
شهدت مدينة كيدال شمالي مالي تحولاً ميدانياً جديداً مع عودة المتمردين الطوارق للسيطرة عليها، في تطور يُعيد المدينة إلى واجهة الصراع التاريخي في منطقة أزواد.
وسقطت كيدال خلال هجوم منسق نهاية الأسبوع استهدف منشآت عسكرية في أنحاء البلاد. وكانت هذه المدينة الصحراوية خاضعة لسيطرة المتمردين لنحو عقد من الزمن، قبل أن تستعيدها القوات المالية إلى جانب مقاتلين مرتبطين بالكرملين يعملون حالياً تحت اسم "فيلق إفريقيا" في عام 2023، لكنها عادت الآن لتسقط مجدداً بيد الانفصاليين.
"طوارق مالي"
يبلغ عدد سكان كيدال نحو 55 ألف نسمة أغلبيتهم من الطوارق، مع وجود جماعات أخرى. وفي السنوات الأخيرة، ارتفع عدد السكان بسبب تدفق آلاف النازحين داخلياً، الذين فروا من تنظيم "داعش" في منطقة ميناكا.
وتعد كيدال، المعقل التاريخي للانتفاضات الانفصالية، وتقع على بعد أكثر من 1500 كيلومتر و24 ساعة سفراً بالسيارة من العاصمة باماكو.
وقد خلت المدينة من جزء كبير من سكانها، في أعقاب معارك عنيفة دارت نهاية الأسبوع الماضي بين قوات الجيش المالي وجماعات مسلحة، وانتهت بانسحاب الجيش من هذه المدينة الاستراتيجية.
وتحتل كيدال مكانة خاصة في جغرافيا ووعي منطقة الساحل الإفريقي، فهي موقع عسكري فرنسي سابق منذ بداية القرن العشرين، وتُعد محطة حيوية بين مالي والجزائر، كما تبعد مئات الكيلومترات عن مدن الشمال الكبرى مثل جاو وتمبكتو.
وتعتبر كيدال مركزاً تاريخياً للتمردات الانفصالية التي شهدها مالي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960. وكان رئيس المجلس العسكري أسيمي جويتا قد خدم في كيدال سابقاً.
وتزخر كيدال بثروات طبيعية مهمة، من بينها الذهب ومعادن أخرى، ما جعلها هدفاً للجماعات المسلحة والمتشددة الناشطة في منطقة الساحل.
ما الذي يجعل كيدال مهمة؟
منذ عام 2013، كانت كيدال تحت سيطرة "تنسيقية حركات أزواد" (CMA)، وهي تحالف من جماعات مسلحة (الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، المجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية) يغلب عليها الطوارق.
وشكّل هذا الوضع تحدياً لسيادة الدولة على كامل أراضيها، خصوصاً بالنسبة للضباط الذين استولوا على السلطة في باماكو عام 2020 وجعلوا استعادة السيادة شعارهم الأساسي.
وكانت منطقة كيدال من أولى المناطق التي سقطت بيد المتمردين عام 2012، بعضهم انفصاليون وآخون من جماعات دينية متشددة، ما أدخل مالي في أزمة مستمرة حتى اليوم. ثم سيطر عليها المتشددون بالكامل قبل أن يستعيدها الانفصاليون عام 2013 عقب التدخل الفرنسي.
كما كانت كيدال مهد كل الانتفاضات التي عرفتها مالي في تاريخها (1916، 1963-1964، 1990-1996، 2012).
كما شكلت نقطة توتر بين باماكو وباريس، حيث تتهم السلطات المالية فرنسا بأنها سمحت بإنشاء "منطقة نفوذ" للانفصاليين عام 2013 ومنعت الجيش المالي من دخولها، وهو ما تنفيه باريس.
كيف سقطت كيدال؟
في 2014، وافق المتمردون في الشمال تحت ما يسمى "الإطار الاستراتيجي الدائم للسلام"، والذي ضم جميع الحركات الانفصالية في إقليم أزواد، على وقف إطلاق النار.
وبحلول العام 2015 وقعوا اتفاق سلام مع الحكومة تخلوا بموجبه عن مشروع الاستقلال مقابل مزيد من الاندماج والحكم الذاتي. لكن كثيراً من الماليين اعتبروا الاتفاق تكريساً لتقسيم البلاد، ورأوا أن استعادة كيدال تصحيح لهذا الوضع.
كان الاتفاق هشاً حتى قبل وصول المجلس العسكري للحكم في 2020، ثم تصاعدت التوترات لاحقاً، واستؤنفت المواجهات، والتي دامت لسنوات.
وأدى انسحاب بعثة مينوسما (بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي) في عام 2023، إلى سباق بين الجيش والمتمردين والجماعات المتشددة للسيطرة على المناطق والمعسكرات التي تركتها القوات الأممية.
وكانت كيدال تمثل الهدف الأهم في هذا الصراع. وبعد مغادرة البعثة الأممية معسكرها في 31 أكتوبر 2023، سارع المتمردون للسيطرة عليه، ما أثار استياء المجلس العسكري. لكن الجيش كان قد أعد منذ أسابيع قوة للتقدم نحو المدينة، وهو ما مكنه في النهاية من استعادتها في نفس العام.
وبعد 3 سنوات من الاستقرار الهش، استعاد المسلحون الانفصاليون مرة أخرى، السيطرة على مدينة كيدال بعد هجوم واسع، ما أدى إلى انسحاب القوات المالية ومقاتلي "فيلق إفريقيا" المدعوم من روسيا.
وسقطت كيدال خلال هجوم منسق نهاية الأسبوع الماضي، استهدف منشآت عسكرية في أنحاء البلاد،
وأعلن "فيلق إفريقيا"، وهو قوة تشرف عليها وزارة الدفاع الروسية، الاثنين انسحابه من كيدال في بيان نادر نُشر على قناته في "تلجرام". وقالت الوحدة، التي خلفت مجموعة فاجنر في 2023، إن الانسحاب كان "قراراً مشتركاً" مع مالي.
وكان زعيم المجلس العسكري في مالي، الجنرال أسيمي جويتا، قد استولى على السلطة في 2021، مبرراً ذلك بفشل القيادة المدنية في احتواء تمرد مسلح مستمر منذ عقد في شمال ووسط البلاد، أسفر عن سقوط الآلاف. كما قام بطرد قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والقوة الأوروبية لمكافحة الإرهاب، والقوات الفرنسية.
وتعد مالي واحدة من 3 دول يقودها عسكريون ضمن "تحالف دول الساحل"، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو. ووصلت الأنظمة الثلاثة إلى السلطة عبر انقلابات بين 2021 و2023، وطردت القوات الفرنسية، واتجهت نحو موسكو للحصول على الدعم الأمني. وكانت مالي الأكثر اندماجاً مع "فيلق إفريقيا"، حيث عمل مقاتلوه بشكل علني إلى جانب الجيش المالي، خاصة خلال حملة استعادة كيدال في 2023.
تداخل الجماعات المسلحة
في 2014، وافق المتمردون في الشمال تحت ما يسمى "الإطار الاستراتيجي الدائم للسلام"، والذي ضم (الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، المجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية) على وقف إطلاق النار مع القوات المالية. لكن بعض المجموعات انسحبت من الإطار، ولم يعد يضم سوى جزء منها.
وتصف السلطات المالية جميع خصومها في كيدال بأنهم "جماعات إرهابية"، دون التمييز بين المتمردين الموقعين على الاتفاق والجماعات المرتبطة بالقاعدة أو تنظيم "داعش".
ويرى منتقدون أن هذا الخلط يهدف إلى تبرير العمليات العسكرية، وفق صحيفة "لوموند".
من جانبهم، يؤكد المتمردون أنهم يعادون الجماعات المرتبطة بالقاعدة و"داعش"، رغم وجود تداخل بين بعض المقاتلين في السنوات الماضية، كما أن بعض الفصائل تعود جذورها إلى جماعات مرتبطة بالقاعدة.
وفي الوضع الحالي، تتقاطع مصالح المتمردين والجماعات المرتبطة بالقاعدة و"داعش" في مواجهة الجيش، لكنهم ينفون وجود تنسيق مباشر بينهم.
وشهد عام 2012 تحالفاً مؤقتاً بين الطرفين ضد الجيش، قبل أن تنقلب الجماعات المرتبطة بالقاعدة و"داعش" على الانفصاليين وتسيطر على الشمال، إلى أن استعادت القوات المالية، بدعم فرنسي، السيطرة في 2013.








