قوبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن "إطار عمل لاتفاقية مستقبلية" من شأنها تسوية قضية جرينلاند بعد أسابيع من تصاعد التهديدات، بترحيب القادة الأوروبيين بتراجعه عن استخدام القوة أو فرض رسوم عقابية على الدول التي تعارض مساعيه، وانتعاشة في الأسواق المالية، رغم تشكك سكان المنطقة القطبية الشمالية، بشأن نوايا واشنطن.
وبعد ساعاتٍ فقط من استخدام الرئيس خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي للتأكيد على رغبته في ضم جرينلاند، "بما في ذلك الحق والملكية"، وتراجعه عن تهديداته الأكثر حدة باستخدام القوة العسكرية، لجأ ترمب إلى وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان عن "إطار عمل اتفاقية مستقبلية بشأن جرينلاند" عقب محادثات مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، وسحب تهديده بفرض تعريفات جمركية على ثماني دول أوروبية.
وبحسب تقارير إعلامية، فقد تمنح الدنمارك الولايات المتحدة السيادة على أجزاء صغيرة من جرينلاند، حيث توجد قواعد عسكرية، وحق التنقيب عن المعادن النادرة، وذلك بموجب اتفاق تسوية.
ووصف ترمب الأمر لاحقاً بأنه "مجرد فكرة اتفاقية" في حديثه مع شبكة CNBC الاقتصادية بعد إغلاق وول ستريت بفترة وجيزة.
"لا حديث بشأن سيادة الدنمارك"
وقال روته لقناة Fox News رداً على سؤال عما إذا كانت جرينلاند ستبقى جزءاً من مملكة الدنمارك بموجب الاتفاق، إن هذه المسألة لم تُطرح، ولم يُقدّم تفاصيل إضافية تُذكر حول الاتفاق، ولكنه قال إن "هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به".
وذكرت المتحدثة باسم حلف الناتو، أليسون هارت، أن المحادثات حول الإطار الذي أشار إليه ترمب ستركز على ضمان أمن القطب الشمالي "من خلال الجهود الجماعية للحلفاء".
وأضافت أن روته لم يقدم أي مقترحات تتعلق بسيادة الدنمارك خلال الاجتماع، ولم يعرض أي مساومة على سيادتها.
وقال وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوك راسموسن: "انتهى اليوم بشكل أفضل مما بدأ". وأضاف: "الآن، فلنجلس ونبحث كيف يمكننا معالجة المخاوف الأمنية الأميركية في القطب الشمالي مع احترام الخطوط الحمراء لمملكة الدنمارك".
ورحّبت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بإعلان ترمب. وقالت وزيرة الخارجية السويدية، ماريا ستينرجارد، إن جهود حلفاء أوروبا "كان لها أثرٌ ملموس"، وأكدت مجدداً أنهم لن يخضعوا "للابتزاز".
لكن بعض النواب الدنماركيين، بمن فيهم ساشا فاكس، أعربوا عن غضبهم إزاء استبعاد جرينلاند من مفاوضات الأربعاء.
وقالت لشبكة Sky News: "إنها ليست مفاوضات حقيقية؛ إنها مجرد محادثة بين رجلين. لا يمكن التوصل إلى اتفاق دون إشراك جرينلاند في المفاوضات".
وشبّه مسؤولون لم يُكشف عن أسمائهم في صحيفة "التليجراف" هذا المقترح بالقواعد العسكرية البريطانية في قبرص، التي تُعتبر أرضاً بريطانية.
كما يُتيح هذا الإطار للولايات المتحدة، وفقاً لصحيفة "التليجراف"، التنقيب عن المعادن الأرضية النادرة دون الحصول على إذن من الدنمارك.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدنمارك وافقت على ذلك، لكن آجا كيمنتس لارسن، العضوة في البرلمان الدنماركي عن جرينلاند، صرّحت مساء الأربعاء، بأن فكرة أن يكون لحلف الناتو أي دور في سيادة جرينلاند أو مواردها المعدنية "غير واردة بتاتاً".
وبعد أيام من تصاعد التوترات، التي نذرت بأعمق شرخ في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود، لا تزال أسباب تراجع ترمب غير واضحة.
لماذا تراجع ترمب؟
ووصف رئيس الوزراء الهولندي، ديك شوف، قرار ترمب بإلغاء الرسوم الجمركية التي هدد بها ضد الحلفاء الأوروبيين بأنه مؤشر على "خفض التصعيد"، ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي خياراتهم في قمة طارئة تُعقد في بروكسل الخميس.
وأشار آخرون إلى تذبذب الأسواق المالية، بعد أن أدت تصريحات ترمب الأكثر تشدداً بشأن جرينلاند الثلاثاء، إلى انخفاض حاد في أسواق الأسهم الأميركية. وانتعشت الأسواق العالمية الأربعاء، بعد إعلان ترمب عن الاتفاق الإطاري وتراجعه عن تهديده بفرض رسوم جمركية.
وقال مارك هاكيت، كبير استراتيجيي السوق في شركة "نيشن وايد" في بوسطن: "انتعشت السوق عندما قال إننا لن نستخدم القوة"، بينما قال المحلل المالي ماثيو سمارت: "تم استبعاد حالة عدم اليقين من الأسعار".
وأشار آخرون إلى أن ترمب له تاريخ في إطلاق التهديدات، ثم التراجع عنها عندما تبدأ الأسواق المالية بالانخفاض.
وبعد أن كبح جماح حربه التجارية العالمية في أبريل من العام الماضي، عقب انهيار الأسواق، ابتكرت صحيفة "فايننشال تايمز" اختصار "تاكو" - "ترمب دائماً يتراجع" (Trump Always Chickens Out)، لوصف هذه الظاهرة.
وذكرت صحيفة "سيمافور" الأميركية أن ترمب بدا محبطاً من تحول الأسواق هذا الأسبوع، وأشارت إلى أن عدائه تجاه الحلفاء الأوروبيين ينطوي على مخاطر جسيمة.
وكتبت الصحافية إليانور مولر: "تمتلك دول مثل بريطانيا وبلجيكا وفرنسا تريليونات الدولارات من الأصول الأميركية، كسندات الخزانة. وإذا قررت بيعها، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة بشكلٍ حاد".
وأشار مايكل مكفول، السفير الأميركي السابق لدى روسيا والناقد اللاذع لترمب، إلى أن هذا التغيير في اللهجة كان نتيجةً لضغوطٍ متعددةٍ على الرئيس: "تضافرت جهود الاتحاد الأوروبي، والسوق، وسياسيين أميركيين آخرين، ووسائل الإعلام المستقلة، والرأي العام لوقف مغامرة ترمب المتهورة لغزو جرينلاند وضمها".









