
في ظل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ضم جزيرة جرينلاند، عادت إلى الواجهة تساؤلات لدى حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن مدى قدرة أوروبا على إنتاج ما يكفي من الأسلحة للدفاع عن نفسها بصورة مستقلة عن واشنطن.
وبحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال"، خلص محللو الدفاع وعدد من أعضاء البرلمانات الأوروبية إلى أن الإجابة هي "نعم، ولكن ليس في الوقت الراهن".
وأشار التقرير إلى أن الصناعة الدفاعية الأوروبية، التي كانت تعاني من الركود، تشهد حالياً أسرع وتيرة إنتاج لها منذ عقود، إذ باتت تنتج الطائرات المسيّرة والدبابات والذخائر وأنواعاً أخرى من الأسلحة، في وقت تسعى فيه القارة إلى إعادة تسليح نفسها في مواجهة ما تصفه بـ"العدوان الروسي"، إلى جانب اتساع هوّة الخلافات مع واشنطن.
ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلاً، فوفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قد تصل تكلفة استبدال المعدات العسكرية الأميركية الحالية والأفراد الأميركيين المنتشرين في أوروبا إلى نحو تريليون دولار.
كما لا تزال هناك فجوات في القدرات التصنيعية الأوروبية، تشمل المقاتلات الشبحية، والصواريخ بعيدة المدى، وأنظمة الاستخبارات المعتمدة على الأقمار الاصطناعية.
إلحاح أوروبي بالرد على واشنطن
أوضحت الصحيفة أنه، رغم زيادة أوروبا لإنتاجها الدفاعي خلال السنوات الأخيرة، فإن صناعتها المجزأة لا تزال تفتقر حالياً إلى الطاقة الإنتاجية التي تتمتع بها نظيرتها الأميركية، المدعومة بأكبر ميزانية عسكرية في العالم.
ورغم ذلك، فإن الزيادات الحادة في الإنفاق العسكري الأوروبي، إلى جانب الجهود المتجددة في مجالي البحث والتطوير، تقرّب القارة من تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية العملياتية، وفي بعض الحالات يحدث ذلك بوتيرة أسرع من المتوقع.
وفي أواخر عام 2024، أسّس كليمنس كورتن شركة لبيع الطائرات المسيّرة للجيوش الأوروبية، من دون أن تمتلك تصميماً أو طاقم عمل. وخلال أقل من عام، تمكنت الشركة الألمانية من بيع مئات الوحدات.
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن شعوراً متزايداً بالإلحاح يسود الأوساط الأوروبية للرد على ما تنوي الولايات المتحدة القيام به، ليس فيما يتعلق بجرينلاند فحسب، بل أيضاً تجاه التحالف الأمني الأوسع الذي يربطها بأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ونقل التقرير عن أندريوس كوبيليوس، المسؤول في الاتحاد الأوروبي عن إنعاش الصناعة الدفاعية، قوله خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا الأربعاء الماضي: "إذا بدأ الأميركيون في تقليص وجودهم في القارة الأوروبية، فمن الطبيعي أن نبدأ التخطيط لكيفية بناء ما يمكن تسميته بالركيزة الأوروبية لحلف الناتو".
وأضاف كوبيليوس أن ذلك يشمل استبدال ما يُعرف بالعناصر الاستراتيجية المساعدة، مثل الأقمار الاصطناعية الفضائية، التي تعتمد أوروبا حالياً على الولايات المتحدة في توفيرها.
وكان ترمب دفع بالفعل أوروبا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، في وقت من المرجح أن تعيد الولايات المتحدة، التي باتت تركز بشكل متزايد على أميركا اللاتينية وآسيا، نشر أصولها العسكرية خارج أوروبا.
"أزمة جرينلاند" تدق ناقوس الخطر
وفي الآونة الأخيرة، أثارت الخلافات بين البيت الأبيض وأوروبا بشأن أوكرانيا، ثم جرينلاند، مخاوف من أن تقطع واشنطن إمدادات الأسلحة الأميركية، أو حتى تمنع الأوروبيين من استخدام الأسلحة التي يمتلكونها بالفعل.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، خلال مشاركته في دافوس، إن أسطول بلاده من المقاتلات أميركية الصنع لا يمكنه الاستمرار في التحليق على المدى الطويل من دون قطع غيار وتحديثات تقنية من الولايات المتحدة.
وأضاف ستوب أن بلاده مضطرة إلى الثقة في استمرار دعم واشنطن، معتبراً أن ذلك يصب في مصلحة الطرفين.
فيما أكد مسؤولون تنفيذيون في قطاع الصناعات الدفاعية أن التحول نحو صناعة دفاعية أوروبية مكتفية ذاتياً أصبح جارياً بالفعل.
وقال كورتن، الرئيس التنفيذي لشركة Twentyfour Industries، إن شركته، التي تتخذ من ميونيخ مقراً لها، تمكنت من بدء الإنتاج بسرعة بفضل استعداد المستثمرين الأوروبيين لتمويل شركات الدفاع، واستعداد الكفاءات للعمل فيها، إضافة إلى تسارع وتيرة عمل وكالات المشتريات الحكومية المحلية.
وأضاف كورتن، الذي كان مستشاراً في مجال الطائرات المسيّرة عندما أسس الشركة مع شريك له، إن "ذلك لم يكن ممكناً قبل 5 سنوات".
ولفت التقرير إلى أن هذه العملية تتسارع بفعل أكبر قفزة في الإنفاق العسكري الأوروبي منذ الحرب الباردة.
وبحسب تقديرات محللي شركة Bernstein، أنفقت أوروبا نحو 560 مليار دولار على الدفاع خلال العام الماضي، أي ضعف ما أنفقته قبل عقد من الزمن، وبحلول عام 2035، من المتوقع أن يصل إنفاقها على المعدات العسكرية إلى 80% من إنفاق وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون)، مقارنة بأقل من 30% في عام 2019، بحسب الشركة.
تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية
وأشارت الصحيفة إلى أن التحول الأوروبي نحو زيادة الإنفاق العسكري والتوجه نحو تطوير الصناعات الدفاعية قد تكون له تداعيات على قطاع الصناعات الدفاعية الأميركي، إذ تمثّل القارة ما يصل إلى 10% من إيرادات شركات الأسلحة الأميركية، وفقاً لمجموعة الأبحاث البريطانية Agency Partners.
وفي مؤشر على ما قد يحدث، افتتحت شركة Rheinmetall الألمانية، أو شرعت في بناء، 16 مصنعاً جديداً منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.
كما زادت شركة Leonardo الإيطالية العملاقة في مجال الدفاع عدد موظفيها بنحو النصف، ليصل إلى 64 ألف شخص خلال ما يزيد قليلاً على عامين.
وبحلول ربيع العام الماضي، أصبحت شركة MBDA، أكبر منتج للصواريخ في أوروبا، قادرة على تصنيع 40 صاروخاً من طراز ميسترال للدفاع الجوي قصير المدى شهرياً، مقارنة بـ10 فقط قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كما ضاعفت إنتاجها من الصواريخ المضادة للدبابات ليصل إلى 40 صاروخاً شهرياً.
ونوّه التقرير إلى أن شركات تصنيع الطائرات المسيّرة، مثل Twentyfour Industries، انتشرت في أنحاء أوروبا، مشيراً إلى أن إستونيا تُعد رائدة عالمياً في سوق المسيّرات البرية.
وفي بعض الحالات، تجاوز الإنتاج الأوروبي نظيره الأميركي. إذ ستتمكن شركة Rheinmetall وحدها قريباً من إنتاج 1.5 مليون قذيفة مدفعية من عيار 155 ملم سنوياً، وهو رقم يفوق إجمالي إنتاج صناعة الدفاع الأميركية.
كما تعتمد أوروبا بشكل شبه حصري على نفسها في تزويد قواتها بالمركبات المدرعة، وتُعد دبابة Leopard الألمانية الأكثر انتشاراً في العالم. كذلك تصنّع القارة جميع سفنها وغواصاتها محلياً، وهي منتجات تتفوق في مبيعاتها عالمياً على نظيراتها الأميركية.
ولفتت "وول ستريت جورنال" إلى وجود مؤشرات على أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل تفضيل الأسلحة المصنعة محلياً على الأميركية، فبين عامي 2020 و2024، جاءت 79% من واردات الدنمارك الدفاعية من الولايات المتحدة، إلا أنه في العام الماضي، ومع تصاعد ضغوط ترمب على كوبنهاجن لبيع جرينلاند، جاء أكثر من نصف مشتريات الدنمارك من الأسلحة من داخل أوروبا، رغم نفي السلطات الدنماركية أن يكون ذلك مقصوداً.
"لم يحن الوقت بعد"
ورغم مساعي أوروبا لزيادة الاعتماد على نفسها وخاصة في المجالات الدفاعية، إلا أن "اللحظة الفاصلة التي تبتعد فيها أوروبا بشكل واضح عن الولايات المتحدة لم تحن بعد"، وفقاً لبيتر ويزمان، الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن بعض المسؤولين الدفاعيين الأوروبيين قولهم إن شركات الدفاع الأوروبية لا تتحرك بالسرعة الكافية، لا سيما في قطاع الطيران والفضاء.
وأوضحت الصحيفة أن شركة Dassault الفرنسية لديها طلبات متراكمة لتصنيع 220 مقاتلة من طراز "رافال"، وخلال العام الماضي، كانت الشركة تسلّم طائرتين شهرياً، مع احتياج كل طائرة إلى 3 سنوات للتصنيع، فيما أفادت بأن وتيرة التسليم سترتفع إلى 3 طائرات شهرياً خلال العام الجاري.
وفي هذا السياق، قال الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته، خلال مشاركته في منتدى دافوس، إن لجوء بولندا إلى شراء أسلحة من كوريا الجنوبية يُظهر أن أوروبا، إلى جانب الولايات المتحدة، لا تسرّع وتيرة إنتاجها الدفاعي بالسرعة المطلوبة.
من جانبه، رأى روبرتو تشينجولاني، الرئيس التنفيذي لشركة Leonardo، التي تصنّع المروحيات العسكرية وأنظمة الرادار ومكونات عسكرية أخرى، أن أحد العوائق الرئيسية أمام تسريع إعادة تسليح أوروبا يتمثل في "تشتت الجهود".
وأوضح أن "كل دولة تريد امتلاك دبابتها الخاصة، وطائرتها الخاصة، وسفينتها الخاصة، وبالطبع فإن هذا التشتت في الاستثمارات والبحث والتطوير والمشتريات لا يخدم إعادة تسليح أوروبا".
فجوة في نوعية الأسلحة
كما أشار التقرير إلى وجود فجوات في القدرات، إذ أن أوروبا لا تزال على بُعد ما لا يقل عن 10 سنوات من إنتاج مقاتلة شبحية محلية الصنع. وفي الوقت نفسه، تواصل العديد من الدول الأوروبية الـ13 التي اشترت أو طلبت المقاتلة الأميركية F-35 تعزيز أساطيلها من هذا الطراز.
كما تتخلف القارة الأوروبية عن الولايات المتحدة في مجال الاستخبارات عبر الأقمار الاصطناعية، وتعتمد بشكل أساسي على الشركات الأميركية في خدمات الحوسبة السحابية لإدارة بيانات ساحة المعركة.
وعلى الرغم من اختراع ألمانيا للصاروخ الباليستي قبل أكثر من 80 عاماً، فإن أوروبا تكاد لا تنتج هذا السلاح الحيوي أو غيره من الصواريخ بعيدة المدى، بحسب "وول ستريت جورنال".
ولا تزال منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية بعيدة المدى الخيار المفضل للدول الأوروبية.
ورغم نجاح أوكرانيا في تقليص اعتمادها على الأسلحة الأميركية، قال ميكولا بيليسكوف، المحلل في منظمة Come Back Alive الأوكرانية غير الحكومية، التي تساعد في تمويل مشتريات الأسلحة لكييف، إن أنظمة الدفاع الجوي الأميركية، مثل بطاريات "باتريوت" لا غنى عنها، مشيراً إلى أن أوكرانيا لا تحصل على ما يكفي من صواريخ الاعتراض الخاصة بهذه المنظومات.
ولفتت الصحيفة إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت حالياً في معالجة أوجه القصور لديها، مشيرة إلى أن هناك عدة مشاريع قيد التنفيذ تهدف إلى إنتاج صواريخ بمدى يتجاوز ألف ميل بعد عام 2030.
كما أنشأت المملكة المتحدة مؤخراً منظومة أقمار اصطناعية عسكرية خاصة بها، بعد اعتمادها السابق على الولايات المتحدة، في حين تزيد دول أوروبية أخرى من إرسالها للأقمار الاصطناعية الفضاء.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً إن ثلثي المعلومات الاستخباراتية الفضائية التي تعتمد عليها أوكرانيا تأتي الآن من بلاده.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن ماثيو سافيل، المدير في معهد الخدمات الملكية المتحدة للأبحاث، قوله: "هل تستطيع أوروبا تسليح نفسها؟ نعم، ولكن مع مرور الوقت. فحجم الإنتاج لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب، وعلينا أن نقبل بأن بعض المعدات في بعض المجالات ليست بالجودة نفسها".















