أول مقتطفات حصرية من مذكرات الرئيس السوري شكري القوتلي | الشرق للأخبار

"المجلة" تنشر أول مقتطفات حصرية من مذكرات الرئيس السوري شكري القوتلي وعلاقته بالملك عبد العزيز

القوتلي في كتابه "أحداث وذكريات" يخصص 4 فصول عن علاقته بالسعودية والملك عبد العزيز

time reading iconدقائق القراءة - 23
الملك عبدالعزيز والأمير فيصل بن عبدالعزيز مع الرئيس شكري القوتلي خلال زيارته إلى السعودية في 1927
الملك عبدالعزيز والأمير فيصل بن عبدالعزيز مع الرئيس شكري القوتلي خلال زيارته إلى السعودية في 1927
لندن -

يصدر قريباً كتاب "أحداث وذكريات" للرئيس السوري الراحل شكري القوتلي، التي قام بإعدادها المؤرخ السوري سامي مروان مبيّض، بمبادرة من "مؤسسة الرئيس شكري القوتلي" التي تولت مهمة جمع أوراق الرئيس الراحل والحفاظ على إرثه الوطني، تكريماً لرجل طالما عرف بـ"أبو الجلاء" في سوريا، وبـ"المواطن العربي الأول" بعد قيام الوحدة السورية-المصرية عام 1958.

قبل وفاته عقب نكسة حرب يونيو عام 1967، أودع القوتلي أوراقه الخاصة أمانة عند أسرته التي حافظت عليها طيلة سنوات طويلة، لكن الظروف التي مرت بها الأسرة– إضافة لظروف سوريا في ظل "البعث"- حالت دون نشرها إلا في عام 2026، المصادف للذكرى الثمانين لجلاء الاحتلال الفرنسي عن سوريا في شهر أبريل المقبل.

والمعروف أن الرئيس شكري القوتلي كان أحد رموز الحركة الوطنية في سوريا، سواء ضد العثمانيين أو الفرنسيين، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1943. فقد جلت القوات الفرنسية عن سوريا في عهده عام 1946، وجدد له لولاية ثانية عام 1948 قبل الانقلاب عليه واعتقاله عام 1949. عاش سنوات المنفى بين سويسرا ومصر، ثم عاد إلى سوريا وانتخب رئيساً لولاية ثالثة عام 1955، قبل أن يتنازل عن منصبه لصالح الرئيس جمال عبد الناصر عام 1958.

ومن أبرز محطات مسيرته السياسية الوطنية كانت علاقته الوثيقة بالملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي تعرف إليه في مطلع العشرينات وبقي على تحالف متين معه حتى رحيل الأخير عام 1953. شهد ولادة الدولة السعودية الحديثة، وحافظ على علاقة متينة مع الملك سعود والملك فيصل، يوم كان الأخير وزيراً للخارجية ثم ولياً للعهد.

يخصص القوتلي في كتابه أربعة فصول كاملة عن علاقته بالسعودية والملك عبد العزيز، فيها تفاصيل متناهية الدقة، حصلت عليها "المجلة" لتضعها أمام القراء في ذكرى يوم التأسيس السعودي يوم 22 فبراير 2026.

يقول الرئيس القوتلي: "كان الملك عبد العزيز رحمه الله في مقدمة الناس ذكاءً ودهاءً ووعياً وإدراكاً، وكان فارساً من الفرسان قلّ أن تلد الأمهات مثله شجاعةً وبطولةً. وكان إلى جانب كل ذلك أبيّاً، حَمِيّاً، ذا وفاءٍ وأرْيَحِيّة، وقد أقام ملكه بحدّ السيف على التوحيد وما جاء في كتاب الله وسنَّة رسوله، فلم تأخذه في الله لومة لائم، وبنى ملكه الواسع الشاسع في نجد والحجاز لبنةً لبنةً، حتى أصبح هذا الملك العظيم يضم أكثر من نصف شبه الجزيرة، يمشي المرء في ملكه من أوّله إلى آخره، فلا يتعرّض له أحد بأذى أو سوء، ولا باعتداء وسلب، ولا بضرب وقتل، كما كانت الحال في تلك المفاوز المخيفة خلال مئات السنين".

بدأت العلاقة بينهما عام 1923، يوم سمع القوتلي عن الملك عبد العزيز من الأديب اللبناني أمين الريحاني بعد أن قام الأخير بزيارته في الحجاز... يقول: "كنا نبحث عن زعيم عربي كبير تلتف حوله الأمة العربية، فيقودها إلى تحقيق آمالها الوطنية وأمانيها القومية. تساءلنا: أين هو هذا الزعيم، ومن يكون؟" أجابه الريحاني: "لا أحد بالمطلق سوى عبد العزيز آل سعود. أوتي الرجل صفات خارقة، وأعتقد أنه سيكون للعرب منه كل خير".

أفرد بعدها طريقة الوصول للملك قائلاً: "تركبون البحر من بيروت إلى السويس، ومنها تدخلون البحر الأحمر إلى عدن، ومن عَدَن تُبْحرون إلى بومباي في الهند، وهناك تجدون باخرة صغيرة تذهب كل خمسة عشر يوماً مرّة من بومباي إلى البصرة، ومن البصرة تمتطون الإبل إلى الرياض". 

بدأ الدكتور حمّودة إعادة الحياة إلى مستشفى مكة المُخرّب، وانكبّ محمد النحاس وبشير الأمين على وضع الأصول المالية للدولة السعودية، وتسلّم يوسف ياسين جريدة "أمّ القرى" وبدأ بتحريرها

أرسل القوتلي أحد الوطنيين السوريين إلى الحجاز للاجتماع بالملك، وعلم منه أن ابن سعود بحاجة إلى طبيب عيون بعد أن أصيب بمرض الجدري في إحدى عينيه. تواصل مع الدكتور محمود حمّودة، أحد المدرسين في معهد الطب العربي بدمشق، وذهب الأخير إلى الرياض وبقي إلى جوار الملك إلى أن وافته المنية سنة 1948. طلب بعدها الملك من ينظِّم له الأمور المالية في دولته، وإلى صحافيّ يعمل في مطبوعة يريدُ إصدارها في الرياض. يقول القوتلي: "كنّا نحرص على أن يذهب إليه خيرة القوم من سوريا، ووقع اختيارنا على الأستاذ محمد النحّاس، وكان رفيقاً قديماً لنا ومن كبار المختصّين بعلم المالية. عرضنا عليه الفكرة، فرحب بها وقلنا له: يحسن أن يكون معك رجل آخر. فقال: أنا أنتقي زميلي بشير الأمين، فهو من المختصين الثقات". وافق بشير الأمينُ دون تردّد، أحسن الله إليه في جواره، وبحثنا بعدها عن صحافي يسافر معه ومع محمد النحّاس، وكنت أعرف شاباً من اللاذقية كان يتردّد عليّ، وهو طالب في معهد الحقوق اسمه يوسف ياسين، سألتُه الذهاب إلى الرياض فأجابني بأن امتحان المعهد قريب، وإذا ذهب الآن أضاع بذلك السنة الدراسية. فقلت له: إنك ستذهب لعمل هام عند الملك عبد العزيز، وإنك ستقوم بعمل وطني كبير. بدأ الدكتور حمّودة بإعادة الحياة إلى مستشفى مكة المُخرّب، وانكبّ محمد النحاس وبشير الأمين على وضع الأصول المالية للدولة السعودية، وتسلّم يوسف ياسين جريدة (أمّ القرى) وبدأ بتحريرها. لكنّ مرضاً فاجأ محمد النحّاس بعد فتح جدّة وأجبره على العودة إلى دمشق، ولحقه بعد مدة قصيرة السيد بشير الأمين، ولم يبقَ في السعودية إلا الدكتور حمّودة، ويوسف ياسين الذي استطاع أن يكسب ثقة الملك عبد العزيز فجعله سكرتيراً له".

اللقاء الأول مع ابن سعود في جدة

وعندما حان وقت سفر القوتلي للقاء الملك عبد العزيز كتب في أوراقه: "سارت بنا الباخرة متوجهة نحو جدّة، فوصلنا إليها بعد ظهر يوم الخميس. كان منظر الميناء ومن ورائه جدّة جميلاً، فقد بدت لنا أبنيتها المرتفعة البيضاء. جاء لمقابلتنا على زورق بخاري الدكتور خالد الحكيم ومعه يوسف ياسين، وكان سروري عظيماً بلقائهما. طمأنّاهما على إخواننا، ثم ركبنا معهما الأطومبيل الذي كان بانتظارنا وتوجهنا للسلام على (الملك) عبد العزيز في دار الشيخ محمد ناصيف، أحد أدباء جدّة. صعدنا دَرَجاً إلى طابق أعلى ودخلنا على الأمير ولقيناه بوجه باش وترحاب جميل. صافحته فأجلسني إلى جانبه، وبادرته بالقول: إني كنت متشوقاً كل الشوق لزيارتكم منذ سنتين أو أكثر، ولكن الظروف لم تسنح، وقد رأيت لزاماً عليَّ أن أزوركم لتهنئتكم على النصر الذي كتبه الله لكم. السوريون جميعاً، في سوريا ومصر، يتوسّلون إلى الله تعالى أن يجعل عهدكم كعهد عمر بن الخطاب، عهد فتحٍ، ونصرٍ، وظفرٍ، وقوّة، وعدل وسؤدد للأمة العربية والإسلامية".

سمعت بعض الناس يقولون إنّي قدمت إليك لتقلّدني هذا المنصب، فأرجو أن تعلم أنني ما جئت إلى هنا لأي منصب كان، بل لأستمد عونك وأستنجد بك لإمداد إخواننا الثائرين في سوريا، لتحريرها من الإفرنسيّين. واسمح لي أن أقول لك إنني لا أجد هنا كرسيّاً يليق بي سوى كرسي واحد!

يضيف القوتلي: "لقد انقضت السنون الكثيرة على هذا اللقاء، وما زالت صورة عبد العزيز في مجلسه ذاك، مرتسمة في ذاكرتي. كان طويل القامة، شديد البنية، جيّد الصحة، ذا سمرة بدويّة. وكانت لحيته خفيفة على الخدين، طويلة من الأمام، وعلى رأسه كوفية نجدية حمراء، فوقها عقال أصفر ذهبي فيه سواد. وكان يلبس قميصاً أبيض، فوقه عباءة شفافة بنيّة اللون، ويجلس على الأرض متربّعاً، فتبدو قدماه العاريتان. كان يطلب القهوة مرّة بعد مرّة، ويُنادي: (هات قهوَهْ)، فيملأ صوته المجلس. ويردّد (رجال) واقفون عند باب المجلس: (اقْهوه اقهوة...)، فتأتي القهوة العربية، ثم يطلب الشاي، فيأتي. وكان ذا هيبة ويقظة، تنطق كلماته وحركاته بالرجولة، وكنت تحسّ أنه قريب منك، فلا تكبّر لديه ولا تجبّر".

ويذكر القوتلي: "سألت عن الشؤون الحكومية في جدّة، وأخبرت أن هناك مديرية للشرطة، وطبيباً للصحة، وموظفاً للأمور الخارجية هو عبد الله الدملوجي. بقينا أياماً نزور فيها الملك عبد العزيز كل مساء، فطلبت من يوسف ياسين أن يكلّمه لأجتمع به وحدي. كانت الألسن قد أخذت تلهج بأن ابن سعود عازم على تغيير وزير خارجيته عبد الله الدملوجي، وأنه استدعاني من دمشق لتعييني بدلاً منه، فلما ذهبنا إلى الملك عبد العزيز، أنا ويوسف ياسين، سألني عما عندي من الأخبار السياسية. كان يُصغي إليّ بكل جوارحه، ويقاطعني ليستفهم مني عن أمر، أو يطلب مني زيادة في الإيضاح. فلما انتهيت من بياني قال لي: والله نحتاج إلى مثلك ليكون وزيراً للخارجية.

قلت: سمعت بعض الناس يقولون إنّي قدمت إليك لتقلّدني هذا المنصب، فأرجو أن تعلم أنني ما جئت إلى هنا لأي منصب كان، بل لأستمد عونك وأستنجد بك لإمداد إخواننا الثائرين في سوريا، الذين يبذلون أرواحهم ودماءهم لتحريرها من الإفرنسيّين. واسمح لي أن أقول لك إنني لا أجد هنا كرسيّاً يليق بي سوى كرسي واحد.

قال لي عبد العزيز  باستغراب: وما هذا الكرسي؟

قلت: إنّه الكرسيّ الذي تجلس عليه أنت، وما دون ذلك فلست طامحاً فيه. وهذا الكرسيّ الذي تجلس عليه ويعتز بك ويفاخر ليس لأحد فيه مطمع، لأنك أنت صاحب الحق والسلطان والفتح في هذه البلاد. إنني وإخواني، وحزبي واسع الانتشار في سوريا ومصر، وغيرهما من الأقطار العربية، سنكون عوناً لك وسنداً، نضع ما لدينا من قوّة في خدمتك".

يؤكد القوتلي بعد ذلك قائلا: "آنست من الملك عبد العزيز ارتياحاً لما أقول، فمضيت في كلامي: لست أطلب شيئاً لنفسي، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. أما المال، فإنني من فضل الله الغنيّ، ذو يسار وسعة.. وإنني أطلب منك مساعدة إخواننا الثوار.

فقال: أعاهدك على ذلك، فوالله ما قمنا إلّا لإعزاز العرب والإسلام. كل ما يقوّي العرب ويعزّ الإسلام نحن له، ومعه".

كنت كلما لاحظت أمراً سيئاً بلغني، أو أخباراً لا تُرْضِي، أبادر إلى إبلاغ الملك عبد العزيز. كذلك كنت أعلمه دائماً بالشؤون الدولية، وقد كنت في جميع ما كتبت له صادقاً وجريئاً

يضيف القوتلي: "منذ اتصلت بالملك عبد العزيز للمرة الأولى جعلت همّي الأول نجاح حكمه في المملكة العربية الفتيّة. لم أبخل بجهد، ولا وقت، ولا مشورة، وبذلتُ كلّ ما في وسعي لتسديد خُطى القائمين على السعودية وإرشادهم إلى أحدث الطرق التي ينبغي اتباعها في بناء الدول، بناءً على مشاهداتي في مصر وألمانيا وسويسرا. كذلك أشرت عليه بتنظيم أعمال وزارة الخارجية، وأن يُختار لها أحسن رجالات العرب في الأمور السياسية والدبلوماسية. وقد افتتح شعبة خاصة للشؤون الخارجية سنة 1926، تحولت إلى وزارة في عام 1930 وكان أول وزير لها نجله سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز. وأشرتُ عليه أيضاً أن تؤسَّس إدارة للاستخبارات الداخلية، وفي المعتمديات الخارجية، وذلك لإمداد الملك بالأخبار وآخر التطوّرات العربية والإسلامية. كنتُ ألحّ على تنظيم الأمور المالية، لأن المملكة إذا لم تنظّم مداخيلها ومصاريفها لن تستطيع أن تنهض وتعيش. وأشرتُ عليه بطبع طوابع بريدية حديثة، ووضعت لها نظاماً متكاملاً. وألححت كثيراً على تأسيس إدارة للتعليم ونشر الثقافة الدينية والعصرية، وغير ذلك من المشروعات المهمة التي لا تقوم أي مملكة إلا بها. كنت كلما لاحظت أمراً سيئاً بلغني، أو أخباراً لا تُرْضِي، أبادر إلى إبلاغ الملك عبد العزيز، كذلك كنت أعلمه دائماً بالشؤون الدولية، وقد كنت في جميع ما كتبت له صادقاً وجريئاً، حتى قال لي يوسف ياسين ذات يوم: أنت الوحيد الذي يكلّم عبد العزيز بهذه الجرأة، ويتقبل منك ويقول: شكري والله ناصح أمين". 

ويتذكر القوتلي لقاء بينه وبين الملك عبد العزيز قائلا: "وما زلت أذكر أنني في عام 1927 كنت جالساً عنده، ولم يكن للراديو يومئذ أي وجود في السعودية. كانت الصحافة هي الوسيلة الوحيدة لنقل الأخبار العربية والعالمية، وجيء بالصحف ووضعت أمام الملك، فتناولها وصار يقلّبها، ثم قرأ خبراً في جريدة (المقطّم) وأمعن فيه النظر طويلاً. هزّ رأسه وقال لي: اقرأ هذا الخبر. أصحيح ما تقوله هذه الجريدة؟. قرأت الخبر، وكانت خلاصته أن اللصوص سطوا على محل جوهرجي (بيع المجوهرات) في شارع المناخ القريب من ميدان الأوبرا في القاهرة. نهبوا كل ما لديه من مجوهرات وقتلوا الجوهرجي ولاذوا بالفرار.

قلت: صحيح...

قال: هل أنت متأكد من أنه صحيح؟

قلت: نعم متأكد.

قال: أين يقع هذا المحل؟ هل هو في خارج المدينة؟

قلت: لا، بل يقع في قلب القاهرة، وأنا أعرفه.

قال: كيف يحصل مثل هذا العمل؟

قلت: يحصل يومياً مثل هذا العمل، ليس فقط في القاهرة، بل في باريس ولندن ونيويورك.

قال: والله عيب على الحكومة المصرية، وعيب على الملك فؤاد أن يقبل بهذا. أنا عندي لا يحصل أبداً حتى لو وضعت الذهب على قارعة الطريق وتركته. تذهب وتعود إليه فتجده في مكانه".

القوتلي بعد حادثة سرقة في القاهرة: كان الملك عبد العزيز يفاخر دائماً بأنه استطاع أن ينشر الأمن والطمأنينة في بلاده الشاسعة ومملكته الواسعة

ويضيف القوتلي: "كان رحمه الله يفاخر دائماً بأنه استطاع أن ينشر الأمن والطمأنينة في بلاده الشاسعة ومملكته الواسعة لأنه طبّق ما جاء في القرآن الكريم على اللصوص وقُطّاع الطرق والذين كانوا يعيثون فساداً في الأرض في زمن الشريف حسين. كان يحدثنا دوماً كيف تمكن من مكافحة اللصوصية بالقوة الزاجرة، وأذكر أنني كنت مسافراً في يوم من الأيام بالأطومبيل من المدينة المنورة إلى جدّة، وفي أثناء الطريق نزلنا لشرب القهوة في مقهى صغير عند بئر بني حصان. قلت لأحد البدو: أنْزِلْ هذه الحقيبة من الأطومبيل. قال: لا والله لا أنزلها. قلتُ: يا شيخ أنزلها. قال: والله لا أُنزلها. قلت: لماذا لا تنزلها؟ قال: إذا أنزلتها وسُرقت، سيعلم عبد العزيز بأني لمستُها ويقطع يدي".

الملك عبد العزيز والثورة السورية الكبرى

في عام 1927، توجه القوتلي إلى السعودية للتوسط من أجل سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، المنفي في إمارة شرق الأردن والمهدد بالترحيل من قبل الإنكليز. حاول الأطرش ورفاقه العبور إلى الأراضي السعودية، غير أن أمير قريّات الملح منعهم من الدخول، فتوجه القوتلي لمقابلته، وقال: "إن الثوّار الموجودين في شرق الأردن يقيمون حوالي الأزرق، وجُلّهم من الذين يدافعون عن بلادهم بشهامة وصدق وإخلاص. لقد أنذرهم الجيش الإنكليزي بأن يرحلوا عن المنطقة أو يستسلموا للسلطات الإفرنسية، أو أن الإنكليز سيلقون عليهم القبض ويسلّمونهم لفرنسا، عندئذ يكون نصيبهم الموت والفناء. هؤلاء الثوار لهم أطفال وحريم، وقد بدأ بعض الجنود المتطوعة يعتدون على حرماتهم بأسلوب وحشي. أنت إمامٌ مسلمٌ عظيم، وملكٌ عربيّ جليل، لا تقبل أن يُضام هؤلاء المجاهدون أو يكونوا عرضةً لضياع العرض والشرف. هم يريدون الالتجاء إليك ودخول أراضيك، وقد حاولوا أن يدخلوا فمنعهم أمير قريّات الملح وقال لهم إنه لا يسمح بدخولهم إلّا بإذن من جلالة الملك. جئتُ طالباً أن تسمح لهؤلاء المجاهدين بالدخول ليكونوا في مأمنٍ من شرور عبد الله والإنكليز والإفرنسيّين.

صمت الملك قليلاً ثم قال: حاضر. ونادى أحد رجاله: تعال يا فلان. اجلس واكتب لأمير القريّات أن يسمح بدخول الثوار السوريين إلى وادي سرحان. قلت: يا جلالة الملك، قبل أن يكتب الكاتب أحب أن أعلم جلالتك أن مدة الإنذار الذي حدده الإنكليز لترحيل الثوار تنتهي في 14 يوليو، أي بعد يومين مما نحن فيه. كتابكم لن يصل في أقل من أسبوعين أو ثلاثة، أي بعد فوات الأوان. أريد طريقاً أسرع.

اكتب يا كاتب إلى الحاج أمين الحسيني أن يبلغ السديري في القريّات بأن كل من يدخل أراضينا (بينهم سلطان الأطرش) على الرحب والسعة، وأن يُعلموا الثوّار السوريين الموجودين حول الأزرق هذا الأمر

قال الملك: ماذا أعمل وليس عندي في القريّات هاتف أو برق لأبلغ الأمير ما تريد؟

قلت: إذا سمحتَ أن تبرق إلى الحاج أمين الحسيني في القدس وتبلّغه ما تريد، وهو يحمل برقيتك إلى القريّات ويجلو الثوار عن شرق الأردن قبل حلول موعد الإنذار.

قال: طيب. اكتب يا كاتب إلى الحاج أمين الحسيني أن يبلغ أميرنا السديري في القريّات بأن كل من يدخل أراضينا على الرحب والسعة، وأن يُعلموا الثوّار السوريين الموجودين حول الأزرق هذا الأمر".

ويضيف القوتلي: "كان سلطان باشا ورجاله قد جلوا عن منطقة الأزرق إلى مكان يقال له (الحديثة)، على مسافة قصيرة جدّاً من قريّات الملح، (القريات) ليكونوا على تمام الأهبة للدخول إلى الأراضي السعودية عندما يسمح لهم الملك عبد العزيز بذلك. بعد أن كتبت البرقية وأرسلت للبرق سألني الملك: هل أنت ممنون؟

أجبته بالنفي.

فقال: ماذا تريد بعد؟

قلت: إن إقامة الثوار في أراضيك وتحت رعايتك ستكون مؤقتة، وربما دامت شهراً أو شهرين، أو حتى عاماً أو عامين، ومهما دامت فإنهم لا بدّ أن يعودوا إلى متابعة الثورة والنضال في سبيل الاستقلال. أرجو أن يكونوا خلال إقامتهم في أراضيك معززين مكرّمين، وحائزين منتهى رضاك وعطفك، لينعموا بالراحة والسعادة.

أرسل لهم مالاً يستأجرون به ما يلزمهم من دابة وراحلة للانتقال.

قال: طيب. نؤمن لهم ذلك، فهل تريد شيئاً آخر؟

قلت: نعم يا جلالة الملك أريد. هؤلاء الناس الذين كان الكثيرون منهم أغنياء في بلادهم قبل الثورة قد أصبحوا الآن فقراء معوزين، وليس لديهم شيء يعتاشون به في القريّات. أرجو أن تأمر بإرسال مال لهم للإنفاق منه على المعيشة والراحة.

قال: هل يكفي هذا؟

قلت: يا طويل العمر، إنه لا يكفي، فأرجو أن تخصص لهم بعض الأراضي يفلحونها ويزرعونها، وتزوّدهم بما يحتاجون إليه من بذار وماشية فيدعون لك بدوام الصحة وبقاء الملك.

قال: وماذا بعد ذلك؟

قلت: أرجو أن تخصص لهم ما يؤمن لهم معيشة دائمة من خبز ولحم وسكر ورز، وما يلزم من المواد الغذائية الضرورية.

قال: حاضر. سأطلب من أمير القريّات أن يُعطيهم ما عنده من أموال الزكاة.

قلت: بارك الله فيك يا جلالة الملك، وأريد أن تكلف رجلاً من عندك أن يذهب إلى القريّات ويفرق بيده الأموال على الثوّار، ويبقى هناك حتى يتمم تنفيذ أوامرك.

وهنا نادى رجل اسمه سليمان الشنيفي وقال له: تعال يا شنيفي. أخونا شكري القوتلي سيسافر غداً إلى الأزرق، وأنت تسافر معه. سأعلمك بما يجب عليك أن تعمل.

ثم التفت إليّ الملك وقال: هل أنت مسرور الآن؟

قلت: نعم أنا مسرور غاية السرور، وممتن من جلالتك، وأشكرك شكراً جزيلاً.

لا شك في أن الملك عبد العزيز رجل عظيم، حنّكَتهُ الأيام وعركه الدهر، بل إنه حنّك الأيام وعرك الدهر. وعندما تتبيّن له الأمور جلية واضحة، لا تأخذه العِزّةُ بالإثم

ذهبت إلى الملك لوداعه ومعي صبري العسلي، وقلت له: يا جلالة الملك، نستودعك الله تعالى، ونحن نشكر معروفك مع الثوار، وقد قال لي فؤاد حمزة إنك أعطيته مبلغاً من المال لنا، وأنا والأخ صبري العسلي نعتذر من جلالتك، لأننا والحمد لله لسنا في حاجة إلى شيء ولا نريد منك سوى خدمة قضايا العرب والمسلمين.

قلت له: أرجو من جلالة الملك أن يتقبل مني ومن صبري بك أن لا نأخذ شيئاً، لأننا لسنا في حاجة، وعندي من المال من فضل الله عز وجل الشيء الكثير.

قال: أنت محكوم عليك بالإعدام في سوريا، وقد صودرت أموالك وأملاكك في دمشق. كيف تعيش في مصر؟ أنا أعطيك هذا المبلغ ليقوم بأودك مدة غيابك عن وطنك.

فقلت: أشكرك يا جلالة الملك أجزل الشكر، وأكرر أنني لست في حاجة إلى شيء.

قال: النبي صلى الله عليه وسلّم قبل الهدية، وهذا المبلغ هدية مني إليك فاقبله.

قلت: يا جلالة الملك، أنا لا آخذ مالاً ، ولكن إذا شئت، فأنا أقبل منك فرساً أو سيفاً أو خنجراً على سبيل الهدية، ولكن ليس الآن، بل عندما أعود إلى دمشق إن شاء الله. أمّا الآن، فإن الفرس أو السيف أو الخنجر سيكون عالة عليّ وأنا بعيد عن أهلي ومدينتي. وعندما أعود إليها، أنا أطلب منك مثل هذه الهدية كتذكار ثمين للمحبة والإخاء والإخلاص. أمّا الآن، فإنني أستودعك الله تعالى.

قال الملك: أتعدني بأن تطلب؟

قلت: أعدك بأن أطلب فرساً أو سيفاً أو خنجراً عندما أعود إلى دمشق".

ويختم القوتلي قائلا: "ودعنا الملك وتوجهنا من مكة إلى جدّة، وفي أثناء الطريق التفت إليّ صبري العسلي وقال: سبحان ربي كيف صارت الأمور إلى هذا الشكل؟

فأجبته: ما حصل كان من رضا الله سبحانه وتعالى، ومن توفيقه لنا وللثوّار. لا شك في أن الملك عبد العزيز رجل عظيم، حنّكَتهُ الأيام وعركه الدهر، بل إنه حنّك الأيام وعرك الدهر. وعندما تتبيّن له الأمور جلية واضحة، لا تأخذه العِزّةُ بالإثم، أو يصرّ على المكابرة، بل يتخذ من ذلك ميداناً يثبت فيه بطولته".

استمرت علاقة الرئيس القوتلي بالملك عبد العزيز من يومها وتوطدت. وفي عام 1941 دعاه الأخير إلى السعودية لحمايته من الاعتقال، وتجدد اللقاء بينهما في مصر عام 1945 بعد اجتماع الملك بالرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت، وللمرة الأخيرة في الرياض خلال مراحل التحضير لحرب فلسطين.

تصنيفات

قصص قد تهمك