
عاد مفاعل "آراك" للماء الثقيل، وهو أحد أهم مكونات البرنامج النووي الإيراني، إلى واجهة الأحداث بعد إعلان الجيش الإسرائيلي استهدافه، فيما أشارت طهران إلى أن تعرض المنشأة لضربات جوية، دون تسجيل تسرب لمواد مشعة، وفق وكالة "فارس".
وذكرت وسائل إعلام أميركية أن الضربات الجوية استهدفت بنى تحتية نووية في وسط إيران، بما في ذلك "مجمع خنداب" للماء الثقيل قرب "أراك"، في إطار الهجمات على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، مع عدم تسجيل ضحايا أو تسرب إشعاعي.
وسبق أن تعرض مفاعل "آراك" في إيران لضربة جوية في يونيو 2025، وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتقارير أميركية، التي أفادت بأن مفاعل "خنداب" البحثي أصيب خلال ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية.
ويعمل الماء الثقيل في بعض أنواع المفاعلات النووية، على تبريد المفاعل وإزالة الحرارة الناتجة عن التفاعلات النووية، كما يمكن استخدامه لإنتاج البلوتونيوم المستعمل في صناعة الأسلحة الذرية، وهو ليس مشعاً في حد ذاته، لكنه يستخدم في بعض أنظمة المفاعل لإبطاء النيوترونات الناتجة عن الانشطار النووي.
التاريخ ومسار التطوير
وظهرت خطط إيران لبناء مفاعل "آراك" في تسعينيات القرن الماضي، وبدأت أعمال الإنشاء الفعلي في أوائل الألفية الجديدة.
وفي عام 2002، أخطرت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نيتها بناء المفاعل، لكن الوكالة أبدت مخاوف بشأن نقص الشفافية. وبنهاية العقد الأول من القرن الـ21، أصبح المفاعل مكتملاً من الناحية الإنشائية، لكنه لم يكن مزوداً بالوقود أو يعمل بكامل طاقته.
ويقع المجمع النووي بالقرب من مدينة آراك في محافظة مركزي، على بعد نحو 250 كيلومتراً جنوب غربي طهران، ويتكون من منشأتين رئيسيتين هما محطة إنتاج الماء الثقيل HWPP، ومفاعل IR-40 بقدرة حرارية تبلغ 40 ميجاواط.
ويمتد المفاعل على مساحة نحو 65 هكتاراً (الهكتار يعادل 10 آلاف متر مربع)، ويُعد مفاعلاً يتم تبريده بالماء الثقيل، ويعمل باليورانيوم الطبيعي، وتقدر سعته الإنتاجية ما بين 8 إلى 10 كيلوجرامات من البلوتونيوم سنوياً، وهي كمية تكفي لصنع قنبلة نووية أو اثنتين سنوياً في حال معالجة الوقود المستخدم، وفق Institute for Science and International Security (ISIS).
ونظراً لإمكانياته التقنية، وخصوصاً في إنتاج البلوتونيوم، أصبح مفاعل "آراك" أحد محاور التفاوض الأساسية في المحادثات الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وإلى جانب المفاعل يقع مصنع إنتاج الماء الثقيل، وهو مصدر المادة المستخدمة لتبريد وتعديل سرعة النيوترونات داخل المفاعل، وعلى عكس الماء العادي، يُمكّن الماء الثقيل المفاعل من استخدام اليورانيوم الطبيعي دون الحاجة لتخصيبه.
ورغم أن دوره أُعيد تشكيله بموجب الاتفاقيات الدولية السابقة، لكنه ظلَّ يحتل موقعاً مركزياً في المباحثات بشأن نوايا إيران النووية.
الأهمية الاستراتيجية
تقول إيران إن مفاعل "آراك" صُمم لأغراض سلمية وبحثية، منها إنتاج النظائر المشعة لأغراض طبية وصناعية، وتدريب الكوادر الهندسية النووية، وإجراء تجارب النيوترونات في الأبحاث العلمية.
لكن بسبب تصميمه وقدرته على إنتاج البلوتونيوم، كان يُنظر إلى المفاعل على أنه تهديد حقيقي في مسار الانتشار النووي، خاصة في ظل سجل إيران السابق في إخفاء بعض أنشطتها عن المفتشين الدوليين، وفق منظمة Arms Control Association الأميركية غير ربحية والتي تركز على قضايا الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي.
ولعب "آراك" أدواراً متعددة في مشروع إيران النووي، فبينما يُمثل "نطنز" و"فوردو" المسار القائم على تخصيب اليورانيوم، فإن "آراك" شكّل المسار الثاني عبر البلوتونيوم.
وتمسكت إيران بالمفاعل رغم الضغوط الدولية، كما شكّل ورقة قوية خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة أو ما يعرف بالاتفاق النووي عام 2015.
وفي إطار الاتفاق، وافقت إيران على إعادة تصميم المفاعل بحيث يُنتج كمية قليلة جداً من البلوتونيوم لا تُستخدم في الأغراض العسكرية، وتم تنفيذ التعديل بمساعدة الصين وتحت إشراف بريطانيا، وأعادت تصميم قلب المفاعل واستخدام يورانيوم منخفض التخصيب بدلاً من الطبيعي.
وخلال عام 2014، في إطار تنفيذ الاتفاق النووي، أزالت إيران وعاء المفاعل الأساسي، ثم ملأته بالخرسانة لجعله غير قابل للتشغيل، كدلالة على الالتزام بالتخلي عن مسار البلوتونيوم، لكن بعد انسحاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي عام 2018، بدأت إيران تقليص التزاماتها، وأُثيرت مخاوف من أنها قد تعيد تصميم المفاعل ليعود إلى وضعه السابق.
التحصين ومخاطر الاستهداف
وعلى عكس "فوردو" المدفون تحت الجبل، أو "نطنز" شبه المحصن، فإن مفاعل "أراك" منشأة سطحية ذات دفاعات محدودة، وتقع في منطقة مفتوحة من دون تضاريس تحميه، مما يجعلها هدفاً سهلاً نسبياً للهجمات العسكرية.
ومع ذلك، حتى قبل بدء الحرب بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025 كان هناك عوامل قلّلت من احتمالية استهدافه، إذ ظل المفاعل تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتصميم الجديد يخضع لإشراف دولي.
وخلال يونيو، أعلنت إسرائيل إدراج المفاعل ضمن قائمة أهدافها في إيران، وشنّت ضربات جوية عديدة وطلبت من السكان في المناطق المجاورة إخلاء أماكنهم، بينما قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن لديها معلومات تفيد بتضرر بنايات رئيسية في مجمع "أراك" النووي للماء الثقيل.








