
تتصاعد التحركات الدبلوماسية بشأن الملف الأوكراني، مع استعداد باريس لاحتضان محادثات دولية تتعلق بمستقبل الحرب مع روسيا، والضمانات الأمنية، بالتوازي مع قرارات لافتة داخل كييف تعكس إعادة ترتيب في أعلى "هرم السلطة".
ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى عقد اجتماع، الثلاثاء، لـ"تحالف الراغبين"، الذي تقوده بريطانيا، وفرنسا ويضم أكثر من 30 دولة.
وقال مسؤول في البيت الأبيض، الاثنين، إن ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس سيمثلان الولايات المتحدة في المحادثات المتعلقة بأوكرانيا في باريس، فيما ذكر مسؤول في قصر الإليزيه لمجلة "بوليتيكو" أن "وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لن يكون هناك لأسباب واضحة"، في إشارة إلى الوضع في فنزويلا.
وستركز محادثات باريس على بنود في مسودة الخطة الأميركية لإنهاء الحرب، وعلى تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، والدور المحتمل الذي يمكن أن يلعبه التحالف، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصدر.
ووفقاً لوكالة "أسوشيتد برس"، تتمحور القضايا الرئيسية كذلك حول ما إذا كانت دول "تحالف الراغبين" مستعدة لنشر قوات داخل أو قرب أوكرانيا، وصلاحيات أي قوة محتملة قد تُكلف بالإشراف على وقف إطلاق النار، في حين أكدت روسيا أنها لن تقبل بوجود قوات من دول حلف شمال الأطلسي على الأراضي الأوكرانية.
وقال المسؤول الفرنسي لـ"بوليتيكو": "سعينا إلى تقريب الأميركيين منا، من دون أن نستسلم لفكرة تخلي الولايات المتحدة عن كييف، وقد نجحنا في هذا المسعى لإعادة التقارب بين أوكرانيا، وأوروبا، وأميركا".
من جانبه، قال متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن "العمل على الضمانات الأمنية لأوكرانيا يشهد تقدماً ضمن إطار (تحالف الراغبين)".
وفي خطابه بمناسبة رأس السنة، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن اتفاق السلام الذي تتوسط فيه الولايات المتحدة "جاهز بنسبة 90%"، محذراً من أن النسبة المتبقية، والتي يُعتقد أنها تشمل قضايا مثل مستقبل الأراضي المتنازع عليها، ستحدد مصير مساعي السلام.
ولم تكشف موسكو عن تفاصيل المفاوضات، إلا أن مسؤولين أعادوا التأكيد على مطالب روسيا، مشددين على أنه لا يمكن التوصل إلى وقف لإطلاق النار قبل الاتفاق على تسوية شاملة.
وتسيطر روسيا حالياً على نحو 75% من منطقة دونيتسك، ونحو 99% من منطقة لوجانسك المجاورة، ويُعرف الإقليمان معاً باسم دونباس، الذي شكل مصيره عقبة رئيسية أمام المفاوضات، في ظل رفض موسكو التنازل عن هدفها بالسيطرة الكاملة عليه.
تغييرات داخلية في أوكرانيا
وقبيل انعقاد الاجتماع، شهدت أوكرانيا تغييرات لافتة في "هرم السلطة" مع إقدام الرئيس الأوكراني على سلسلة قرارات أعادت رسم مواقع قيادية حساسة، في إطار عملية إعادة ترتيب واسعة تطال أجهزة الدولة.
ويعمل زيلينسكي على إعادة هيكلة إدارته مع اقتراب الحرب مع روسيا من دخول عامها الرابع، الشهر المقبل، في وقت يحرص فيه على الحفاظ على زخم محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة، إلى جانب تعزيز تركيز أوكرانيا على الدفاع في حال فشل تلك الجهود، بحسب "أسوشيتد برس".
وأعلن زيلينسكي تعيين نائبة رئيس الوزراء الكندية السابقة كريستيا فريلاند مستشارةً للتنمية الاقتصادية في أوكرانيا، واصفاً إياها بأنها "خبيرة في جذب الاستثمارات وتنفيذ التحولات الاقتصادية".
وشغلت فريلاند، التي تنحدر من أصول أوكرانية، منصب نائبة رئيس وزراء كندا بين عامي 2019 و2024. وهي حالياً نائبة في البرلمان الكندي، كما أنها المبعوثة الخاصة لأوتاوا إلى أوكرانيا.
وتولت فريلاند سابقاً حقائب التجارة الدولية، والخارجية، والمالية، وساهمت في التفاوض على اتفاقات تجارية مع أوروبا والولايات المتحدة.
ويسعى زيلينسكي إلى تعزيز الاقتصاد الأوكراني المتضرر من الحرب، بما في ذلك من خلال مشاريع شراكة مع الولايات المتحدة ودول أخرى. وتتمتع فريلاند، المعروفة بانتقادها الشديد للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بخلفية صحافية.
وفي خضم أكبر عملية إعادة ترتيب في المناصب العليا منذ نحو 6 أشهر، أعلن الفريق أول فاسيل مالييوك، رئيس جهاز الأمن الأوكراني، استقالته عبر الموقع الإلكتروني للجهاز.
ونشر زيلينسكي مرسوماً على الموقع الرئاسي عيّن بموجبه يفهين خمارا، الرئيس السابق لمركز العمليات الخاصة "A" التابع لجهاز الأمن، رئيساً بالإنابة للجهاز.
كما عين الرئيس الأوكراني، الجمعة، رئيس جهاز المخابرات العسكرية كيريلو بودانوف في منصب كبير مستشاريه (مدير مكتب الرئيس)، ليضع بذلك قائداً عسكرياً يتمتع بشعبية في قلب عملية صنع القرار، وأعلن أيضاً تعيين رئيس جهاز المخابرات الخارجية أوليج إيفاشينكو رئيساً جديداً للمخابرات العسكرية خلفاً لبودانوف.
تكتيكات أوكرانية جديدة في الرد على روسيا
كما رشح زيلينسكي، الأسبوع الماضي، ميخائيلو فيدوروف الذي يشغل منصب وزير التحول الرقمي، لتولي منصب وزير الدفاع خلفاً لدينيس شميهال، لكن ما زال يتعين موافقة البرلمان على تعيينه.
وطالب الرئيس الأوكراني، الاثنين، فيدوروف باستخدام التكنولوجيا بفعالية أكبر واعتماد تكتيكات جديدة في الرد على روسيا.
وقال زيلينسكي في منشور على "إكس": "ناقشنا مع فيدوروف أسلوب عمل وزارة الدفاع الأوكرانية.. المبدأ الجوهري هو أن القدرة التكنولوجية لدفاعنا يجب أن تنقذ أرواح مقاتلينا.. تمتلك روسيا ميزة كبيرة واحدة في هذه الحرب، وهي قدرتها على ممارسة الضغط عبر كثافة ضرباتها وهجماتها على أوكرانيا".
وأضاف: "يتعين علينا الرد عبر استخدام أكثر فعالية للتكنولوجيا، وتسريع تطوير أنواع جديدة من الأسلحة، واعتماد تكتيكات جديدة".
وأكد زيلينسكي أن أوكرانيا تلتزم بشكل كامل بالمسار الدبلوماسي وتسعى إلى إنهاء الحرب التي اقتربت من إكمال عامها الرابع، غير أنه ذكر أن روسيا "لا تظهر نهجاً مماثلاً".
وفي سياق متصل، تستعد وزارة الخارجية الأوكرانية لإجراء تغييرات في مناصب قيادية ضمن السلك الدبلوماسي، مع اقتراب طرح ترشيحات جديدة تشمل موقع النائب الأول لوزير الخارجية.
وأفاد الرئيس الأوكراني عبر منصة "إكس" عقب لقاء وزير الخارجية أندريه سيبيها بأنه "بحث مسألة التدوير داخل السلك الدبلوماسي"، مشيراً إلى أن الوزير "سيقدم قريباً المرشحين المعنيين، كما سيتم اختيار مرشح لمنصب النائب الأول لوزير الخارجية، نظراً للحاجة إلى استمرار العمل الفعال لوزارة الخارجية".
وأكد زيلينسكي أنه "ينتظر تقديم مقترحات تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب".










