
قالت صحيفة "التليجراف" البريطانية، إن اتفاق الإطار المستقبلي الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء، بشأن جرينلاند، يشمل سيطرة الولايات المتحدة على أجزاء من الجزيرة عبر تصنيفها مناطق قواعد ذات سيادة، فيما وصفته مصادر بأنه "مخرج مبتكر" من المأزق.
ويحاكي الاتفاق المحتمل الذي أعلن عنه ترمب بعد لقاء الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بسويسرا، الترتيب القائم بين بريطانيا وقبرص، إذ ستُعتبر القواعد الأميركية على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي أراضيَ تابعة للولايات المتحدة.
وسيتيح ذلك لواشنطن تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية وأنشطة تدريب، إلى جانب تسهيل بعض أشكال التنمية المحلية، بما قد يشمل استخراج المعادن النادرة.
وبحسب الصحيفة، تم الاتفاق على الإطار العام بين ترمب وروته مساء الأربعاء، في خطوة من شأنها تهدئة المخاوف الدنماركية من أن تكون الولايات المتحدة تستعد لضم الإقليم شبه المتمتع بالحكم الذاتي.
وجاء هذا التطور بعد ساعات فقط من مطالبة ترمب، خلال خطاب مطوّل استمر نحو ساعتين في دافوس، بالبدء في مفاوضات فورية، لشراء جرينلاند من الدنمارك. ونقلت "التلجراف" عن مصادر مطلعة أن الاتفاق المقترح لا يرقى إلى حد بيع جرينلاند للولايات المتحدة.
"منح ترمب صفقة يريدها"
وامتنع ترمب، في سلسلة مقابلات، عن شرح تفاصيل الاتفاق، مكتفياً بالقول إن مسألة الملكية "معقدة بعض الشيء". كما تراجع عن تهديده بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 10% على بريطانيا ودول أوروبية أخرى كانت قد رفضت دعم خطته لضم جرينلاند.
وأوضح الرئيس الأميركي أنه اتفق مع روته على "إطار مستقبلي" لجرينلاند و"للمنطقة القطبية الشمالية بأكملها"، وذلك خلال "اجتماع مثمر للغاية".
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي تأكيده الخطة بقوله: "الفكرة كانت إعطاء ترمب صفقة".
ويُنظر إلى الخطة المستوحاة من النموذج البريطاني-القبرصي على أنها مخرج إبداعي لمطالب ترمب بامتلاك الجزيرة، التي يعتبرها ذات أهمية استراتيجية لأمن الولايات المتحدة.8هنزو وبموجب الاتفاق بين لندن ونيقوسيا، تتمتع بريطانيا بالسيادة على قاعدتين عسكريتين لأغراض استراتيجية، مع منح القبارصة داخل تلك المناطق حقوقاً مماثلة لما هو معمول به في بقية الجمهورية.
وتملك الولايات المتحدة بالفعل حق بناء وتشغيل قواعد عسكرية في جرينلاند، مع "حرية تشغيل غير مقيدة" بين مناطق الدفاع المحددة، جواً وبراً وبحراً. ومن الناحية النظرية، سيسمح الإطار الجديد المقترح لواشنطن بالسيطرة على أجزاء من جرينلاند، وربما التوسع إلى مناطق غنية بالمعادن التي يسعى ترمب إليها.
وتضم الموارد التي تثير اهتمام ترمب: الحديد، النحاس، الألماس، الذهب، الغرافيت، النيكل، العناصر الأرضية النادرة، التيتانيوم-فاناديوم، التنجستين، والزنك. وتمتد جرينلاند على مساحة تقارب 836 ألف ميل مربع، يغطي الجليد نحو 80% منها.
كما يعني الاتفاق أن الولايات المتحدة لن تكون مضطرة لطلب تصاريح، مثل أذونات التخطيط العمراني، وقد يسهل تموضع أصول مرتبطة بمنظومة "القبة الذهبية" الدفاعية التي تخطط لها.
الدنمارك لم تشارك
وأفادت مصادر الصحيفة بأن مفاوضي الناتو انتقدوا خلال لقائهم ترمب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ولغته بشأن "البازوكا" (أداة مكافحة الاحتكار)، في محاولة لاسترضاء الرئيس الأميركي المعروف بتقلب مواقفه.
ويُعد ماكرون من أشد المعارضين لتهديدات ترمب بالاستيلاء على جرينلاند، وقد دعا إلى استخدام "بازوكا" الاتحاد الأوروبي، أي منع الشركات الأميركية من دخول السوق الداخلية الأوروبية.
وقال ترمب للصحافيين الأربعاء: "إنها صفقة رائعة للغاية للولايات المتحدة، وتحقق كل ما أردناه، ولا سيما الأمن القومي الحقيقي والأمن الدولي".
وقال مارك روته إنه لم يناقش مسألة السيادة الدنماركية على جرينلاند خلال لقائه مع ترمب.
وأضاف في مقابلة تلفزيونية مع قناة Fox News أن الرئيس الأميركي "يركز بشدة على ما يجب فعله لضمان حماية تلك المنطقة القطبية الشاسعة، التي تشهد تغيرات متسارعة، حيث ينشط الصينيون والروس أكثر فأكثر".
ولم تكن الدنمارك، التي لا يُعتقد أنها شاركت في هذه المناقشات حتى الآن، قد منحت موافقتها. غير أن وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن قال الأربعاء إنه يرحب بقرار ترمب سحب التهديد بفرض الرسوم الجمركية.
خفض التوتر
ووصل القادة العسكريون في حلف الناتو إلى دافوس هذا الأسبوع، بهدف تخفيف حدة التوتر السياسي بين أوروبا وواشنطن.
وقدم الجنرال أليكسوس جرينكيويتش، القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، إحاطة لنظرائه حول التهديدات المرتبطة بجرينلاند والمنطقة القطبية عموماً.
وخلال اجتماع في بروكسل، قال إن التهديد الروسي والصيني في الشمال لم يشهد تحولاً جذرياً، لكنه أشار إلى وجود ثغرات مقلقة في قدرات المراقبة والكشف عن الصواريخ الباليستية.
وقالت متحدثة باسم الناتو: "عقد الأمين العام اجتماعاً مثمراً للغاية مع الرئيس ترمب، ناقشا خلاله الأهمية البالغة لأمن منطقة القطب الشمالي لجميع الحلفاء، بما فيهم الولايات المتحدة. وستتركز مناقشات الحلفاء حول الإطار الذي أشار إليه الرئيس على ضمان أمن القطب الشمالي عبر الجهود الجماعية، ولا سيما للدول السبع الأعضاء في الناتو بالمنطقة. وستتقدم المفاوضات بين الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة لضمان عدم حصول روسيا أو الصين على موطئ قدم اقتصادي أو عسكري في جرينلاند".
ورغم ذلك، سيمضي قادة الاتحاد الأوروبي قدماً في عقد قمة طارئة الخميس، دعي لها لتنسيق رد على تهديدات ترمب بشأن الجزيرة القطبية.
غير أن "التليجراف" أفادت بأن قادة أركان الدفاع في أوروبا داخل الناتو أرجأوا خططاً لمهمة عسكرية في جرينلاند، لإتاحة المجال أمام انحسار التوترات السياسية، إذ رأوا أن أي انتشار فوري قد يؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه.









