
أمر قاضي تحقيق جزائري، الخميس، بإيداع المدير التنفيذي السابق لشركة "سوناطراك" الجزائرية للطاقة المملوكة للدولة عبد المؤمن ولد قدور في الحبس الاحتياطي، بعد يوم واحد من قيام السلطات الإماراتية بتسليمه إلى الجزائر.
وكشفت مصادر مطلعة لـ"الشرق" أنَّ ولد قدور يواجه 3 تهم تتعلق بإبرام صفقات عمومية مخالفة للقانون، وتبديد الأموال العمومية واختلاسها، إضافة إلى سوء استغلال الوظيفة ومنح امتيازات غير مستحقة، على حد وصف هذه المصادر.
وكان رئيس الوزراء الجزائري السابق عبد العزيز جراد أعلن في فبراير الماضي صدور أمر بالقبض الدولي ضد المتسبب في قضية فساد تتعلق بـ"سوناطراك"، دون ذكر اسم المعني، لكن وسائل إعلام محلية ذكرت حينها أنَّ الشخص المقصود هو عبد المومن ولد قدور.
وتقول السلطات الجزائرية إن ولد قدور، الذي عمل رئيساً لـ"سوناطراك" من مارس 2017 إلى أبريل 2019، متهم بعدة قضايا فساد مرتبطة بصفقات وقعتها "سوناطراك" منها شراء مصفاة "أوغوستا" في إيطاليا من شركة "إكسون موبيل" الأميركية في 2018.
صفقة جدلية
في ديسمبر 2018، وخلال رئاسة ولد قدور لعملاق النفط الجزائري، أكملت الشركة الإيطالية "إسو إيتاليانا" التابعة لـ"إكسون موبيل"، عملية بيع مصفاة "أوغوستا" إلى شركة "سوناطراك" مقابل 800 مليون دولار، وتضمنت الصفقة أيضاً 3 محطات وقود في باليرمو ونابولي وأوغستا، بالإضافة إلى خطوط الأنابيب المرتبطة بها.
وقالت "سوناطراك" حينها إن مصفاة أوغوستا، التي تعد أول استحواذ خارجي للشركة قادرة على معالجة زيت الوقود المتبقي من محطة "سكيكدة" الجزائرية، لافتة إلى أن المصفاة سيتم دمجها مباشرة في نظام مصافيها.
لكن الصفقة أثارت الكثير من الجدل، إذ رأى بعض الخبراء أن الشركة الجزائرية قد دفعت مبالغ أكثر مما تستحقه المصفاة. فيما أشار آخرون إلى أن مرافق المصفاة كانت في حالة سيئة وغير مربحة، وأنه سيتعين على "سوناطراك" تخصيص قدر كبير من الموارد المالية لجعل المصفاة متوافقة مع المعايير البيئية المعمول بها في أوروبا.
بين الفساد والتخطيط
وبسبب هذه العيوب، اشتبه البعض في وجود نوع من الاحتيال والفساد في الصفقة. وعزَّز هذا التوجه إطلاق السلطات الجزائرية في يوليو من العام الماضي، تحقيقاً في ظروف عملية الاستحواذ على المصفاة الإيطالية.
في المقابل دافع مسؤولون في "سوناطراك" عن الصفقة، ورأوا أنها تحقق هدفين رئيسين، فهي من ناحية تعفي الشركة من أعباء استيراد ما قيمته ملياري دولار من المنتجات البترولية المكررة، الأمر الذي أصبح غير مستدام من الناحية المالية، خصوصاً مع انخفاض أسعار النفط.
كما أنها، من ناحية أخرى توفر الوقت والمال، إذ من الممكن أن يستغرق بناء مصفاة جديدة ما بين 5 و10 سنوات، بتكلفة قد تصل إلى 5 مليارات دولار على الأقل، في حين أن "أوغوستا" كلَّفت فقط خُمس هذا المبلغ.
من الإصلاح إلى الإقالة
ولد قدور الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، والمقرب من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، كان تولى مسؤولية "سوناطراك" في مارس 2017.
ووفقاً لوكالة "رويترز"، فقد عهد بوتفليقة إلى ولد قدور "مسؤولية إصلاح سوناطراك بعد سنوات شهدت تغييرات متكررة في الإدارة، وفضائح احتيال، ومشكلات بيروقراطية، ما أدى إلى عزوف المستثمرين الأجانب"، على حد تعبير الوكالة.
واعتبرت الوكالة أن ولد قدور تمكن من "تسوية عدد من النزاعات مع شركات النفط الكبرى، وعزز العلاقات مع عدد من الشركات"، لافتة في هذا الصدد إلى تركيزه على صفقات البتروكيماويات لتقليص واردات البلاد من الوقود، وتوقيعه في 2018 اتفاقاً بقيمة 1.5 مليار دولار مع شركة "توتال" الفرنسية لبناء مصنع لـ"البولي بروبلين" في الجزائر.
وبحسب الوكالة، تركزت استراتيجية ولد قدور على تحويل "سوناطراك" إلى شركة متكاملة للطاقة بحلول 2030، ونقلت عن مسؤول نفطي قوله: "تتمثل الاستراتيجية في إظهار أن الجزائر، وهي منتج كبير للنفط، لا تنفق أموالاً ضخمة على استيراد منتجات نفطية”.
لكن سريعاً ما أقيل ولد قدور في 23 أبريل 2019، في زخم الحراك الشعبي الذي أرغم رئيس البلاد السابق، عبد العزيز بوتفليقة، على الاستقالة من منصبه في مطلع الشهر ذاته.
قضايا أخرى
وبعد إقالته بدأت السلطات الجزائرية تحقيقات تتعلق بعمليات استحواذ وصفقات تمت خلال عهده، وهي التحقيقات التي أسفرت أخيراً عن صدور أمر بالقبض الدولي عليه.
وإلى جانب التهم المتعلقة بـ"أوغوستا"، يُلاحق ولد قدور أيضاً في الملف رقم "0031/ 20" المتعلق بشركة "بي. أر .سي"، إذ وجهت له تهم "إبرام صفقات مخالفة للقوانين، اختلاس وتبديد أموال عامة، استفادة غير مشروعة من سلطة ومن إعفاءات ضريبية".
وكانت الإمارات العربية المتحدة، سلَّمت بشكل رسمي، الأربعاء، ولد قدور المطلوب في قضايا فساد.
وبحسب ما ذكر التلفزيون الجزائري الرسمي، فإن الإمارات سلَّمت ولد قدور إلى العدالة الجزائرية، وذلك بعد توقيفه في إمارة دبي في وقت سابق، بناءً على مذكر توقيف دولية صادرة عن "إنتربول".
وفي 17 يونيو الماضي، ذكرت صحيفة "الوطن" الجزائرية أن الإمارات منحت الضوء الأخضر للجزائر من أجل تسليم ولد قدور، وأشارت إلى أنه جرى توقيفه في مطار دبي في 20 مارس الماضي بناءً على مذكرة التوقيف الدولية، ثم جرى إطلاق سراحه بشكل مشروط، ومنعه من مغادرة الإمارات.
تجدر الإشارة إلى أن ولد قدور، الذي يعيش في العاصمة الفرنسية باريس برفقة عائلته، حيث يملك شققاً فاخرة وفق "الوطن"، كان متجهاً خلال توقيفه، إلى سلطنة عمان من أجل المشاركة في مؤتمر بشأن الطاقة.
وترتبط الجزائر والإمارات منذ عام 2007، باتفاق قضائي ينص على ترحيل المطلوبين للقضاء في كلا البلدين.
اقرأ أيضاً:




