
في 27 سبتمبر 2024، وخلال ساعات بعد الظهر، أقلعت مقاتلات إسرائيلية من قاعدة "حتسيريم" الجوية، جنوب إسرائيل، وهي محملة بعشرات الأطنان من القنابل، لتنفيذ واحدة من أكثر المهام حساسية في الحرب ضد "حزب الله"، وهي اغتيال الأمين العام للجماعة، حسن نصر الله.
ألقت الطائرات ذخائر بلغ وزنها الإجمالي 83 طناً، ما لم يترك لنصرالله وقيادات بارزة أخرى أي فرصة للنجاة، وفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
ولضمان هذه النتيجة، أنشأت طائرات سلاح الجو ما يشبه "نقطة خنق" في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث ألقيت ذخائر إضافية لمنع وصول فرق الإنقاذ إلى الموقع. وقد تطلبت التحضيرات الواسعة والاستثمار الكبير في هذه المهمة نتيجة واضحة وحاسمة لا لبس فيها.
واعتبرت إسرائيل العملية ناجحة، وخضعت منذ ذلك الحين لمراجعات موسعة على مستويات مختلفة داخل الجيش، شملت أيضاً تقييماً اقتصادياً قدَّر كلفة العملية بنحو 125 مليون شيكل (نحو 40 مليون دولار أميركي)، بحسب "هآرتس".
ومن بين هذا المبلغ، أُنفق قرابة 25 مليون شيكل (نحو 8 مليون دولار أميركي) على الذخائر المستخدمة في الضربة نفسها، فيما شملت الكلفة المتبقية ساعات الطيران والوقود والذخائر الإضافية التي أُلقيت لإغلاق المنطقة ومنع الوصول إليها.
وفي اليوم نفسه، شنّ "حزب الله" هجوماً صاروخياً رداً على العملية، ما استدعى استخدام صواريخ اعتراضية بكلفة إضافية بلغت عدة عشرات الملايين من الشيكل.
تسعير المهام العسكرية
يعكس قرار احتساب كلفة العملية توجهاً أوسع داخل الجيش الإسرائيلي. فخلال العقد الماضي، وفي إطار ما يُعرف بـ"المعركة بين الحروب" في سوريا، بدأ مكتب المستشار المالي لرئيس أركان الجيش تسعير مختلف المهام العسكرية.
وكان الهدف عرض التداعيات المالية للعمليات الاستثنائية أو المتكررة على القيادة السياسية والحكومة، سواء لإبراز كلفتها أو لتحديد حجم التمويل المطلوب من وزارة المالية.
وقد استمر هذا النهج المحاسبي طوال حرب غزة، التي جرت على عدة جبهات وبدرجات متفاوتة من الشدة وبأساليب قتال مختلفة. فعلى سبيل المثال، نفذ الجيش الإسرائيلي نحو 20 ضربة ضد الحوثيين في اليمن، قُدرت كلفة كل ضربة منها بما بين 30 و50 مليون شيكل (نحو 9 إلى 16 مليون دولار).
كما طلبت الحكومة تقييماً لتكاليف العمليات العسكرية، ضمن البيانات التي قدّمها الجيش قبل وبعد العمليات الكبرى.
وتُقدَّر الكلفة الإجمالية للحرب بنحو 222 مليار شيكل (نحو 70 مليار دولار)، ما يشير إلى أن يوم القتال الواحد كلّف نحو 280 مليون شيكل (نحو 89 مليون دولار).
أما اليوم الأكثر كلفة في الحرب، والذي بلغت كلفته نحو 1.3 مليار شيكل (نحو 414 مليون دولار)، فقد وقع في بدايتها، بعيد التوغل البري في قطاع غزة، عندما عبّأ الجيش نحو 220 ألفاً من قوات الاحتياط، واشترى تجهيزات على نطاق واسع، ونقل دبابات وناقلات جند مدرعة ومركبات أخرى، واستخدم ذخائر بكثافة.
التكاليف المدنية
وتُقدر الكلفة الكاملة للحرب، بما في ذلك النفقات المدنية مثل تعويضات الشركات والأضرار التي لحقت بالممتلكات وتمويل إيواء النازحين وتكاليف التمويل، بنحو 277 مليار شيكل (نحو 72 مليار دولار) وفق وزارة المالية الإسرائيلية. في المقابل، يقدر بنك إسرائيل الكلفة الإجمالية بنحو 352 مليار شيكل (نحو 112 مليار دولار).
ويعود الفارق إلى اختلاف منهجيات الاحتساب؛ فوزارة المالية تستند في تقديراتها إلى التغير في عجز الموازنة العامة مقارنة بالتخطيط لما قبل الحرب. أما بنك إسرائيل فيدرج، ضمن عوامل أخرى، التكاليف المتوقعة في عام 2026، سواء العسكرية أو المدنية، مثل أقساط أنظمة جرى شراؤها بالفعل ومدفوعات الفوائد التي تمتد إلى العام التالي. كما يشمل جزءاً من المساعدات الأميركية التي تلقتها إسرائيل لتمويل الحرب.
وهناك أيضاً تباين بين تقديرات المؤسسة الأمنية ووزارة المالية. فالجيش الإسرائيلي يقدّر الكلفة الدفاعية بنحو 222 مليار شيكل (نحو 70 مليار دولار)، في حين تقدّرها وزارة المالية بنحو 170 مليار شيكل (نحو 54 مليار دولار)، وهو خلاف مألوف، إذ نادراً ما تتفق المؤسستان على أرقام الإنفاق الدفاعي، وغالباً ما يعرض الجيش أرقاماً أعلى.
ومع احتساب الزيادة المتوقعة في موازنة الدفاع وارتفاع الدين العام الناتج عن إخفاقات السابع من أكتوبر والدروس المستخلصة منها، وهي قضايا لم تُبحث بعد من قبل لجنة تحقيق رسمية، سيُضاف ما يقدر بنحو 50 مليار شيكل (نحو 16 مليار دولار) سنوياً على مدى العقد المقبل.
وسيُخصص معظم هذا الارتفاع لزيادة الإنفاق الدفاعي، في حين يعكس الجزء المتبقي مدفوعات فوائد الدين الذي جرى تحمّله لتمويل الحرب.









