريات المركب إلى 50.5 في مارس من 51.9 في فبراير، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر. وفي الولايات المتحدة تراجع المؤشر بمقدار 0.5 نقطة إلى 51.4 نقطة، ويوضح الجدول التالي حجم التراجع في أبرز الدول المتأثرة بتداعيات الحرب خارج المنطقة وأسباب هذا التراجع التي ذكرتها البيانات الرسمية لكل دولة.
ولم يقتصر الضرر على أوروبا وأميركا فقط، ففي آسيا أيضاً، أعلنت كوريا الجنوبية إعفاءات ضريبية أكبر على الوقود، ورفعت تشغيل المحطات النووية فوق 80%، وفرضت قيوداً على صادرات النافتا لمدة 5 أشهر لحماية صناعاتها وسط الحرب.
الزراعة
الزراعة أيضاً ربما تكون من أكبر الخاسرين إذا استمرت الحرب بضعة أسابيع إضافية، لأن صدمة الأسمدة والديزل بدأت بالفعل.
ونقلت "رويترز" عن منظمة "الفاو" العالمية أن مضيق هرمز يحمل نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية، فيما حذر "بنك أوف أميركا" من أن الحرب تهدد 65% إلى 70% من الإمدادات العالمية من اليوريا، وأن الأسعار ارتفعت بالفعل 30% إلى 40%.
وحتى في الدول البعيدة تماماً عن الصراع العسكري مثل كينيا، ارتفعت تكلفة الأسمدة بنحو 40%. وفي ميانمار، تجاوز سعر الديزل في السوق السوداء ثلاثة أمثال السعر الرسمي، وفق الوكالة، ويتكرر المشهد في عدة دول أخرى ما يبرز تفشي تداعيات الصراع على سوق الأسمدة وسط نقص الغاز الطبيعي الأساسي لتصنيعها.
ويعني استمرار الحرب لأكثر من شهر "أزمات كبيرة" لم تظهر بالكامل بعد في الزراعة والغلال والإنتاجية، بحسب "الفاو".
أكبر خاسر.. وأكبر فائز
بعيداً عن الخسائر المباشرة للدول المشتركة في الحرب أو التي تعرضت لضربات في الخليج على هامش الصراع، يمكن القول إن أكبر خاسر فعلي حالياً هو المستهلك العالمي، الذي ارتفعت أسعار معظم السلع والبضائع عليه، خاصة في الدول المعتمدة على الاستيراد، بعدما رفعت الحرب أسعار أنواع الوقود المختلفة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات حتى 200 دولاراً للبرميل في بعض الأنواع. وداخل الولايات المتحدة نفسها تجاوز غالون البنزين السعر الحرج البالغ 5 دولارات، بينما كانت نيجيريا أكثر دولة حول العالم من حيث زيادة الأسعار بنسبة تفوق 58%.
أما أقرب فائز واضح من هذه الحرب، فهي روسيا، التي خففت الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على نفطها، وزادت مبيعاتها من الطاقة لعدة دول وسط وجود أزمات أو الوصول للسعة القصوى لدى الدول التي تنافسها في القطاع، مما عزز نفوذ موسكو بشكل واضح مقارنة بما قبل الحرب.
ونتيجة لذلك، لم تعد الحكومة الروسية تخطط لأي تخفيضات كبيرة في الإنفاق ضمن الموازنة الاتحادية، وقد تزيد حتى من الإنفاق الدفاعي خلال العام المقبل، بحسب بلومبرغ. ويمثل ذلك تحولاً حاداً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل شهر واحد فقط، عندما كانت الحكومة تدرس خفض توقعات النمو إلى نسبة تتراوح بين 0.7% و1% مع تراجع الإيرادات بسبب العقوبات الأكثر صرامة على خلفية غزو أوكرانيا وانخفاض أسعار النفط.
ختاماً، قد تكشف الحرب عن مزيد من الفائزين والخاسرين كلما طال أمد الصراع، ويتوقع الآن على نطاق واسع دخول القوات البرية الأميركية إلى إيران، وهو ما قد يمثل خطوة تصعيدية -غير مسبوقة وغير محسوبة العواقب في الوقت نفسه- قد تقلب موازين وتوقعات الأسواق والعالم بأسره خلال الأيام المقبلة.








