
بإعلان الحكومة الإسرائيلية عن إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، يرتفع عدد المستوطنات التي أقامتها هذه الحكومة خلال أقل من أربع سنوات إلى 103 مستوطنات.
وتبيَّن بعد نشر خريطة المستوطنات الجديدة، أنها أُقيمت لتحقيق الأهداف السياسية المعلنة لهذه الحكومة بضم الضفة الغربية، وقتل أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلاً، ذلك أن عدداً منها أُقيم على الخط الأخضر الفاصل بين إسرائيل والضفة الغربية، بهدف محو أي حدود سياسية بينهما، كما أن عدداً آخر أُقيم على تخوم المدن الفلسطينية بهدف وضع عائق أمام النمو المستقبلي لهذه المدن.
وقال مسؤول التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود لـ"الشرق": "المستوطنات التي قررت حكومة بنيامين نتنياهو إقامتها خلال ولايتها هدفت إلى منع إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً من خلال تفتيت جغرافيا الضفة الغربية، وملء المناطق الفارغة بالمستوطنات مثل منطقة جنين، وقطع الترابط الجغرافي بين التجمعات السكانية الفلسطينية، وإقامة عوائق أمام نمو هذه التجمعات وتمددها مستقبلاً".
وأضاف داود: "جنين كانت خالية من المستوطنات في العقدين الأخيرين، وإن الخطة الجديدة تقيم 16 مستوطنة في أراضيها".
ولا تخفي حكومة نتنياهو سياساتها القائمة على التوسع الاستيطاني لغرض ضم الضفة الغربية، إذ نص برنامجها السياسي، لدى تأسيسها، على ذلك.
تمهيد
ومهدت الحكومة الإسرائيلية لقرارها الجديد بسلسلة قرارات تسهل السيطرة على الأرض، وإقامة التجمعات الاستيطانية فيها، منها قرار فتح سجلات الأراضي أمام المستوطنين، وإزالة أي عوائق قانونية أمام حرية التملك الفردي لهم في كافة المناطق، وإعادة فرض السيادة الإسرائيلية في قلب المناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية.
وتتيح هذه القرارات للحكومة الإسرائيلية الإعلان عن استملاك أراضي فلسطينية خاصة وتحويلها إلى أراضي عامة لأغراض التوسع الاستيطاني.
وتبيّن خريطة المستوطنات الجديدة أن بعضها سيقام على أراضي خاصة وليست أراضي عامة.
غزة على المسار
وكشف النقاب في الأيام الأخيرة عن قيام الجيش الإسرائيلي بحفر خندق أرضي حدودي على طول الخط الأصفر الذي حدد في اتفاق وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر الماضي.
وصرح عدد من المسؤولين الإسرائيليين، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أن حكومته تعمل على رسم حدود جديدة داخل قطاع غزة تشمل الأراضي الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي والتي تزيد على نصف مساحة القطاع. وقال سموتريتش إن خطط حكومته التوسعية هذه لا تقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة بل تشمل أيضاً مساحات واسعة في جنوب لبنان وجنوب سوريا.
وأشار في تصريحه إلى أن الجيش لن يغادر الأراضي التي وصل إليها في كل من جنوب لبنان وجنوب سوريا وقطاع غزة والضفة الغربية.
تهجير
وسبق هذه القرارات قيام ميليشيات المستوطنين بحملة تهجير وإرهاب واسعة في الضفة الغربية، قامت خلالها بتهجير وإخلاء عشرات التجمعات السكانية، وإقامة عشرات البؤر الاستيطانية مكانها.
وشملت عمليات التهجير هذه قتل وإصابة العشرات من المواطنين الفلسطينيين في اعتداءات وثّقتها مؤسسات حقوق إنسان دولية وإسرائيلية، وتغاضت عنها السلطات الإسرائيلية بصورة كاملة. وذكرت تقارير نُشرت في بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، خاصة صحيفة "هآرتس"، أن وزير المالية سموتريتش وجهات رسمية حكومية تقف وراء هذه الميليشيات، وتوفر لها الغطاء السياسي والقانوني على نحو يتيح لأفرادها ارتكاب جرائم قتل وسرقة مواشي وحرق بيوت وسيارات دون مسائلة.
الجنود متورطون
وبيّنت شهادات حية تورط الجنود الإسرائيليين بصورة مباشرة في جرائم يرتكبها المستوطنون، ومن بينها قيام الجنود بمرافقة المستوطنين أثناء الاعتداءات على الفلسطينيين والتدخل الفوري لصالحهم. ففي قرية تياسير شرق مدينة طوباس، قتل الجنود، في التاسع من الشهر الجاري، الفتى علاء صبيح بعد أن حاول صد المستوطنين الذين اقتحموا ساحة بيته وقاموا بإتلاف دفيئة زراعية.
وقالت عائلة علاء صبيح لـ"الشرق"، إن أحد الجنود كان يقف على مقربة من المستوطنين، ويشاهدهم وهم يمزقون الدفيئة الزراعية، قام بإطلاق النار على علاء فور أن شاهده يتصدى للمستوطنين ويحاول منعهم من مواصلة تخريبها".
وذكر مواطنون في القرية أن الجنود الذين يتواجدون على الحاجز العسكري المقام شرقي القرية يقومون بتوفير الحماية لبؤرة استيطانية أقيمت على أراضيهم، وتنطلق منها الاعتداءات اليومية على البيوت الواقعة في أطراف القرية.
ونشر عدد من قادة المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيليين السابقين، وعدد من المعلمين والمثقفين عرائض يحثون فيها الحكومة الإسرائيلية على وقف ظاهرة "عنف المستوطنين"، لكن هذه الدعوات لم تحظ بأي استجابة، بل على العكس، ظهر عدد من المثقفين والإعلاميين الإسرائيليين للدفاع عن الظاهرة معتبرين أنها واحدة من الظواهر التي ظهرت في المجتمع الإسرائيلي، تشبه ظاهرة العنف في الوسط العربي وغيرها.
نهاية حل الدولتين
وخلص التقرير الاستراتيجي لعام 2026، الذي يعده مركز مدار للدراسات الإسرائيلية، ونُشر مؤخراً، إلى أن الحكومة الإسرائيلية توسعت في عام 2025 ومطلع العام الجاري في تنفيذ استراتيجية تحويل الحرب إلى فرصة لبناء "إسرائيل الجديدة" بوصفها دولة فائقة القوة، متحررة من القيود، وقادرة على فرض الوقائع؛ بالتركيز على تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة تشكيل الإقليم وفق ميزان القوة الإسرائيلي".
وذكر التقرير الذي أعده نخبة من كبار الباحثين المختصين في الشؤون الإسرائيلية، أن الحكومة الإسرائيلية قامت بفتح مسارات في الضفة وغزة تتجاوز وقائع أوسلو وتغلق باب حل الدولتين ويدفع الفلسطينيين والمجتمع الدولي للبحث عن بديل له.
وقال القرير إن ذلك "لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه داخل فضاء سياسي واحد بين النهر والبحر".
ولاحظت الدكتور هنيدة غانم، مديرة المركز المشرفة على التقرير، أن هذا التغيير لا يخدم دولة إسرائيلية "لأنه يأتي في ظل تآكل متزايد في شرعيتها الدولية، امتد على نحو غير مسبوق إلى الساحة السياسية الأميركية".








