
قال مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون)، إن وزير الدفاع بيت هيجسيث تدخل لإجبار مستشار عسكري رفيع لوزير الجيش دان دريسكول، على الخروج من منصبه، في خطوة تعكس تدخلاً استثنائياً من وزير الدفاع في ترتيبات الجيش الداخلية، وسط توتر مستمر منذ فترة بين اثنين من كبار المعيّنين السياسيين في إدارة الرئيس دونالد ترمب.
وأفاد المسؤولون، الذين تحدثوا لصحيفة "واشنطن بوست" شريطة عدم الكشف عن هويتهم، بأن هيجسيث وجه دريسكول إلى إقالة الكولونيل ديفيد باتلر خلال نقاش جرى في البنتاجون الأسبوع الماضي. وأضافوا أن هذه لم تكن المرة الأولى خلال الأشهر الأخيرة التي أثار فيها هيجسيث هذه المسألة مع دريسكول.
وكان باتلر قد شغل مؤخراً منصب المتحدث باسم الجيش ومستشاراً إعلامياً لدريسكول ورئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج. وجرى ترشيحه للترقية إلى رتبة عميد، إلا أن هيجسيث اعترض على الترقية لأسباب لا تزال غير واضحة، بحسب المسؤولين.
وقال مسؤولون مطلعون على الملف إن اسم باتلر كان مدرجاً ضمن قائمة تضم نحو ثلاثة عشر ضابطاً في الجيش مؤهلين للترقية كان ينبغي إرسالها إلى البيت الأبيض للموافقة عليها قبل أشهر. ويبدو أن إدراج اسمه كان من بين أسباب تأخير تلك الترقيات.
وبعد توجيه هيجسيث أمره لدريسكول الأسبوع الماضي، قرر باتلر، وفق هؤلاء، تقديم أوراق تقاعده بدلاً من أن يتسبب في تعطيل ترقيات زملائه.
محادثات أوكرانيا
وجاء طلب هيجسيث بإقالة باتلر، قبل مغادرة دريسكول إلى سويسرا، حيث يشارك وزير الجيش، في دور دبلوماسي غير معتاد لرئيس فرع عسكري، في محادثات عالية المخاطر تهدف إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وجعلت إدارة ترمب من وزير الجيش نقطة اتصال رئيسية في هذه المباحثات المعقدة والمستمرة، بينما يركز هيجسيث على قضايا أخرى، من بينها إعادة تشكيل الجيش داخلياً والضغط على شركات الدفاع لتحديث صناعاتها.
وأحالت كينجسلي ويلسون، المتحدثة باسم هيجسيث، أسئلة "واشنطن بوست" إلى مقر قيادة الجيش.
وفي بيان لصحيفة "واشنطن بوست"، أقر دريسكول بتقاعد العقيد، لكنه امتنع عن توضيح الأسباب. وقال البيان: "نثمّن عالياً خدمة الكولونيل ديف باتلر طوال حياته المهنية في جيش الولايات المتحدة وفي خدمة وطننا. لقد كان ديف جزءاً أساسياً من جهود تحول الجيش. سنفتقده، وأتمنى له بصدق كل النجاح في تقاعده المقبل بعد 28 عاماً من الخدمة".
من جهته، رفض باتلر التعليق. وقال مسؤولون مطلعون إنه يبدو أن عمل باتلر السابق متحدثاً رئيسياً باسم الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة من 2019 حتى تقاعده في 2023، كان عاملاً رئيسياً في استهدافه.
وأشاروا إلى أن ميلي كان هدفاً سياسياً لترمب وهيجسيث لسنوات، منذ الخلافات التي نشبت بينه وبين ترمب خلال الولاية الأولى للرئيس.
ويرى أنصار ميلي أنه لعب دوراً محورياً في توجيه الجيش بعيداً عن السياسة خلال فترة ترمب الأولى المضطربة، بينما يتهمه منتقدوه بخرق ثقة ترمب عبر التحدث إلى صحافيين عن سلوك الرئيس ووصفه لاحقاً، بعد تقاعده، بأنه "فاشي حتى النخاع".
وردد هيجسيث، وهو مقدم سابق في الحرس الوطني للجيش ومذيع سابق في قناة فوكس نيوز، انتقادات ترمب، واتخذ إجراءات إدارية بحق ميلي، شملت تعليق تصريحه الأمني، وسحب الحماية الأمنية عنه العام الماضي، وإصدار أمر بإجراء مراجعة من قبل المفتش العام للبنتاجون بشأن تصرفاته السابقة. كما قامت الإدارة بإزالة صورته الرسمية من مقر وزارة الدفاع.
وبقي ميلي رئيساً للأركان خلال إدارة الرئيس جو بايدن لنحو ثلاث سنوات، خلال فترة مضطربة شملت سقوط الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة وغزو روسيا لأوكرانيا. ويلقي ترمب وهيجسيث باللوم على بايدن وقادة البنتاجون آنذاك في السماح بوقوع تلك الأحداث.
صراع حاد
ودفع هيجسيث أيضاً إلى إخراج ضباط آخرين خدموا مع ميلي في هيئة الأركان المشتركة، ما أثار استياء من رأوا فيهم قادة مهنيين وجدوا أنفسهم وسط صراع سياسي حاد.
ومن بينهم الجنرال جيمس مينجوس، الذي أصبح لاحقاً نائب رئيس أركان الجيش وتم تجاوزه في تعيينه قائداً للقيادة المركزية الأميركية، واللفتنانت جنرال دوجلاس سيمز، الذي ألغى هيجسيث ترقيته المتوقعة إلى رتبة جنرال بأربع نجوم العام الماضي.
وخلال العام الماضي، ساعد باتلر في إدارة فعاليات كبرى للجيش، من بينها عرض عسكري ضخم للدبابات والمعدات في واشنطن الصيف الماضي. وقال حينها إن الجنرال جورج ومسؤولين كباراً في الجيش كانوا يتعاملون مع الحدث بحماس. كما كان ضمن مجموعة صغيرة من الضباط الذين رافقوا دريسكول إلى أوكرانيا في نوفمبر الماضي، في مهمة دبلوماسية غير معتادة، في إطار مساعي ترمب غير الناجحة حتى الآن لإنهاء الحرب.
وأعرب عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين في وزارة الدفاع عن دهشتهم من إقالة باتلر، واصفين إياه بأنه شخصية متزنة نالت ثقة العديد من الجنرالات والمسؤولين المدنيين والصحافيين.
وتساءل أحد ضباط الجيش عن سبب إصرار هيجسيث على إقالة كولونيل يعمل ضمن فريق مسؤول آخر في إدارة ترمب، قائلاً: "هذا أمر سيء للجيش"، في إشارة إلى خسارة أبرز مستشاريه في شؤون الإعلام.
وقال كولونيل متقاعد خدم سابقاً مع باتلر، متحدثاً بشرط عدم الكشف عن هويته خوفاً من انتقام فريق هيجسيث: "إنه من أكثر الأشخاص غير المنحازين حزبياً الذين أعرفهم. هذا أمر مؤسف حقاً".
وقبل أن يصبح متحدثاً باسم ميلي، شغل باتلر منصباً بارزاً كمتحدث عسكري أعلى للقوات الأميركية في أفغانستان تحت قيادة الجنرال أوستن "سكوت" ميلر، وقد اختير لهذا المنصب بعد أن عمل سابقاً مع ميلر في قيادة العمليات الخاصة المشتركة النخبوية.











