
شهدت اليابان أكبر احتجاجات دعماً لـ"الدستور السلمي"، في وقت دعت فيه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى إدخال تعديلات عليه، وفق صحيفة "الجارديان".
ودعت تاكايتشي إلى إجراء "نقاشات متقدمة" بشأن مراجعة الدستور السلمي، وذلك بالتزامن مع خروج مظاهرات حاشدة في أنحاء البلاد رفضاً لأي تغييرات على القانون الأعلى للدولة.
وقالت تاكايتشي، خلال زيارة رسمية إلى فيتنام، إن الدستور، الذي صاغته قوات الاحتلال الأميركي عقب الحرب العالمية الثانية، "ينبغي تحديثه بشكل دوري ليعكس متطلبات العصر".
وتدعو تاكايتشي وآخرون من الجناح المحافظ في "الحزب الليبرالي الديمقراطي" الحاكم إلى التغيير منذ فترة طويلة، معتبرين أن الوثيقة الحالية تقيّد قدرة اليابان على مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة من كوريا الشمالية والصين.
الدستور السلمي
وتركزت جهود دعاة التعديل على المادة التاسعة، المعروفة بـ"البند السلمي"، التي تحظر على اليابان التهديد باستخدام القوة العسكرية أو اللجوء إليها لتسوية النزاعات الدولية.
ورغم أن تشريعات مثيرة للجدل أُقرت قبل عقد تتيح نظرياً لليابان ممارسة حق الدفاع الجماعي عن النفس، أي مساعدة حليف يتعرض لهجوم، فإن تاكايتشي جعلت من إصلاح الدستور محوراً رئيسياً لسياساتها منذ توليها رئاسة الوزراء في الخريف الماضي.
وتتطلب أي تعديلات موافقة أغلبية الثلثين في مجلسي البرلمان الياباني، إضافة إلى الحصول على أغلبية بسيطة في استفتاء شعبي.
انقسام عميق
وكشفت استطلاعات رأي حديثة عن انقسام عميق في أوساط الرأي العام، يتراوح بين دعم واسع لتعديلات محدودة، مثل الاعتراف بالوضع القانوني لقوات الدفاع الذاتي، ومعارضة لتغييرات جوهرية على النهج السلمي الذي تبنته اليابان بعد الحرب.
وأظهر استطلاع، نشرته صحيفة "يوميوري شيمبون" المحافظة خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن 57% من المشاركين يؤيدون التعديل، فيما قدّرت صحيفة "أساهي شيمبون" الليبرالية نسبة التأييد عند 47%.
وبرزت القيود الدستورية المفروضة على الجيش الياباني في مارس الماضي، عندما استندت تاكايتشي إلى المادة التاسعة لرفض طلب، "على مضض"، من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإرسال قوات الدفاع الذاتي البحرية إلى مضيق هرمز.
احتجاجات حاشدة
وفي يوم ذكرى الدستور، الأحد، تجمع نحو 50 ألف شخص في حديقة بطوكيو دعماً للوثيقة التي ظل نصها دون تغيير منذ دخولها حيز التنفيذ في 3 مايو 1947.
وقال محتجون رفعوا لافتات مناهضة للحرب إن المادة التاسعة من الدستور نجحت في إبقاء اليابان خارج حروب أميركية غير محسوبة، بما في ذلك حرب إيران.
وقالت هيروكو مايكاوا، وهي عضوة مجلس محلي في أحد أحياء طوكيو: "في ظل تاكايتشي، تتبع اليابان الولايات المتحدة كما يتبع الكلب مالكه. يريد الحزب الليبرالي الديمقراطي تحويل قوات الدفاع الذاتي إلى جيش تقليدي، لأنهم يدركون أن الدستور بشكله الحالي يمنعهم من ذلك".
من جانبها، وصفت عضوة المجلس المحلي ميجومي كويكي، الدستور الياباني بأنه "كنز وطني وكنز للعالم".
وأضافت ميجومي كويكي: "تعتقد تاكايتشي أن معظم اليابانيين يريدون تغيير الدستور لأنهم يرون تهديداً من الصين وكوريا الشمالية، لكن هذا غير صحيح. ينبغي أن ننفق الأموال على الرعاية الصحية والتعليم والوظائف، لا على مزيد من الأسلحة".
وشهدت عشرات المدن والبلدات الأخرى مظاهرات، الأحد، وهو يوم عطلة عامة، شارك فيها أشخاص عاصروا مرحلة ما بعد الحرب وكيف أسهم الدستور في تحقيق السلام والاستقرار لبلد أنهكته الصراعات.
وقالت هاروكا واتانابي، وهي محتجة تبلغ من العمر 87 عاماً في أوساكا، لوكالة "كيودو" للأنباء: "أريد أن أعتز بالدستور كما أعتز بطفلي، وأن أورثه للأجيال المقبلة".
وفيما كانت تستعد للسفر إلى أستراليا لمناقشة أمن الطاقة والمعادن الحيوية والدفاع مع رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز، قالت تاكايتشي إن وقت النقاش أوشك على الانتهاء. وأضافت في هانوي، بحسب وكالة "كيودو": "يجب ألا تكون النقاشات لمجرد النقاش".
وتابعت: "من أجل الحفاظ على ثقة الشعب، يتعين على السياسيين مناقشة القضية واتخاذ قرار".
ورغم انتقادات ترمب لليابان لعدم إرسال قوات إلى الشرق الأوسط، نشرت السفارة الأميركية في طوكيو رسالة يمكن تفسيرها على أنها دعم للدستور، الذي دخل حيز التنفيذ خلال فترة الاحتلال الأميركي بقيادة الجنرال دوجلاس ماك آرثر، القائد الأعلى لقوات الحلفاء.
وقالت السفارة، عبر حسابها الرسمي على منصة "إكس"، إن الوثيقة أرست "سيادة الشعب واحترام حقوق الإنسان الأساسية والنزعة السلمية".
وأضافت: "هذا الدستور، الذي أشاد به الجنرال ماك آرثر في مذكراته، ظل يشكل أساس المجتمع الياباني على مدى 79 عاماً منذ دخوله حيز التنفيذ، من دون أن يطرأ عليه أي تعديل".
ويمثّل احتجاج، الأحد، في طوكيو أحدث حلقة في موجة من التظاهرات التي تجتذب أعداداً متزايدة من المشاركين في كل مرة، إذ تظاهر نحو 3600 شخص خارج البرلمان في أواخر فبراير، قبل أن يرتفع العدد إلى 36 ألفاً في وقت لاحق من الشهر ذاته.








