"ميداس".. تفاصيل "فضيحة فساد" تهز أوكرانيا

رئيسة لجنة مكافحة الفساد في البرلمان لـ"الشرق": بطء إجراءات القيادة يهدف إلى حماية المتورطين

time reading iconدقائق القراءة - 25
أندريه يرماك المستقيل من منصبة مؤخراً كمدير لمكتب الرئيس الأوكراني خلال الاجتماع الرابع لمستشاري الأمن القومي (NSA) بشأن صيغة السلام لأوكرانيا، في دافوس، سويسرا. 14 يناير 2024 - Reuters
أندريه يرماك المستقيل من منصبة مؤخراً كمدير لمكتب الرئيس الأوكراني خلال الاجتماع الرابع لمستشاري الأمن القومي (NSA) بشأن صيغة السلام لأوكرانيا، في دافوس، سويسرا. 14 يناير 2024 - Reuters
كييف -إيرينا ماتفييشين

يواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي واحدة من أخطر الأزمات السياسية منذ بدء الحرب الروسية على كييف في فبراير 2022، إذ ينشغل الأوكرانيون بـ"فضيحة الفساد" في شركة " إينرجوأتوم" (Energoatom) الحكومية للطاقة النووية، والتي تحمل اسم "ميداس" (Midas).

وتفاجأ الأوكرانيون باتهام عدد من النافذين المقرّبين من الدوائر العليا لصنع القرار في البلاد، بالتكسُب غير المشروع من قطاعات حيوية تمس حياتهم اليومية، ومنها قطاع الطاقة، في وقت تعاني مناطق في البلاد من انقطاعات في التيار الكهربائي، إلى جانب المعاناة المتأتية من الحرب الطاحنة مع روسيا.

وفي سياق التطورات المتعلقة بالقضية، أعلن زيلينسكي، الجمعة، استقالة مدير مكتبه أندريه يرماك، وذلك عقب مداهمة سلطات مكافحة الفساد منزل "يرماك".

وقال زيلينسكي في فيديو مصور بثه عبر قناته على "تليجرام": "عندما ينصب كل الاهتمام على الدبلوماسية والدفاع عن الحرب، نحتاج إلى القوة الداخلية، فهي أساس وحدتنا الخارجية وعلاقاتنا مع العالم، ويجب ألا تصبح القوة الداخلية سبباً للتشتت في أي شيء آخر سوى الدفاع عن أوكرانيا".

وأضاف: "لا أريد لأحد أن يشكك في أوكرانيا، ولهذا اتخذنا خطوات داخلية إضافية.. أولاً، سيكون هناك إعادة هيكلة لمكتب الرئيس"، مضيفاً: "مدير مكتب الرئيس، أندريه يرماك، قد قدم استقالته".

وأعرب زيلينسكي عن امتنانه "لأندريه على ضمان أن موقف أوكرانيا في مسار المفاوضات كان دائماً يُقدَّم تماماً كما يجب"، معتبراً ذلك بأنه "موقف وطني".

وتابع: "لا أريد أن تكون هناك شائعات أو تكهنات.. أما بالنسبة لمدير المكتب الجديد، فسأجري غداً مشاورات مع من يمكن أن يقود هذه المؤسسة".

وكان زيلينسكي أظهر ثقته القوية بـ"يرماك"، عندما كلفه بقيادة الوفد الأوكراني في مفاوضات خطة السلام الأميركية، من أجل وقف الحرب مع روسيا.  

من هو أندريه يرماك؟

  • وُلِد أندريه يرماك في كييف، وبدأ حياته المهنية كمحامٍ قبل أن يؤسس شركة إعلامية، وظل إلى جانب فولوديمير زيلينسكي قبل أن يصبح الأخير رئيساً لأوكرانيا.
  • زيلينسكي كان نجماً تلفزيونياً صاعداً، وكان يرماك شخصية ناشئة في الإعلام الأوكراني.
  • عندما ترشح زيلينسكي للرئاسة في 2019، كان يرماك ضمن فريقه، ولاحقاً رسّخ مكانته في قمة إدارة الرئيس، الذي كان يرافقه في معظم تحركاته.
  • يتميّز يرماك بشخصية قوية، وبقي في موقعه النافذ حتى 28 نوفمبر 2025، على الرغم من التساؤلات بشأن نفوذه الكبير على الرغم من أنه شخصية غير منتخبة. 
  • نجا يرماك من عدة تغييرات حكومية.
  • وكان نقطة الاتصال المركزية بين الرئاسة الأوكرانية وإدارتين أميركيتين متتاليتين (بايدن ثم ترمب).
  • ساعد في تنسيق تبادل الأسرى مع روسيا والمفاوضات من أجل السلام، وشارك في جهود الضغط على شركاء كييف لتوفير الأسلحة، والتمويل، وفرض عقوبات على موسكو.

تفتيش منزل يرماك

وجاءت استقالة يرماك، بعد ساعات من إعلان المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا (NABU)، ومكتب المدعي العام المعني بمكافحة الفساد (SAPO)، عن تفتيش منزل مدير مكتب الرئيس.

وذكر مكتب (NABU)، في بيان، على "تليجرام" أن "إجراءات التحقيق مُصرح بها، وتُجرى في إطار تحقيق جارٍ، وسيتم نشر المزيد من التفاصيل لاحقاً".

وعلق يرماك، البالغ من العمر 54 عاماً، على عمليات التفتيش قائلاً: "اليوم، يقوم (NABU)، و(SAPO) بالفعل بإجراءات قانونية في منزلي"، مؤكداً في منشور له عبر قناته على "تليجرام" أنه "لا توجد أي عقبات أمام المحققين.. لقد أُتيح لهم الوصول الكامل إلى الشقة.. أنا أتعاون بشكل كامل".

وفيما لا يظهر اسم يرماك في أي صيغة رسمية كمتهم، لكن برلمانيين يتهمونه بالوقوف وراء ملاحقة محققي المكتب، قبل تفجّر القضية، وزعم النائب عن حزب "هولوس" المؤيد لأوروبا، ياروسلاف زيليزنياك، بأن يرماك، يظهر في تسجيلات (NABU) بلقب "علي بابا". 

وبحسب زيليزنياك، فقد يكون "علي بابا" قد أصدر أوامر بملاحقة محققي (NABU)، ولعب دوراً في الاقتراب من تفكيك المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا، ومكتب المدعي العام المعني بمكافحة الفساد في يوليو الماضي.

وفي وقت لاحق، ذكرت وسائل إعلام أوكرانية مستقلة، مثل Ukrainska Pravda، أن يرماك وجّه أجهزة إنفاذ القانون لإعداد إخطار بالاشتباه ضد رئيس (SAPO)، أوليكسندر كليمنكو، الذي كان قد أكد سابقًا أن "علي بابا" يكلف المسؤولين بمهام للضغط على مسؤولي مكافحة الفساد.

وبحسب مسؤولين رسميين وبرلمانيين تحدثوا إلى "الشرق"، فإن ما يثير غضب الأوكرانيين أن الفساد المرتبط بهذه القضية طال تأثيره  البنى التحتية المتعلقة بالطاقة، والتي يمر الأوكرانيين مع بداية اشتداد البرد، في أمس الحاجة للتيار الكهربائي من أجل التدفئة والخدمات.

اجتماعات لجنة الفساد  

في اجتماع لجنة السياسة البرلمانية لمكافحة الفساد بالبرلمان الأوكراني في 25 نوفمبر، صرّح رئيس قسم المحققين في المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU)، أوليكسندر أباکوموف، بأن  527 وثيقة تحتوي على بيانات شخصية تتعلق بمحققي المكتب الوطني لمكافحة الفساد، وصحافيين، وسياسيين، ومسؤولين، وضباط أمن،  قد عُثر عليها في ما يُسمّى بـ"المكتب الخلفي" التابع لرجل الأعمال الهارب تيمور ميندتش، شريك زيلينسكي السابق وأحد مالكي شركة (Kvartal 95 Studio )، وهي شركة إنتاج فني، أسسها زيلينسكي في عام 2003 عندما كان ممثلاً كوميدياً. 

أباکوموف كشف عن أن الملفات احتوت على عناوين سكنية، وتفاصيل جوازات السفر، ومعلومات مقيّدة أخرى، تتعلق بالأشخاص الذين كانوا يجرون تحقيقات في ملفات الفساد، أو من الصحافيين الذين كان يقوم بتغطية تطورات قضية ميندتش، وقد تكون جُمعت المعلومات عنهم بمشاركة جهات إنفاذ القانون. 

وكان من بين الشخصيات التي عُثر على بيانات شخصية تتعلق بها، رئيسة لجنة مكافحة الفساد البرلمانية، أنستازيا رادينا، التي انتقدت في تصريحات خاصة لـ"الشرق"، بطء استجابة السلطات الأوكرانية في موضوع الفساد. 

تفاصيل قضية الفساد في أوكرانيا

يستند التحقيق، الذي يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا (NABU) إلى عملية سرية استمرت 15 شهراً تحمل الاسم الرمزي "ميداس"، نسبة إلى ملك في الأساطير اليونانية يحول كل ما يلمسه إلى ذهب، ويتصدر الفضيحة اسم تيمور ميندتش، صديق زيلينسكي القديم وشريكه التجاري السابق. 

يقول المكتب إن مينديتش شكّل مجموعة إجرامية قامت بتحويل ما يقرب من 100 مليون دولار عبر "مكتب خلفي" في كييف، مستغلة هشاشة أوكرانيا في زمن الحرب، بينما كثّفت روسيا هجماتها على البنية التحتية الحيوية، ما فاقم من الأزمة الإنسانية في ظل الشتاء الأوكراني البارد. 

وتشير التحقيقات إلى أنه تم إنشاء، ما يسميه مكتب التحقيقات "المكتب الخلفي"، ليدير نظام لغسيل الأموال من خلال الحصول على عمولات على العقود الحكومية. 

ويفيد تقرير مكتب مكافحة الفساد أن شخصيات بارزة في قطاعي الأعمال والحكومة، حصلت على مبالغ غير قانونية من المتعاقدين مع "إنيرجوأتوم"، حيث وصلت العمولات إلى ما بين 10 و15% من قيمة العقود. 

من هو تيمور مينديتش؟

  • رجل أعمال يبلغ من العمر 46 عاماً، وينحدر من مدينة دنيبرو، وسط أوكرانيا.
  •  وبحسب صحيفة The Kyiv Independent كان يُعد حليفاً مقرباً من الرئيس الأوكراني وله مصالح في صناعات عدة.
  • إلى جانب شراكته مع زيلينسكي في شركة الإنتاج الفني (قبل أن يتنازل عنها عندما انتخب رئيساً)، زاد نفوذ  تيمور مينديتش بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

وبحسب المكتب الوطني لمكافحة الفساد، ومكتب المدعي العام المعني بمكافحة الفساد، فإن المنظمة الإجرامية تضم مسؤولين حاليين وسابقين في قطاع الطاقة، وهم من عرّفهم سياسيون، وجمعيات مدنية، ووسائل إعلام أوكرانية على أنهم إيجور ميرونيوك، وميندتش، بالإضافة إلى آخرين.

وأضاف أن أعضاء المنظمة أسسوا مخطط فساد واسع النطاق للتأثير على عمليات شركات استراتيجية مملوكة للدولة، بما في ذلك شركة (Energoatom)، وتحقيق أرباح غير مشروعة، وغسل الأموال، وأنهم كان يجبرون مقاولي "إنيرجوأتوم" على دفع عمولات لتجنب حجب المدفوعات مقابل الخدمات المقدمة أو المنتجات المُسلّمة، أو لمنع فقدان مكانتهم كموردين.

ولتنفيذ المخطط، أشرك زعيم المخطط نائباً سابقاً لرئيس صندوق ممتلكات الدولة، والذي أصبح لاحقاً مستشاراً لوزير الطاقة، في إشارة إلى إيجور ميرونيوك، بالإضافة إلى ضابط سابق في إنفاذ القانون شغل منصب المدير التنفيذي للحماية المادية والأمن في الشركة.

وقد ضمن هؤلاء، من خلال استخدام علاقاتهم الرسمية داخل الوزارة والشركة المملوكة للدولة، السيطرة على قرارات شؤون الموظفين، وعمليات الشراء، والتدفقات المالية.

وبحسب المكتب الوطني لمكافحة الفساد، فقد أُسندت مهمة تقنين الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة إلى ما يُسمى بالـ"مكتب الخلفي" في وسط كييف، والمخصص للصفقات المشبوهة. 

من خلال هذا المكتب، تم الحفاظ على محاسبة دقيقة للأموال المستلمة، وتنظيم عمليات غسل الأموال عبر شبكة من الشركات غير المقيمة، إذ نُفِّذ جزء كبير من العمليات بما في ذلك عمليات سحب النقود، خارج أوكرانيا، ومقابل تقديم الخدمات لأفراد خارج المنظمة الإجرامية، حصل المكتب على عمولة على شكل نسبة مئوية من المبالغ.

ويصف مراقبون، القضية، بأنها أخطر أزمة سياسية تواجه زيلينسكي، منذ توليه الرئاسة في 2019، بسبب الغضب الداخلي العارم الناجم عن "فضيحة الفساد".

أسماء رمزية للمتهمين 

وأعلن المكتب الوطني لمكافحة الفساد في فيديو مصوّر بثه عبر قناته على يوتيوب، أن التسجيلات التي جرى تسجيلها سراً في شقق ومكاتب في كييف، حيث استخدم المشاركون في شبكة الفساد أسماء رمزية، في وقت ربط سياسيون، وهيئات مكافحة فساد، وتقارير إعلامية الألقاب التي أوردها المكتب، بأسماء المشتبه في تورطهم في القضية.

فمثلا: "كارلسون" يعتقد أنه تيمور ميندتش، رجل الأعمال المُقرّب من زيلينسكي؛ و"تشي جيفارا" لقب محتمل لنائب رئيس الوزراء السابق أولكساندر تشيرنيشوف، و"الأستاذ" لقب وزير العدل المُقال هيرمان هالوشينكو؛ و"روكِت" (أي الصاروخ) للمستشار السابق لوزير الطاقة إيجور ميرونيوك؛ و"تينور" للمدير التنفيذي للأمن في "إنيرجوأتوم"، دميترو باسوف؛ و"شوجرمان" لصديق ميندتش، أولكساندر زوكيرمان؛ و"ريوشيك" للمحاسب الرئيسي للمنظمة الإجرامية، الذي لا يزال اسمه الحقيقي مجهولاً وفقاً لـ(NABU). 

وشملت القضية أيضاً ما يُسمّى بـ"موظفي المكتب الخلفي" لتبييض الأموال: إيجور فورسينكو، وليسيا أوستيمينكو، وليودميلا زورينا، إضافة إلى وزيرة الطاقة سفيتلانا هرينتشوك، التي صوت البرلمان على إقالتها مع وزير العدل في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وبث المكتب الوطني لمكافحة الفساد في الفيديو المصور، جزءاً من التسجيلات لأعضاء في "المكتب الخلفي" يناقشون بناء منشآت الطاقة، وتوزيع عمولات، والتغييرات المحتملة في الكادر بوزارة الطاقة، وشركة "إنيرجوأتوم".

وقال الملقب بـ "تينور"، في 9 يوليو الماضي: "إنهم يخططون لمواصلة بناء هياكل التحصينات لمحطات الطاقة، والأرقام جنونية"، فيما يتحدث محاوره "روكيت" عن زيادة مبالغ العمولات؛ بسبب تغيير محتمل في قيادة وزارة الطاقة وشركة "إنيرجوأتوم".

وبينما كان ملايين الأوكرانيين يعانون من انقطاعات كهرباء متقطعة، ناقش المتورطون في القضية مسألة الضغط على المتعاقدين، والتعريفات المتوقعة، وهياكل التحصينات للمواقع الحيوية للطاقة، وفي أحد المقاطع، يصف "روكِت" تدعيم محطات الطاقة بأنه "إهدار لا معنى له للمال"، مما أثار غضباً شعبياً، وبعد أيام فقط، في 8 نوفمبر، هاجمت طائرات مسيّرة روسية منشآت الطاقة الأوكرانية، ما تسبب في انقطاعات حادة. 

الفرار إلى إسرائيل 

عندما بدأ المكتب الوطني لمكافحة الفساد بتوجيه اتهامات للمشتبه بهم، فر ميندتش من أوكرانيا إلى إسرائيل بصورة غير قانونية، قبل أن تبدأ المداهمات مباشرة، بينما كان زوكيرمان قد هرب قبل ذلك بوقت أطول كونه مُلاحق أيضاً.

وبضغط من تبعات "الفضيحة"، فرض زيلينسكي عقوبات لمدة ثلاث سنوات عليهما، وهي خطوة شكّك فيها علناً حتى أعضاء من حزبه "خادم الشعب".

وقال الصحافي الفرنسي المقيم في أوكرانيا، سِباستيان جوبير، مؤلف كتاب عن "الأوليجارشية الأوكرانية" إن "كل شيء صُمّم ليبدو وكأنه يحلّ المشكلة، وليس جزءاً منها.. لكن الوقت قد فات". 

ويُستخدم مصطلح "الأوليجارشية" عادة لوصف دول تتحكم فيها مجموعة رجال أعمال نافذين أو أنظمة سياسية تُدار من خلف الستار عبر شبكة ضيقة من المسؤولين.

وأضاف جوبير، الخبير في شؤون بلدان منطقة البحر الأسود، أن ما يفعله زيلينسكي الآن "لن يؤدي إلى أي تغيير". 

ومع ظهور التفاصيل تدريجياً، اتضح أن قضية "ميداس" طالت قطاع الدفاع أيضاً، فوفقاً للمكتب الوطني لمكافحة الفساد، حاول مينديش الضغط على وزير الدفاع آنذاك رستم عمروف للموافقة على شراء دروع واقية من شركة مشبوهة، ونفى عمروف تورطه في اختلاسات "إنيرجوأتوم"، وأكد أن شركة مينديتش لم تستوفِ متطلبات الوزارة. 

تورُط بعض المقربين من الرئيس 

أثارت التسجيلات غضباً شعبياً واسع النطاق في الشارع الأوكراني، وهو ردّ متوقع بعد محاولة الحكومة في يوليو تقليص استقلالية المكتب الوطني لمكافحة الفساد، ومكتب المدعي لمكافحة الفساد، وهي المحاولة التي أسقطها الأوكرانيون عبر احتجاجات شملت مختلف أنحاء البلاد. 

وقال رئيس المجلس العام لمكافحة الفساد في وزارة الدفاع يورِي هوديمينكو، في تصريحات خاصة لـ"الشرق" إن الفضيحة "انتهكت العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي نشأ منذ 24 فبراير 2022، والذي كان يقوم على التزام الجميع بعدم انتقاد الحكومة على مدى السنوات الماضية، حتى عندما كانت ترتكب أخطاء؛ في المقابل، مُنحت السلطات شيكاً على بياض في شؤون الحرب والسياسة والدبلوماسية، طالما أنها لا تسرق وتستمع إلى صوت الناس". 

والمجلس العام لمكافحة الفساد التابع لوزارة الدفاع الأوكرانية (PAC)، الذي يرأسه هوديمينكو، هو هيئة استشارية جماعية دائمة تابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، أُنشئت لضمان الرقابة العامة، وتقييم مخاطر الفساد في أنشطة الوزارة. 

"الأوليجارشية" لم تنته بعد

تتضمن التسجيلات أيضاً إشارات إلى اتصال زيلينسكي بـ"هيرمان هالوشينكو"، ويُقال إنه لم يُسجَّل صوته، لكن مجرد ظهور اسمه يعتبره جوبير "أمراً لافتاً"، ونبه من أن "المحققين خاطروا سياسياً بنشر هذه المعلومات وربط اسم زيلينسكي بالتحقيق، وهذا يعني أن هناك شيئاً آخر وراء الأمر". 

كما شكّلت القضية تذكيراً مُرّاً للأوكرانيين بأنه، على الرغم من الإصلاحات التي أعقبت 2014 وحتى في ظل تهديد الحرب الروسية المدمرة، فإن "النظام الأوليجارشي" العميق لا يزال قائماً، فبحسب الخبير الفرنسي، فإن "أمثال مينديتش كُثُر، وبإمكانهم الظهور والازدهار؛ لأن النظام لم يتغير، ولا تزال الجمهورية الأوليجارشية واقعاً قائماً". 

انتقادات من داخل الحزب الحاكم 

كتلة "خادم الشعب"، الحزب الحاكم، لم تكن بمنأى عن تداعيات "الفضيحة"، فقد شهدت خلافاً غير مسبوق؛ عندما صوّت البرلمان على إقالة وزيرة الطاقة، ووزير العدل، لكن أياً منهما لم يتوجّه إلى البرلمان لشرح سبب ظهورهما في التسجيلات.  

وبعد جلسات لجنة التحقيق البرلمانية المؤقتة، التي عُقدت الثلاثاء، في 25 نوفمبر، قالت رئيسة لجنة مكافحة الفساد في البرلمان أناستازيا رادينا لـ"الشرق" إن "الاستجابة البطيئة للنظام تعكس رغبة محدودة في الوصول إلى الحقيقة". 

ولم تستبعد رادينا، وهي من كتلة "خادم الشعب"، أن يكون بطء الاستجابة عبارة عن "محاولات داخل القيادة لـ"حماية أفرادهم الذين يرجَح أنهم شاركوا في مخطط مينديتش"، واعتبرته أمراً "غير مقبول". 

وتعهدت النائبة بأن لجنة مكافحة الفساد تحت قيادتها "ستواصل استدعاء قادة أجهزة إنفاذ القانون إلى أن تُجرى تحقيقات داخلية، ويُحاسَب المتورطون". 

"علي بابا" والأدلة "الملموسة" 

وأكد رئيس المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا، سيمين كريفونوس، في بث إذاعة Radio Svoboda- الخدمة الأوكرانية، وجود شخص في السياسة الأوكرانية يُعرف باللقب الرمزي "علي بابا".

وقال كريفونوس إن الشخص الذي يحمل هذا الاسم الرمزي "يشغل مناصب عليا جداً"، ويتدخل في عمل أجهزة إنفاذ القانون رغم عدم امتلاكه أي سلطة قانونية للقيام بذلك، وهو ما وصفه بأنه أمر يثير القلق العميق.

وتعمّقت الأزمة عندما زعم النائب ياروسلاف زيليزنياك، أن يرماك، يظهر في تسجيلات مكتب مكافحة الفساد (المعروفة باسم "أشرطة مينديتش") تحت الاسم الرمزي "علي بابا".

وفي وقت لاحق، ذكرت صحيفة (Ukrainska Pravda) المستقلة أن يرماك وجّه أجهزة إنفاذ القانون للتحضير لإصدار مذكرة اشتباه بحق رئيس النيابة الخاصة لمكافحة الفساد أولكسندر كليمنكو، الذي كان ادعى سابقاً أن "علي بابا" يوجّه بممارسة ضغوط على مسؤولي مكافحة الفساد. 

وكان يتم تداول شبهات حول نفوذ يرماك في مكتب الرئيس قبل الفضيحة، لكن قضية "ميداس" هي الأولى التي تحتوي على أدلة محتملة ملموسة، ومن جهاز حكومي، ولتزداد الشكوك مع تفتيش مكتبه، وتقديم استقالته في اليوم نفسه من عملية التفتيش.

وادّعى المحقق الرئيسي في المكتب الوطني لمكافحة الفساد، روسلان محمود رسولوف، والذي اعتقله جهاز الأمن الأوكراني بتهمة الارتباط بروسيا، أن ميندتش لم يكن سوى "قيّم" على المخطط، وليس "المستفيد النهائي"، ولا يزال روسلان محتجزاً، وقد وثّق أنشطة مينديتش وكذلك أنشطة نائب رئيس الوزراء السابق المشتبه به في الإثراء غير المشروع.

وطالبت النائبة من الحزب الحاكم، أناستازيا رادينا، في منشور لها عبر صفحتها على "فيسبوك" بالإفراج عن "روسلان الذي وثّق الشخصيات المشاركة في عملية 'ميداس'، ووالده المسن".

وأضافت في منشور بعد إعلان الرئيس الأوكراني، الجمعة، عن استقالة مدير مكتبه: "إن استمرار احتجازهما لن يخدم بأي شكل من الأشكال التحقيقات الجارية قبل المحاكمة".

دفاع زيلينسكي عن يرماك

وكانت منظمات المجتمع المدني وعدة نواب، بمن فيهم أعضاء في حزب زيلينسكي نفسه، دعوا مراراً إلى إقالة يرماك. 

وفي تصريحاتها لـ"الشرق"، شددت رئيسة لجنة مكافحة الفساد في البرلمان، أنستازيا رادينا، على أن "جميع المتورطين في التسجيلات المسرّبة، وفي أنشطة ‘المكاتب الخلفية’، وأي شخص قد يكون وفّر غطاءً سياسياً لهذه المخططات، لا يحق لهم البقاء في مناصبهم أو التأثير في القرارات المصيرية للدولة". 

وأضافت رادينا أن هذا ما يجب أن يحصل "احتراماً للمدافعين الأوكرانيين الذين يخوضون حرباً مميتة، وللعائلات الأوكرانية التي دفعت ثمناً فادحاً من أجل مستقبل أوكرانيا".

خطة السلام الأميركية بشأن أوكرانيا

تعزّز موقف زيلينسكي بشكل غير متوقع بفعل عامل خارجي: العاصفة التي أثارتها خطة السلام الجديدة التي طرحها الرئيس الأميركي، والتي تُعتبر، على نطاق واسع في أوكرانيا، بمثابة استسلام، ما أعاد تركيز الرأي العام على قضية الثبات الوطني. 

وفي الاجتماع الحاسم لكتلة "خادم الشعب" بتاريخ 20 نوفمبر، توقّع النواب أن يتناول زيلينسكي تفاصيل فضيحة الفساد، لكن وفقاً لمصادر صحيفة (Ukrainska Pravda)، فقد ركز الرئيس الأوكراني على الخطة الأميركية المكوّنة من 28 نقطة، وعندما نوقشت قضية الفساد، أوضح أنه لن يُقيل مدير مكتبه. 

وفي خطابه المصوّر، الجمعة، دعا زيلينسكي الأوكرانيين إلى "وقف الألعاب السياسية"، والاتحاد وتذكّر "العدو الحقيقي"، وهي رسالة فسّرها كثيرون على أنها محاولة لإسكات الانتقادات التي لم تؤدِّ إلا إلى زيادة الغضب الشعبي. 

ويتخوّف خبراء وممثلون عن المجتمع المدني في أوكرانيا من أن تُلحق الفضيحة ضرراً بمكانة أوكرانيا الدولية، وبالأخص أن تؤثر على المساعدات الدفاعية الحيوية، في وقت تحشد فيه روسيا كل مواردها لإضعاف الدفاعات الأوكرانية، والسيطرة على مدينة بوكروفسك. 

ويُبدي سِباستيان جوبير تشكيكاً في أن تؤدي الفضيحة إلى دفع شركاء أوكرانيا نحو تغيير منهجي تجاهها، ويستبعد أن يوقفوا مساعداتهم لدولة تدافع عن الأمن الأوروبي، موضحاً أن "الأميركيين خرجوا بالفعل"، من التدخل المباشر في مساعدة كييف، و"الأوروبيون، ببساطة، لا يستطيعون تحمّل التراجع أو وقف تمويل أوكرانيا". 

وفي هذا السياق يتوقع، يورِي هوديمينكو، في تصريحاته لـ"الشرق" أن "يصر الأوروبيين، بهدوء وخلف الأبواب المغلقة، على عدم المساس بالبنية التحتية لمكافحة الفساد، ففضائح الفساد تحدث بانتظام أيضاً في دول الاتحاد الأوروبي، وهم معتادون على التعامل معها". 

ومع ذلك، يحذّر رئيس المجلس العام لمكافحة الفساد في وزارة الدفاع من أن الوضع قد يُستغل من قبل إدارة ترمب للضغط على أوكرانيا لتقديم تنازلات. 

ما الذي يمكن إصلاحه؟

ترى أناستاسيا رادينا أن فضيحة "ميداس" تُظهر أيضاً "قوة هيئات مكافحة الفساد في أوكرانيا"، لكنها تشدّد على ضرورة أن يحمي المسؤولون محققي المكتب الوطني لمكافحة الفساد، ومكتب المدعي العام المعني بمكافحة الفساد من الضغوط، لأنه "من الضروري أن يكونوا قادرين على مواصلة عملهم في هذه القضية، وفي جميع القضايا الأخرى". 

وأوضحت: "لجنة سياسة مكافحة الفساد ستقوم بممارسة الرقابة البرلمانية على أي محاولات للتدخل غير القانوني في أنشطتهم".

كما يرى جوبير أن "نقطة التحوّل الحقيقية ستكون عبر إصلاح عميق للسلطة القضائية، وهو تغيير طال انتظاره، ولم يحاول زيلينسكي تنفيذه بشكل كامل"، لكنه يشكك في وجود إرادة للقيام بذلك لأنهم "هم يسيطرون على النظام بأكمله بفضل الأحكام العرفية، وهذا مريح لهم". 

ولكنه لا يستبعد أن يأتي بعض الضغط من بروكسل، إذ يتوقع "أن يصبح الاتحاد الأوروبي أخيراً أكثر جدية بشأن معايير الانضمام، وأن يدفع القيادة لتنفيذ إصلاحات حقيقية".

ويخمِّن هوديمينكو، بأنه لو استجاب زيلينسكي بشكل حاسم، لكان من الممكن حتى أن يكون للقضية تأثير إيجابي، في المقابل، فإنه إذا "إذا لم يحدث ذلك، فسنرى حالة من الإحباط في جميع فئات المجتمع، والإحباط يقتل الإرادة على المقاومة. والنتائج واضحة"، في إشارة إلى الوضع الحرج على الجبهة مع القوات الروسية. 

ومع ذلك، أثبتت الاحتجاجات الصيفية التي هدفت إلى الدفاع عن المكتب الوطني لمكافحة الفساد مرة أخرى أن المجتمع المدني الأوكراني لا يزال قوة حاسمة حتى خلال الحرب. 

وتعليقاً على ذلك، يرى جوبير أن الأوكرانيين أظهروا "أنهم يحددون مصيرهم بأنفسهم، وأنهم أصحاب قرارهم، محذراً من أنه "إذا وصلت الأمور في مرحلة ما إلى حدٍّ لا يُطاق، وازداد انعدام الثقة بزيلينسكي، فأنا متأكد تماماً أننا سنشعر بذلك"، في إشارة إلى حدوث المزيد من التحركات الشعبية. 

ومع مطالبة نواب البرلمان، وقادة المجتمع المدني بإقالة المتورطين في الفساد، فإن "الفضيحة" تأتي في لحظة حرجة جداً بالنسبة إلى أوكرانيا؛ فروسيا ألحقت أضراراً جسيمة بمنظومة الطاقة الأوكرانية قبيل فصل الشتاء، ما يُفاقم معاناة الأوكرانيين تحت وطأة البرد الشديد، فيما طرحت الولايات المتحدة "خطة سلام" تُلزم أوكرانيا بالتنازل عن أراضٍ وتقليص قواتها المسلحة، وبالتالي، يجد زيلينسكي نفسه تحت اختبار من الخارج، وآخر من الداخل. 

رأس جبل الجليد

ويمتلك المحققون نحو 1000 ساعة من التسجيلات الصوتية، ومع ذلك لم يُكشف سوى جزء صغير منها، وقد أثار ذلك تكهّنات بين النشطاء ومجموعات المجتمع المدني حول ما قد تحتويه المواد التي لم تُنشر بعد.

ويعتقد كثيرون أنّ هناك المزيد من التسريبات، وربما تتضمّن معلومات عن أشخاص إضافيين مرتبطين بالقضية.

تصنيفات

قصص قد تهمك