
يتصدر عضو الحزب الجمهوري ومقدم البرامج السابق في شبكة Fox News، ستيف هيلتون، استطلاعات الرأي لتولي منصب حاكم ولاية كاليفورنيا، خلفاً للحاكم الحالي جافين نيوسوم، إذ يحظى المستشار السابق لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق ديفيد كاميرون بنجاح باهر، بحسب صحيفة "الجارديان".
وقلما أثبتت طموحات سياسية على مدى العقدين الماضيين عبثيتها أكثر من الترشح لمنصب على مستوى ولاية كاليفورنيا عن الحزب الجمهوري، ومع ذلك، فإن هيلتون البريطاني الأصل، ورجل الأعمال السابق الذي يدعي صداقته مع نصف أعضاء حكومة دونالد ترمب، يحظى بنجاح.
وقبل أقل من 6 أسابيع على الانتخابات التمهيدية التي اتسمت بعدم القدرة على التنبؤ، تشير معظم استطلاعات الرأي إلى تقدم هيلتون، الذي يحمل الجنسيتين البريطانية والأميركية، بفارق ضئيل على مجموعة من الديمقراطيين المنقسمين في السباق لخلافة جافين نيوسوم في منصب حاكم الولاية.
ويعد ذلك تحولاً مذهلاً في ولاية يتمتع فيها الديمقراطيون بأغلبية ساحقة في المجلس التشريعي للولاية، وبتفوقهم على الجمهوريين بنسبة 2:1 في تسجيل الناخبين.
وحظي هيلتون، إلى جانب المرشح الجمهوري الآخر عمدة مقاطعة ريفرسايد تشاد بيانكو الذي يحتل مراكز متقدمة في استطلاعات الرأي، بدعم جزئي من حالة الارتباك التي تعمّ صفوف الحزب الديمقراطي، حيث لم يبرز أي مرشح كمرشح أوفر حظاً في ظلّ المنافسة الشديدة، كما تمّ استبعاد أحد أبرز المرشحين، إريك سوالويل، من السباق السياسي الشهر الماضي إثر اتهامات بـ"الاعتداء الجنسي وسوء السلوك". وقد نفى سوالويل هذه الادعاءات بشدة.
لكن هيلتون يمتلك أيضاً أكبر عدد من المتبرعين الأفراد لحملته الانتخابية، ويحتلّ المركز الثالث في جمع التبرعات بعد الملياردير الديمقراطي توم ستاير، المعروف بإنفاقه السخي وتمويله الذاتي لحملته، والسياسي الوسطي مات ماهان المدعوم من وادي السيليكون.
وتتسم جولات هيلتون الانتخابية عادةً بالحماس والنشاط، وقد خالف بذلك الاعتقاد السائد بأنّ الحملات الانتخابية في كاليفورنيا تُحسم وتُربح عبر وسائل الإعلام، إذ قام بدلاً من ذلك بزيارة كل ركن تقريباً من الولاية، مستخدماً براعته في صياغة عبارات موجزة لجذب الجميع، من المزارعين إلى الأمهات في الضواحي إلى أصحاب الأعمال الصغيرة من أصول لاتينية بحجة أن حكم الحزب الواحد من قبل الديمقراطيين كان كارثياً وأن الوقت قد حان لتغيير جذري.
استياء في كاليفورنيا
وقال هيلتون في نهاية الأسبوع الماضي أمام حشد في هنتنجتون بيتش، وهي مدينة ساحلية تشتهر برياضة ركوب الأمواج، وخالفت حكومتها المحلية سمعة الولاية الذهبية الليبرالية بانحيازها الحاد نحو اليمين المؤيد لترمب: "مع مرور كل يوم، يزداد إيماني بقدرتنا على تحقيق هذا الهدف.. هناك أغلبية مؤيدة للتغيير في كاليفورنيا".
ويسعى هيلتون إلى استغلال نفس الزخم السياسي الذي استغله عندما ساهم في إعادة صياغة صورة الحزب المحافظ خلال سنوات ركوده قبل عقدين من الزمن.
ولا يزال الفوز في نوفمبر يبدو بعيد المنال، لكن قادة الحزب الديمقراطي في الولاية قلقون بشدة من احتمالات فقدانهم السيطرة على أغنى ولاية أميركية وأكثرها اكتظاظاً بالسكان، للمرة الأولى منذ أن شقّ أرنولد شوارزنيجر طريقه من هوليوود إلى منصب الحاكم عام 2003.
وبموجب إصلاحات عهد شوارزنيجر، لم تعد الولاية تختار مرشحاً ديمقراطياً وآخر جمهورياً للتنافس في الانتخابات العامة، بل تجري انتخابات تمهيدية مفتوحة يتأهل فيها المرشحان الحاصلان على أعلى الأصوات بغض النظر عن انتمائهما الحزبي. وهناك احتمال ضئيل لتأهل هيلتون وبيانكو وإقصاء الديمقراطيين تماماً.
لكن هيلتون لا يراهن على هذا الاحتمال، بل إنه يسعى لما يسميه "ثورة سياسية" في لحظة فاصلة يتخلى فيها الناخبون الديمقراطيون بأعداد كبيرة عن ولائهم الحزبي بسبب معاناتهم من غلاء المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، فضلاً عن كونها من بين الولايات الثلاث الأولى في معدل البطالة، وتدني تصنيفها في مؤشر الفرص الاقتصادية.
ولا شك أن هيلتون محق في قوله إن الناس غير راضين عن هذه الأمور، فبحسب استطلاع رأي موثوق، يعتقد غالبية سكان كاليفورنيا أن ولايتهم تسير في الاتجاه الخاطئ، حيث يتصدر التضخم وتكاليف السكن والرعاية الصحية قائمة مخاوفهم.
ويأخذ منافسو هيلتون الديمقراطيون هذه القضايا على محمل الجد أيضاً، ويصفون كاليفورنيا بأنها "باهظة التكاليف" وتمر بأزمة، وخلال جولاته الانتخابية، يصوّر هيلتون السنوات الـ16 الماضية من حكم الحزب الديمقراطي في الولاية على أنها "متضخمة"، ومهتمة بشكل مفرط بفرض ضرائب باهظة على الشركات الصغيرة، ومثقلة كاهل المواطنين العاديين بالقواعد والبيروقراطية، ما يُعدّ تضحية بالمصلحة العامة لصالح ما يصفه بازدراء واضح بأنه "بئر أموال لا قعر لها" في سكرامنتو، عاصمة الولاية.
وتلقى هذه الرسالة صدىً في أماكن مثل داوني، إحدى ضواحي لوس أنجلوس التي تُعرف أحياناً باسم "بيفرلي هيلز المكسيكية"، نظراً لنشاط طبقة رجال الأعمال اللاتينيين فيها، والتي شهدت تحولاً بنسبة 18.8% من الديمقراطيين إلى ترمب في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
وأبدى الحضور في حفل غداء، أُقيم لهيلتون في مركز تجاري محلي، حماساً كبيراً لوعوده بإلغاء ضريبة الأعمال السنوية الثابتة البالغة 800 دولار، وتعهده بالتصدي لدعاوى تعويضات العمال التي وصفها بأنها عملية احتيال يديرها محامون وحلفاؤهم السياسيون في الحزب الديمقراطي.
انتقام من الديمقراطيين
وفي فعاليتين أعقبتا مباشرةً غداء العمل في داوني، الأولى في كنيسة إنجيلية محافظة، والثانية أمام نادي هنتنجتون بيتش الجمهوري في حانة رياضية شهيرة، تحدث هيلتون عن صداقته الوثيقة مع تشارلي كيرك، الموالي المثير للجدل لترمب والناشط الطلابي الذي تبنى نظرية مفادها أن المهاجرين يأتون إلى أميركا "ليحلوا محل" المسيحيين البيض، إلى جانب مواقف متطرفة أخرى، قبل أن يُقتل رمياً بالرصاص في يوتا في سبتمبر 2025.
وقال هيلتون عن كيرك: "إنه معي في كل خطوة من هذه الرحلة.. سننقذ كاليفورنيا، وسنفعل ذلك من أجل تشارلي".
وأجاب هيلتون بإيجابية على أسئلة المشككين في اللقاحات، قائلاً إنه يرى أن من "المشين" أن يُشترط تطعيم الأطفال للالتحاق بالمدارس الحكومية، وأنه يؤمن إيماناً راسخاً بـ"الحرية الطبية".
وأثار هيلتون حماس الحضور بوعود لا تقتصر على سياسة جديدة فحسب، بل تتضمن نوعاً من الانتقام، فقد قال عن الديمقراطيين في كاليفورنيا: "انتهى الأمر بالنسبة لهؤلاء الناس.. انتهى الأمر تماماً".
وفي موضع آخر، متحدثاً عن عمليات الإغلاق بسبب جائحة فيروس كورونا في عامي 2020 و2021، وهو مصدر استياء مستمر بين الجمهوريين المؤيدين لترمب الذين رأوا في أقنعة الوجه وإغلاق الأعمال التجارية انتهاكاً لحرياتهم الشخصية، قال: "يجب ألا ندعهم ينسون ما فعلوه بنا".
واتهم هيلتون الديمقراطيين في كاليفورنيا بإجراء "عدد هائل من التغييرات في اللحظات الأخيرة، ما أدى إلى انعدام ثقة كبير في النظام قبيل انتخابات 2020"، في محاولة منه لتشويه سمعة سباق انتخابي تُشير نتائج فرز الأصوات، وعشرات الأحكام القضائية، وقرارات الكونجرس، إلى خسارة ترمب الواضحة أمام جو بايدن.
وكانت التغييرات التي أشار إليها تتعلق بقواعد التصويت عبر البريد في كاليفورنيا في أعقاب جائحة فيروس كورونا، إلا أن التقارير عن محاولات الغش في ذلك العام كانت نادرة، ولم تُكشف إلا بفضل إجراءات الحماية التي تم إحباطها داخل النظام.
في هذه القضية وغيرها، يبدو أن الخلافات بين هيلتون والقيادة الجمهورية اليمينية المتشددة في هنتنجتون بيتش، التي لطالما انتقدت النظام الانتخابي في كاليفورنيا لسنوات دون تقديم أدلة على وجود مشاكل جوهرية، ضئيلة للغاية.
وتُذكّر هذه الرسائل بعمل هيلتون مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (2010 - 2016)، حين كان له دورٌ محوريٌّ في تغيير الصورة المتشددة لحزب المحافظين في بريطانيا، ووعد برؤية "مجتمعٍ كبير"، مُشيراً إلى الحركة البيئية بتغيير شعار الحزب من شعلةٍ إلى شجرة، وحرصاً على أن يبدو كاميرون وغيره من الشخصيات الرئيسية ودودين لا بعيدين، وهو ما وُصف آنذاك بلحظة "احتضان المحافظين" لـ"الشخصية العامة".
وقد أُثيرت تساؤلاتٌ آنذاك حول مدى اعتدال آراء هيلتون، إذ انضم لاحقاً إلى حملة بوريس جونسون للخروج من الاتحاد الأوروبي (2017)، وتعود هذه التساؤلات للظهور مجدداً الآن، لا سيما مع مواجهة هيلتون لجمهورٍ جمهوريٍّ أكثر تعصباً.
عقبات أمام هيلتون
لكن السؤال المطروح هو: هل تملك هذه المشاعر، والمرشح الذي يتبناها، فرصة لاختراق جدار كاليفورنيا الأزرق المنيع، في عام يُتوقع أن يكون صعباً على الجمهوريين على الصعيد الوطني؟
إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه هيلتون هي حصوله على تأييد ترمب في ولاية لا تتجاوز فيها نسبة تأييد الرئيس 25%، أي أقل بنحو 10 نقاط من المتوسط الوطني. في المقابل، تبلغ نسبة تأييد نيوسوم حوالي 50%.
ويصف هيلتون نفسه بأنه "براجماتي، لا أيديولوجي"، ويشير إلى تجربته في حكومة ائتلافية في عهد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون كدليل على قدرته على العمل بفعالية مع أشخاص لا تتوافق توجهاتهم السياسية مع توجهاته.
ويرى أن انسجامه مع ترمب وحكومته ميزة محتملة، ووسيلة لجذب التمويل الفيدرالي وأشكال أخرى من التعاون من واشنطن، ما يأمل أن يُخفف من حدة التوتر بعد أكثر من عام من الخلافات والاتهامات المتبادلة بين ترمب ونيوسوم.
يشار إلى أن هيلتون انطلق في حملته الانتخابية لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا في أبريل 2025 من مدينة هنتنجتون بيتش، وقد استلهم العديد من الاستراتيجيات من القيادة المحلية، بما في ذلك فكرة ترشيح مجموعة من المرشحين الذين يدعمون بعضهم بعضاً.
ولهيلتون شريكة فكرية يعتبرها "نائبته"، وهي عضوة مجلس الشيوخ السابقة (والديمقراطية السابقة) جلوريا روميرو، التي تسعى لمنصب نائب الحاكم.
كما شكّل تحالفاً مع مايكل جيتس، المدعي العام السابق لمدينة هنتنجتون بيتش، والمرشح لمنصب المدعي العام للولاية، إذ يصف هذا التحالف غير الرسمي بأنه "الخيار الذهبي"، ويطمح إلى استخدامه ليس فقط لتعزيز مكانته، بل لمحاولة كسر الأغلبية الديمقراطية الساحقة في مجلسي النواب والشيوخ في كاليفورنيا.












