
يضع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) مستقبل التحالف العسكري الأكبر في العالم أمام "اختبار غير مسبوق"، في وقت تبرز فيه تحديات متصاعدة من روسيا، وتداعيات الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
وتوج ترمب، الأربعاء، الانتقادات الأميركية المتزايدة لحلف "الناتو" بإشارة إلى أنه يفكر جدياً في الانسحاب من الحلف. وجاءت تعليقاته بعدما انتقد وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يُنظر إليه عادة على أنه المدافع عن الحلف الأطلسي في واشنطن، "الناتو"، بسبب رد فعله "المخيب للآمال للغاية" تجاه حرب إيران.
وفي حين أن هذا الخطاب ليس جديداً، إذ دأب ترمب ومؤيدوه منذ فترة، على انتقاد حلفاء "الناتو" ووصفهم بأنهم "مستغلون لا يساعدون الولايات المتحدة"، إلا أن غضب الرئيس الأميركي الأخير يشكل خطراً أكبر على الحلف مع تفاقم حربه في إيران وبحثه عن أشخاص يلقي عليهم باللوم، وفق تصريحات لـ"بلومبرغ" نقلاً عن مسؤولين مطلعين على المناقشات الدائرة بين الحلفاء.
قلق أوروبي
ويثير التهديد الأميركي مخاوف أوروبية من تغيّر ميزان الردع في القارة، في ظل اعتماد أمني كبير على الولايات المتحدة، بينما بدأت دول أوروبية بالفعل البحث عن بدائل لتعزيز ما تسميه "الاستقلال الاستراتيجي" دفاعياً.
قالت مصادر أوروبية لـ"بلومبرغ" إن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا يشككون في أن ترمب سينفذ تهديداته، لكنهم يخشون في الوقت نفسه أن تؤدي إلى إضعاف التحالف العسكري "في وقت حساس".
وقال مسؤولون للوكالة إن تهديدات الانسحاب من الحلف تزيد الضغوط على العلاقات عبر الأطلسي، وتكشف الانقسامات داخل الحلف، في وقت تحاول فيه أوروبا مواصلة دعم أوكرانيا ومواجهة روسيا.
ولفتت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن هذا قد لا يطمئن الحلفاء القلقين، الذين بذلوا جهوداً دبلوماسية كبيرة في السنوات الأخيرة لتجنب إغضاب الرئيس الأميركي. ورفض ممثل لحلف "الناتو" التعليق، الأربعاء، على تهديد ترمب، الذي أطلقه في مقابلة مع صحيفة "التليجراف" البريطانية.
وتُعد الولايات المتحدة أكبر عضو في "الناتو"، كما تمتلك أقوى جيش بين الدول الـ32 الأعضاء. وينتشر ما لا يقل عن 70 ألف جندي أميركي في أوروبا حالياً في إطار مهام الردع ضد روسيا وخصوم آخرين، فيما تشكل الترسانة النووية الأميركية مظلة أمنية قوية للقارة.
"الاستقلال الاستراتيجي"
ومنذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025، سعى بعض الحلفاء إلى تقليل اعتمادهم على الدعم العسكري الأميركي. وتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حاجة أوروبا إلى "الاستقلال الاستراتيجي" في الدفاع، كما عبّر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي عن مواقف مماثلة.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن هذه التوجهات تعززت في يناير، عندما هدد الرئيس الأميركي بالسيطرة على جزيرة جرينلاند، وهي جزيرة تابعة للدنمارك العضو في "الناتو"، كما تعززت أيضاً بسبب الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.
وقال ستيفان كورنيليوس، المتحدث باسم المستشار الألماني فريدريش ميرز، للصحافيين في برلين، الأربعاء: "مثل هذه الدوامات من الغضب لا تساعد الناتو".
وذكر وزير الخارجية الإستوني مارجوس تساهكنا، في بيان: "إن التلميحات بالانسحاب من حلف الناتو أو حتى التفكير في مثل هذه الخطوة أمر ضار، حتى لو لم يتم تنفيذها".
وقال وزير الدفاع البولندي فلاديسلاف كوسينياك كاميش، الأربعاء: "آمل أن تأتي لحظة من الهدوء وسط المشاعر التي تحيط بالرئيس الأميركي اليوم.. ولماذا؟ لأنه لا يوجد حلف ناتو بدون الولايات المتحدة، ومن مصلحتنا أن يحل هذا الهدوء".
كيف ينسحب ترمب من "الناتو"؟
الانسحاب الفعلي للولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي ليس بهذه السهولة، إذ لا يستطيع الرئيس الأميركي سحب بلاده من الحلف دون موافقة الكونجرس، بحسب "نيويورك تايمز" التي أشارت إلى أنه حتى إذا صوّت الكونجرس على ذلك، وهو أمر غير مرجح في ظل الدعم القوي من الحزبين للحلف، فإن الانسحاب الرسمي سيستغرق عاماً كاملاً وفقاً لقواعد الحلف.
وذكر دبلوماسيون أوروبيون ومسؤولون في الحلف أن تشريعات حديثة تمنع الرئيس الأميركي من الانسحاب من الحلف دون موافقة الكونجرس أو دعم ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، كما أن قوانين أخرى تجعل من الصعب سحب أعداد كبيرة من القوات أو أنظمة الأسلحة من أوروبا، بحسب "بلومبرغ".
وقال حلفاء أوروبيون إن هذه القيود تجعل من غير المرجح أن ينسحب ترمب من الحلف بشكل أحادي، لكن المخاوف تتمثل في أن تبقى الولايات المتحدة داخل الحلف مع رفض الالتزام بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك أو عدم تمديد المظلة النووية الأميركية لحلفاء الحلف.










