
بلغ التوتر في الشرق الأوسط، صباح الأربعاء الماضي، ذروته، وسط ترقّب لتنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بشن ضربات على إيران، إذ كانت التوقعات تشير إلى أنه سيأمر بتنفيذ هذا الهجوم، في ثاني استخدام كبير للقوة العسكرية الأميركية خلال أسابيع قليلة، بعد عملية جريئة نفذتها قوة "دلتا" في كاراكاس لاعتقال الرئيس الفنزويل نيكولاس مادورو.
درس ترمب ومستشاروه للأمن القومي، جميع احتمالات توجيه هذه الضربات ضد إيران، لكنهم تراجعوا مع بروز الكلفة المتوقعة، وضغوط حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الداعين إلى ضبط النفس، وفق ما أفادت صحيفة "واشنطن بوست"، نقلاً عن أكثر من عشرة مسؤولين أميركيين وشرق أوسطيين، حاليين وسابقين.
لم يكن ترمب قد أصدر أمراً رسمياً بالضربة ضد إيران، لكن كبار مستشاريه الأمنيين توقعوا أن يمنح التفويض قريباً لأحد الخيارات العسكرية المعروضة عليه، واستعدّوا لليلة طويلة.
أعلن البنتاجون، وصول المدمّرة الصاروخية الموجهة "يو إس إس روزفلت" إلى منطقة الخليج. وتم إبلاغ الحلفاء أن ضربة أميركية "باتت مرجحة"، فيما بدأت السفن والطائرات بالتحرك، حسبما ذكر شخص مطلع.
ونُصح العاملون في قاعدة العديد الجوية الأميركية في قطر، بالإخلاء لتجنب ضربة إيرانية متوقعة.
عرض مقاطع فيديو على ترمب
في المكتب البيضاوي، مساء الثلاثاء، استخدم مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA، جون راتكليف، المعروف بتشدده تجاه إيران، جهاز آيباد مؤمن مخصصاً لإحاطات الرئيس الاستخباراتية، لعرض مقاطع فيديو قيل إنها جمعت سراً وتظهر "عنف قوات الأمن ضد المتظاهرين وجثثاً في الشوارع"، بحسب مسؤول سابق مطلع.
وقد أثّرت صور مؤلمة على ترمب في أزمات سابقة، إذ دفعته صور هجوم كيماوي سوري في عام 2017 إلى الأمر بضربات صاروخية.
وكانت الـCIA مكلّفة بجمع معلومات عن العنف، لكن لم يتضح ما إذا كان راتكليف قد قدّم رأيه بشأن الضربات.
اللحظة الحاسمة
وعد ترمب المتظاهرين الإيرانيين بأن "المساعدة في الطريق"، وشجّعهم في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الثلاثاء، على "السيطرة" على مؤسسات الدولة.
وبينما فهم كثير من المسؤولين الأميركيين والأجانب ذلك على أنه يعني تدخلاً عسكرياً أميركياً، ظل ترمب منفتحاً على تقديم "مساعدة" من نوع آخر، عبر الضغط على إيران لوقف استهداف المتظاهرين.
وجاءت اللحظة الحاسمة، الأربعاء، عندما تلقّى ترمب عبر المبعوث الخاص، ستيف ويتكوف، خبراً يفيد بأن الحكومة الإيرانية ألغت الإعدامات المخططة لـ800 شخص، حسبما أكد مسؤول أميركي رفيع لـ"واشنطن بوست".
وقال ترمب للصحافيين في المكتب البيضاوي: "سنراقب ونرى". والخميس، أكدت الاستخبارات الأميركية، أن الإعدامات لم تُنفّذ، بحسب المسؤول.
هذا التحول السريع في موقف ترمب منتصف الأسبوع، والذي ترك كثيراً من مستشاريه يشعرون بالارتباك، ومعارضين إيرانيين يشعرون بـ"التخلي عنهم"، عكس ضغوطاً داخلية وخارجية مكثفة، وفق ما نقلت الصحيفة عن المسؤولين.
اتصالات البيت الأبيض
قال عدد من المسؤولين، إن ترمب واجه مباشرة عدم قابلية التنبؤ بعواقب زعزعة بلد آخر في الشرق الأوسط، وحدود الآلة العسكرية الأميركية الضخمة.
وبعد نشر مجموعة حاملة طائرات وقوة مرافقة في الكاريبي، خشي مسؤولون في البنتاجون من أن تكون القوة النارية الأميركية في الشرق الأوسط أقل مما يلزم لصدّ ضربة إيرانية مضادّة كبيرة متوقعة.
وقال دبلوماسي عربي رفيع ومسؤول خليجي لـ"واشنطن بوست"، إن حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة، بينهم السعودية وقطر ومصر وعُمان، اتصلوا بالبيت الأبيض لحثّه على "ضبط النفس والدبلوماسية".
وأضاف المسؤول: "الرسالة إلى واشنطن هي تجنّب العمل العسكري. كانت السعودية وقطر وعُمان ومصر على الصفحة نفسها، من حيث أن لذلك تبعات أمنية واقتصادية على المنطقة الأوسع، وستؤثر في نهاية المطاف على الولايات المتحدة".
وشجّع الضغط الدبلوماسي ترمب على التراجع، وفق دبلوماسي سعودي ومسؤولين أوروبيين وشخص مطّلع.
نصائح متضاربة
داخل البيت الأبيض، تلقّى ترمب نصائح متضاربة. فقد أيّد نائب الرئيس جي دي فانس، المعروف بتشككه في التورطات الخارجية، توجيه ضربات لإيران، بحسب مسؤول أميركي وشخص مقرّب من البيت الأبيض.
وبرّر دي فانس ذلك، بأن ترمب رسم "خطاً أحمر" بتحذير إيران من قتل المتظاهرين، وكان عليه إنفاذه. وفي النهاية، وافق فانس على قرار الرئيس بالتريّث، بحسب شخص مطّلع على العملية.
ودعا مستشارون آخرون إلى الحذر، بينهم ويتكوف ورئيسة الموظفين سوزي وايلز، بحسب مسؤول في البيت الأبيض.
وكان ويتكوف قد سمع مباشرة مخاوف الحلفاء العرب وسعى لتجنّب جولة جديدة من العنف المتبادل، وفق مسؤول أميركي رفيع.
ودعا وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى الانتظار وترك العقوبات الاقتصادية تؤتي ثمارها، بحسب شخص آخر.
وكان الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة ومستشاراً موثوقاً لترمب، في البيت الأبيض طوال اليوم، حسبما أفاد شخص مطّلع لـ"واشنطن بوست".
وقدّمت وزارة الحرب ووكالات الاستخبارات، إحاطات بخيارات الهجوم المتاحة. لكن ترمب خلص إلى أن الفائدة غير كافية وأن العواقب كبيرة، وفق شخص مقرّب من الإدارة.
وقال هذا الشخص: "هل كانت الضربة ستؤدي إلى تغيير النظام؟ الجواب واضح: لا. الأثر السلبي لأي هجوم يفوق أي فائدة من حيث معاقبة النظام. وفي النهاية، إنها مسألة كلفة ومنفعة".
رسالة عراقجي وتهديدات طهران
إيران كانت على علم بتحركات الأصول العسكرية الأميركية، ما جعل الضربة تبدو لها وأنها "شيكة". وتواصلت طهران مع إدارة ترمب.
وقال شخص مطلع، إن رسالة نصية من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى ويتكوف "ساهمت أيضاً في تهدئة الوضع".
وبحسب مسؤول أميركي، فإنه بعد وقت قصير من اطلاع ترمب على الرسالة، قال للصحافيين في المكتب البيضاوي، إنه علم بأن عمليات القتل ستتوقف.
وحين مغادرته البيت الأبيض إلى مقر إقامته مارالاجو بفلوريدا، قال ترمب: أحترم كثيراً حقيقة أنهم ألغوا عمليات القتل".
وبحسب عدة مسؤولين، بعثت إيران برسائل لدول المنطقة محذرة من أن ردّها لن يكون "محسوباً" كما كان بعد الهجوم الأميركي على منشآتها النووية في يونيو الماضي، عندما أرسلت إشارات مسبقة ثم أطلقت نحو اثني عشر صاروخاً على قاعدة العديد في قطر.
وكانت هناك مخاوف أيضاً من أن يشنّ وكلاء إيران، بما في ذلك "حزب الله"، هجمات خاصة بهم، ما كان سيشكّل خطراً أكبر في غياب مجموعة حاملة طائرات أميركية في المنطقة.
إسرائيل "غير مستعدة"
شاركت إسرائيل القلق من الهجوم الأميركي المحتمل، و"لم تكن مستعدة" دون حضور بحري أميركي داعم كبير، وأيضاً بعدما استهلكت أعداداً كبيرة من صواريخ الاعتراض ضد صواريخ إيرانية خلال حرب استمرت 12 يوماً في يونيو، حسبما أشار مسؤول أميركي حالي وآخر سابق لـ"واشنطن بوست".
وبحسب الشخص المقرّب من البيت الأبيض، اتصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بترمب، الأربعاء، وطلب منه عدم الضرب لأن إسرائيل ليست مستعدة بالكامل للدفاع عن نفسها.
وقال مسؤول أميركي إن ترمب ونتنياهو تحدثا مرتين.
ومن العوامل الرئيسية في موقف إسرائيل، هو غياب أصول عسكرية أميركية كبرى، اعتمدت عليها إسرائيل بشكل متزايد لإسقاط الصواريخ الإيرانية خلال تبادل الضربات، بحسب مسؤول أميركي.
وأضاف المسؤول الأميركي، أن هذا الدعم استنزف مخزون واشنطن من صواريخ الاعتراض.
مخاوف من "ضربة فوضوية"
وقال مسؤولون للصحيفة، إن ترمب أدرك، ربما أكثر من أي عامل آخر، أن ضرب إيران سيكون فوضوياً وقد يجلب اضطرابات اقتصادية وحرباً أوسع وتهديدات لنحو 30 ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط، على عكس عمليات "سريعة وحاسمة" أمر بها سابقاً، مثل تدمير قوارب يُشتبه بتهريبها للمخدرات، واعتقال مادورو، واستهداف مقاتلي "داعش" في سوريا، أو إلحاق أضرار بالبرنامج النووي الإيراني.
وقال مسؤول أميركي سابق مطّلع: "هو يريد عمليات مثل فنزويلا، هذه كانت ستكون أكثر تعقيداً".
واعتبر مسؤول أوروبي رفيع على تواصل مباشر مع القيادة الإيرانية، أن "النظام في طهران يبدو أنه نجا من رصاصة". لكنه اعتبر أن "الإيرانيين الذين خاطروا بالنزول إلى الشوارع غاضبون من ترجع ترمب، ويشعرون بالخيانة".
خيارات الضربة لا تزال مفتوحة
ومع أن الضربة تبدو مستبعدة حالياً، فإن ترمب وكبار مستشاريه يبقون خياراتهم مفتوحة، وربما يشترون الوقت، مع توجيه مجموعة حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط، بحسب اثنين من المسؤولين الذين تحدثوا لـ"واشنطن بوست".
وسيكون أمام ترمب فرصة أخرى للموافقة على ضربات ضد إيران خلال الأسبوعين إلى الثلاثة أسابيع المقبلة. وبحسب مسؤولين، فإن وصول الأصول الأميركية إلى المنطقة، سيخفف مخاوف إسرائيل بشأن حمايتها.
ولا يُتوقع أن ينخفض مستوى التهديد قريباً، فقد وُجّهت القيادة المركزية الأميركية الوسطى "سنتكوم"، للتخطيط لتوفير دعم رفيع المستوى على مدار الساعة "خلال الشهر المقبل"، بحسب ما قال شخص يراقب الوضع لصحيفة "واشنطن بوست".
وكانت حاملة الطائرات "لينكولن" في بحر الصين الجنوبي، الجمعة، ما يعني أنها على بُعد أكثر من أسبوع للوصول إلى الشرق الأوسط.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: "لا أحد يعرف ما الذي سيفعله الرئيس ترمب تجاه إيران سوى الرئيس نفسه. لقد أبقى الرئيس خيارات عديدة على الطاولة، وكما هو الحال دائماً، سيتخذ قراراته بما يخدم مصلحة أميركا والعالم".










