وسط ضغوط فضائح الفساد.. "الملفات الشائكة" بخطة السلام محور محادثات أميركية أوكرانية جديدة

time reading iconدقائق القراءة - 11
جنود أوكرانيون يطلقون نيران المدفعية تجاه القوات الروسية بمنطقة دونيتسك شرقي أوكرانيا. 23 نوفمبر 2025 - REUTERS
جنود أوكرانيون يطلقون نيران المدفعية تجاه القوات الروسية بمنطقة دونيتسك شرقي أوكرانيا. 23 نوفمبر 2025 - REUTERS
دبي -الشرق

ألقت استقالة أندريه يرماك، مدير مكتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بظلالها على المناقشات الجارية بشأن خطة السلام التي يدفع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بين كييف وموسكو، فيما تتزايد الضغوط على زيلينسكي، من واشنطن للقبول بالصفقة وإنهاء الحرب، وداخلياً بسبب تفاقم فضائح الفساد.

وسيكون يرماك، الذي شغل منصب كبير المفاوضين الأوكرانيين خلال المحادثات السابقة، غائباً عن رحلة الوفد الأوكراني المرتقبة إلى الولايات المتحدة، والتي تهدف إلى إجراء مزيد من المشاورات حول خطة ترمب للسلام في أوكرانيا.

وساعد يرماك في إقناع الولايات المتحدة بحذف بعض البنود التي لا تقبلها بلاده في مقترح خطة السلام، الأسبوع الماضي. وتأتي استقالته، وسط فضيحة فساد متصاعدة، بينما يدفع ترمب أوكرانيا إلى تقديم تنازلات لروسيا لإنهاء ما يقارب أربعة أعوام من القتال، بينما تواجه القوات الأوكرانية نقصاً في الأسلحة والتمويل.

ووفقاً لما نقلته "بلومبرغ" عن مصادر مطلعة، فإن الوفد سيضم وزير الدفاع رستم عمروف، إلى جانب النائب الأول لوزير الخارجية سيرجي كيسليتسيا. ومن المتوقع أن يلتقي الوفد في ولاية فلوريدا مع المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، مستشار ترمب وصهره، لمواصلة النقاش حول ملامح التسوية المقترحة.

ولكن عمروف الذي يقود الوفد التفاوضي، يخضع بدوره للاستجواب في التحقيقات بشأن فضائح الفساد، وفق صحيفة "نيويورك تايمز".

وقدّم المحققون أدلة تشير إلى أن عمروف ضغط لصالح متعهد يبيع سترات واقية للجنود، رغم فشلها في اختبارات الجودة. ونفى عمروف ارتكاب أي مخالفات.

وأصدرت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، إنذاراً نهائياً لكييف بضرورة الموافقة قبل عيد الشكر على شروط خطة ترمب، ولكن هذه المهلة مُددت. وخلال محادثات في جنيف، في مطلع الأسبوع الجاري، تم فصل القضايا الأكثر تعقيداً، تحت ضغط حلفاء كييف الأوروبيين، وإحالة النقاش بشأنها إلى اجتماع ترمب زيلينسكي المرتقب في واشنطن.

وكانت خطة السلام في صياغتها الأولى مؤلفة من 28 بنداً، ونصت على تخلي أوكرانيا عن مساحات إضافية من الأراضي التي فشلت موسكو في السيطرة عليها، بالإضافة إلى تقليص كبير في حجم الجيش الأوكراني.

ويتكوف إلى موسكو

ومن المقرر أن يقود ويتكوف وفداً أميركياً لإجراء محادثات في روسيا، الأسبوع المقبل، ضمن جهود ترمب للتوصل إلى تسوية.

وقال المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، الجمعة، إنه بحلول موعد وصول وفد أميركي إلى موسكو، الأسبوع المقبل، من المتوقع أن تكون لديه معلومات حول النقاط المتفق عليها في خطة السلام الأميركية المقترحة، مشيراً إلى أن موسكو لا تتفاوض بشأن هذه الخطة إلا مع واشنطن.

وأضاف المتحدث باسم الكرملين، أن "موسكو تعمل على أساس أنها تتفاوض بشأن هذه الخطة مع الولايات المتحدة فقط"، مشيراً إلى أن "بلاده تتلقى مقترحات يجري الاتفاق عليها في إطار مناقشات الخطة الأميركية للسلام".

وجرى استبعاد الدول الأوروبية من تفاصيل العديد من جوانب المحادثات، ويتم إشراكها فقط في مناقشات ثنائية عندما يكون تدخلها ضرورياً للغاية في هذه المرحلة، مثل تحديد الضمانات الأمنية الأميركية لكييف.

وقال بيسكوف في تصريحاته، الجمعة، إنه "لا يمكن حالياً أخذ موقف الاتحاد الأوروبي من المفاوضات في الاعتبار، وفي هذه المرحلة نتحدث عن مفاوضات روسيا مع الولايات المتحدة".

وجدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس الماضي، مطالبته بانسحاب الجيش الأوكراني من مناطق في مقاطعة دونيتسك، لم تتمكن موسكو من السيطرة عليها بالقوة، وهو مطلب ترفضه كييف بشكل متكرر.

وأضاف بوتين أن مقترحات ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا يمكن أن تكون أساساً لاتفاقيات مستقبلية، لكن لم يتم التوصل إلى نسخة نهائية بعد. 

واعتبر ترمب، الثلاثاء الماضي، أن هناك "تقدماً هائلاً" في مقترح السلام خلال الأسبوع الماضي.

ورغم إشادة واشنطن بتحقيق تقدم في المحادثات مع أوكرانيا، إلا أن المفاوضات لا تزال تواجه العقبات ذاتها كما في الجولات السابقة، إذ أن ما يُرضي أوكرانيا قد يكون سبباً في رفض روسيا، والعكس صحيح.

ضغوط متزايدة على زيلينسكي

تأتي رحلة الوفد الأوكراني في لحظة حسّاسة، إذ يواجه زيلينسكي ضغوطاً داخلية متزايدة بسبب فضيحة فساد. وقد أُجبر أندريه يرماك، أقرب حلفائه وأكبر مساعديه الذي كان يقود محادثات السلام، على تقديم استقالته، الجمعة.

وجاءت استقالة يرماك بعد مداهمة محققي مكافحة الفساد منزله، فجر الجمعة. وبينما لم تقدّم السلطات تفسيراً للمداهمة، فإنها تتابع تحقيقاً موسّعاً شمل عدداً من الوزراء وأحد الشركاء التجاريين السابقين لزيلينسكي.

وأكد يرماك تعاونه بشكل كامل مع جهات التحقيق، ولم تُوجَّه إليه أي تهم أو ادعاءات بارتكاب مخالفات.

وقال زيلينسكي في مقطع فيديو نُشر على تليجرام: "أنا ممتن لأندريه لأنه كان يمثّل موقف أوكرانيا في مسار التفاوض كما يجب أن يكون دائماً، لقد كان له دائماً موقف وطني، لكنني لا أريد أن تكون هناك شائعات أو تكهنات". وأضاف: "سيكون هناك إعادة هيكلة لمكتب رئيس أوكرانيا".

وكان يرماك ملازماً لزيلينسكي منذ بداية الحرب في فبراير 2022، وعمل الرئيس الأوكراني، لفترة طويلة، على التصدي للانتقادات بشأن النفوذ الكبير لمساعده.

وعرف الرجلان بعضهما منذ نحو عقد، عندما عملا في الإنتاج التلفزيوني، زيلينسكي كممثل كوميدي، ويرماك كمستشار قانوني في مجال الإعلام ومنتج سينمائي بين الحين والآخر.

في البداية، عيَّن زيلينسكي يرماك مساعداً رئاسياً يركز على ملفات السياسة الخارجية، ولعب حينها دوراً محورياً وسرياً في التفاوض حول طلب ترمب في عام 2019 فتح تحقيق في أنشطة هانتر بايدن (نجل الرئيس السابق جو بايدن) داخل أوكرانيا.

وازداد اعتماد زيلينسكي على يرماك تدريجياً، وفي فبراير 2020 أصبح يرماك مدير مكتب الرئاسة، وشخصية نافذة لا تفارق الرئيس.

ووفق "نيويورك تايمز"، فإن يرماك، اشتهر عنه داخل أروقة السياسة الأوكرانية، بأنه رجل "يطيح" بأي مسؤول يخرج عن الخط أو يزداد نفوذاً، فيصبح منافساً محتملاً له أو لزيلينسكي.

وفي تعليقه على هذه الاستقالة، قال المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، الجمعة، إن هذه القضية "أغرقت أوكرانيا في أزمة سياسية خانقة". وأضاف بيسكوف: "في كييف، تجري أحداث تعكس أزمة سياسية عميقة أثارتها فضائح فساد".

توتر داخلي في معسكر زيلينسكي

تُبرز استقالة يرماك التوتر بين الدائرة المقربة من زيلينسكي والهيئات المعنية بمكافحة الفساد، والتي أُنشئت بضغط من داعمي كييف الغربيين.

وهذا الشهر، قال القيادي المعارض في البرلمان الأوكراني، ياروسلاف جيليزنياك، إنه زوّد المحققين بمعلومات، تشير إلى أن يرماك جزء من التحقيق، ودعا إلى إقالته.

وبعد الكشف عن التحقيق، اختفى يرماك عن الأنظار لمدة خمسة أيام تقريباً، في غياب نادر لرجل نافذ كان دائم الحضور. ثم عاد إلى الظهور عندما عيّنه زيلينسكي لقيادة الوفد الأوكراني في محادثات جنيف، بحسب "نيويورك تايمز".

وكان سياسيون معارضون، دعوا إلى إجبار يرماك على الرحيل. كما طالبوا بتصويت لحجب الثقة في البرلمان. وأشار بعض أعضاء حزب "خادم الشعب" الحاكم، إلى أنهم سيصوتون مع المعارضة.

وأكد أعضاء في حزب زيلينسكي، أنهم لن يوافقوا على ميزانية العام المقبل ما لم تتم إقالة يرماك، وفق عضو في الحزب تحدث لـ"نيويورك تايمز".

وفاز زيلينسكي بالرئاسة في عام 2019 بوعد بالقضاء على الفساد الذي عانت منه أوكرانيا لعقود، لكن معارضيه المحليين والحلفاء الدوليين بدأوا يشككون مؤخراً في مدى جدّية مساعي الرئيس الأوكراني لتحقيق هذا الهدف، بحسب "بلومبرغ".

وفي يوليو الماضي، حاول زيلينسكي دون جدوى، السيطرة على المكتب الوطني لمكافحة الفساد، والنيابة المتخصصة لمكافحة الفساد. وقد قوبلت المحاولة بإدانة واسعة، وأشعلت أكبر احتجاجات في أوكرانيا منذ الغزو الروسي.

وردت الوكالات بتحقيق استهدف حلفاء زيلينسكي. حيث تشير نتائج تحقيق استمر 15 شهراً إلى وضع أحد شركائه التجاريين السابقين في قلب مخطط واسع النطاق يهدف إلى اختلاس أموال من شركة طاقة حكومية. وكان من المفترض استخدام هذه الأموال لحماية البنية التحتية للطاقة من الضربات الجوية الروسية.

تيمور مينديتش، الذي ساعد في إدارة شركة الإنتاج التلفزيوني التي أوصلت زيلينسكي إلى الشهرة ككوميدي قبل ترشحه للرئاسة، فرّ إلى إسرائيل يوماً واحداً قبل صدور قرار اعتقاله، بحسب مجلة "بوليتيكو".

وأدّت حملة مكافحة الفساد إلى إقالة وزيرين، ووجهت اتهامات إلى نائب رئيس الوزراء السابق أوليكسي تشيرنيشوفـ، الذي ينفي أي مخالفات.

وتُعد هذه أخطر أزمة سياسية يواجهها زيلينسكي، الذي كان ذات يوم محبوب الغرب لوقوفه في وجه بوتين بعد الغزو الرسوي في فبراير 2022، حين توقع كثيرون أن تنهار المقاومة الأوكرانية خلال أيام قليلة، لكنه رفض مغادرة العاصمة.

مسودة جديدة لخطة السلام

وتوصلت الولايات المتحدة وأوكرانيا في محادثات جنيف، في مطلع الأسبوع الجاري، إلى مسودة جديدة لاتفاق السلام في أوكرانيا تضم 19 بنداً، مع إبقاء القضايا الأكثر حساسية رهن قرار رئيسي البلدين، وسط إشارات روسية وتلميحات بشأن قبول الخطة الأميركية، إذ اعتبرها الرئيس الروسي بوتين "أساساً يمكن البناء عليه من أجل الوصول إلى تسوية نهائية في أوكرانيا".

وبعد ساعات من المحادثات الدقيقة التي كادت أن "تنهار" قبل أن تبدأ، توصّل الوفدان الأميركي والأوكراني إلى تفاهمات بشأن عدد من القضايا، فيما جرى وضع النقاط الخلافية "بين قوسين" منها القضايا الإقليمية والعلاقات بين حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وروسيا، والولايات المتحدة، ليتولّى الرئيسان دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي الحسم فيها.

ملفات شائكة في محادثات أوكرانيا تنتظر حسم ترمب وزيلينسكي

علاقات روسيا وأوكرانيا بحلف الناتو.

الضمانات الأميركية لأوكرانيا في حال تنازل كييف عن طموح الانضمام للناتو.

تنازل كييف عن أراض في شرق أوكرانيا لصالح روسيا وفق خطة السلام.

ولم يكن الجانب الأوكراني، مخولاً باتخاذ قرارات تتعلق بالتنازل عن أراض لصالح روسيا في محادثات جنيف، وهي خطوة تتطلب، بموجب الدستور الأوكراني، إجراء استفتاء شعبي.

تصنيفات

قصص قد تهمك