
عززت موسكو إلى حد كبير تدابير الحماية الشخصية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث يقضي وقتاً أطول في "مخابئ تحت الأرض"، وسط مخاوف من تعرّضه للاغتيال أو وقوع محاولة انقلاب محتمل، في ظل تزايد عزلته، وانشغاله الشديد بالحرب الدائرة في أوكرانيا، وفق تقييمات استخباراتية غربية.
وأفاد تقرير شاركه مصدر مقرب من وكالة استخبارات أوروبية، مع شبكة CNN الأميركية ووسائل إعلام أخرى، بأن الكرملين عزز الإجراءات الأمنية الشخصية حول الرئيس بوتين، وقام بتركيب أنظمة مراقبة في منازل كبار مساعديه، في إطار تدابير جديدة جاءت استجابة لموجة اغتيالات لشخصيات عسكرية روسية رفيعة المستوى، ومخاوف من وقوع انقلاب محتمل.
ويقدم التقرير تفاصيل نادرة حول مخاوف موسكو بشأن تدهور الأمن الداخلي. كما يسلط الضوء على تفاصيل بشأن خلاف حاد في صفوف القيادة الأمنية والعسكرية الروسية بشأن هوية المسؤولين عن حماية كبار القادة، وهو ما يقول التقرير إنه دفع إلى مراجعة بروتوكولات الحماية الخاصة ببوتين، وتوسيع نطاق الحماية الشخصية إلى مستوى أعلى ليشمل 10 قادة كبار آخرين.
وأشار التقرير إلى منع الطهاة والحراس الشخصيين والمصورين الذين يعملون مع الرئيس من استخدام وسائل النقل العام. كما يخضع زوار الرئيس لفحصين أمنيين، ولا يمكن لأولئك الذين يعملون بالقرب منه استخدام سوى الهواتف التي لا يتوافر فيها الإنترنت.
وذكر التقرير أن بعض هذه الإجراءات، وضعت قيد التنفيذ خلال الأشهر الأخيرة بعد اغتيال جنرال بارز في ديسمبر الماضي، وهو ما أثار خلافاً في صفوف القيادة العليا للمؤسسة الأمنية الروسية.
وهذه التدابير تشير إلى تزايد القلق داخل الكرملين في الوقت الذي يواجه فيه مشكلات متفاقمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، تشمل أزمات اقتصادية، وتزايد بوادر المعارضة، وانتكاسات في أوكرانيا، بحسب التقييمات الغربية.
وتأتي تفاصيل الإجراءات الأمنية الجديدة بعد أيام من إعلان موسكو عن تغييرات جوهرية في عرضها العسكري السنوي في "الساحة الحمراء"، المقرر إقامته في 9 مايو الجاري، لإحياء ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية "يوم النصر". وسيُقام العرض هذا العام، وهو الخامس منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، دون استخدام أسلحة ثقيلة، مثل المدرعات والصواريخ.
وأشار المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، إلى أن "التهديد والنجاح" الأخير لضربات أوكرانية بعيدة المدى كان أحد الدوافع.
تقييد تحركات بوتين
وقال التقرير إن مسؤولي الأمن الروس، قلصوا إلى حد كبير عدد المواقع التي يزورها بوتين بانتظام، حيث توقف هو وعائلته عن الذهاب إلى مساكنهم المعتادة في منطقة موسكو، وفي فالداي، وهو مقر إقامة الرئيس الصيفي المنعزل، الذي يقع بين سانت بطرسبرج والعاصمة.
وأضاف أن بوتين لم يقم بزيارة أي منشأة عسكرية هذا العام حتى الآن، على الرغم من رحلاته المنتظمة في عام 2025. ويضيف التقرير أنه من أجل التغلب على هذه القيود، ينشر الكرملين مشاهد مسجلة مسبقاً له للجمهور.
ولفت التقرير إلى أنه منذ غزو أوكرانيا في فبراير 2022، يقضي بوتين أيضاً أسابيع في كل مرة في مخابئ مطورة، غالبا في كراسنودار، وهي منطقة ساحلية متاخمة لحدود البحر الأسود على بعد ساعات من موسكو.
يأتي هذا التقرير، في الوقت الذي يتزايد فيه الشعور بوجود أزمة تحيط بالكرملين، بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث تسببت الخسائر الروسية، التي تقدرها دول غربية بنحو 30 ألف قتيل وجريح شهرياً، إلى جانب المكاسب الإقليمية المحدودة على جبهة القتال، والهجمات المتكررة التي تشنها أوكرانيا بطائرات مسيرة في عمق الأراضي الروسية، إلى رفع حصيلة ضحايا الصراع إلى مستوى يعتبر الكثيرون أنه غير قابل للاستمرار.
وأصبحت التكلفة الاقتصادية للحرب ملموسة الآن، حيث تؤدي انقطاعات خدمات الهواتف المحمولة، التي تعاني منها المدن الكبرى بانتظام، إلى إثارة غضب حتى الطبقة البرجوازية المؤيدة لبوتين ، مما يزيد من الشعور بأن الحرب بدأت تؤثر على النخبة الحضرية، التي كانت حتى الآن معزولة إلى حد كبير عن الغزو، بحسب التقييمات الغربية.
مخاوف من انقلاب
وذكر التقرير أنه منذ بداية مارس 2026، أعرب الكرملين والرئيس بوتين نفسه عن قلقهما إزاء احتمالية تسريب معلومات حساسة، بالإضافة إلى خطر وقوع مؤامرة أو محاولة انقلاب تستهدف الرئيس الروسي. وهو يحذر بشكل خاص من استخدام الطائرات المسيرة في محاولة اغتيال محتملة لأعضاء النخبة السياسية الروسية.
لكن الاستنتاج الأكثر لفتاً للنظر يتعلق بسيرجي شويجو، الذي كان مقرباً من بوتين. ويذكر التقرير أن وزير الدفاع السابق المهمش، والذي يشغل حالياً منصب أمين مجلس الأمن الروسي، "يرتبط بخطر وقوع انقلاب، حيث لا يزال يتمتع بنفوذ كبير داخل القيادة العسكرية العليا".
وأضاف التقرير، أن اعتقال نائب شويجو السابق وشريكه المقرب، رسلان تساليكوف، في 5 مارس يعتبر "انتهاكاً لاتفاقيات الحماية الضمنية بين النخب، ما يضعف شويجو ويزيد من احتمالية أن يصبح هو نفسه هدفاً لتحقيق قضائي".
وقالت لجنة التحقيق الروسية في بيان في مارس الماضي، إنه تساليكوف اعتقل بتهم تتعلق بـ"الاختلاس وغسل الأموال والرشوة"، ورغم ورود عدة تقارير تتحدث عن "الفساد" في صفوف النخبة العسكرية، لكنها تضاعفت منذ بدء الغزو الأوكراني.
ونجا بوتين من محاولة انقلاب سابقة في يونيو 2023، عندما قاد زعيم "فاجنر" يفجيني بريجوجين، مسيرة فاشلة نحو موسكو.
وغالباً ما تكون الخلافات الداخلية في أوساط النخبة في موسكو موضع تكهنات كثيرة، لكن نادراً ما يجري الكشف عنها. ومع استمرار غزو أوكرانيا، وفي ظل تضاؤل الدعم الأميركي لكييف، فإن وكالات الاستخبارات الأوروبية لديها دوافع كبيرة للإشارة إلى تزايد الصراعات والشكوك في الكرملين.
وسبق الإعلان عن اتخاذ بعض التدابير الأمنية المتعلقة ببوتين، أو كان من المفترض على نطاق واسع أنها سارية بالفعل، بما في ذلك عمليات التفتيش الجسدي المكثفة، وتجنب الكرملين لاستخدام الهواتف الذكية، وتقييد تحركات الرئيس. ولا يزال بوتين يظهر بانتظام في الأماكن العامة، حيث التقى هذا الأسبوع بالزعيم الشيشاني رمضان قديروف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وتشير التقارير إلى أن بوتين يستخدم نفس التجهيزات المكتبية في عدة مواقع مختلفة للتحدث إلى مجلس وزرائه عبر تقنية الاتصال بالفيديو.
خلاف في الكرملين
ولفت التقرير الاستخباراتي الأوروبي، إلى أن اتخاذ هذه التدابير الجديدة يُعزى جزئياً إلى مشادة كلامية حادة خلال اجتماع بوتين مع كبار المسؤولين بالكرملين أواخر العام الماضي، عندما استدعى الرئيس كبار المسؤولين الأمنيين بعد 3 أيام من اغتيال الفريق فانيل سارفاروف في موسكو في 22 ديسمبر 2025، على يد من يشتبه أنهم عملاء أوكرانيين.
وخلال الاجتماع، انتقد رئيس هيئة الأركان العامة، فاليري جيراسيموف، رئيس جهاز الأمن الفيدرالي FSB، ألكسندر بورتنيكوف، لإخفاقه في حماية ضباطه، الذين بدورهم اشتكوا من نقص الموارد والأفراد اللازمين لأداء مهامهم، وفق التقرير.
ويشير التقرير الاستخباراتي، إلى أنه "في ختام هذا الاجتماع المتوتر، دعا فلاديمير بوتين إلى الهدوء، واقترح آلية عمل بديلة، ووجه المشاركين بتقديم حلول ملموسة لهذه القضية في غضون أسبوع". وتضمن هذا الحل السريع توسيع نطاق عمل جهاز الحماية الفيدرالية الذي كان آنذاك يقوم فقط بحماية جيراسيموف في القيادة العسكرية، ليشمل تقديم الحماية لعشرة قادة عسكريين كبار آخرين.
مخابئ تحت الأرض
وأفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز" نقلاً عن أشخاص وصفتهم بأنهم يعرفون بوتين في موسكو وشخص مقرب من أجهزة استخبارات أوروبية، بأنه خلال الأشهر الأخيرة، شدد جهاز الحماية الفيدرالي الروسي FSO المكلف بحماية كبار المسؤولين، الإجراءات الأمنية حول الرئيس بشكل كبير، حيث "يقضي بوتين وقتاً أطول في مخابئ تحت الأرض يدير فيها الحرب بأدق التفاصيل، وأصبح أكثر انعزالاً عن الشؤون المدنية".
وذكر مصدر مقرب من أجهزة استخبارات أوروبية، أن "عزلة بوتين ازدادت خلال السنوات الأخيرة، لا سيما منذ تفشي جائحة فيروس كورونا. لكن منذ مارس، ازداد قلق الكرملين بشكل كبير من احتمال وقوع انقلاب عسكري أو محاولة اغتيال، لا سيما باستخدام طائرات مسيرة".
وقال شخص على معرفة ببوتين للصحيفة البريطانية، إن صدمة العملية التي حملت اسم "شبكة العنكبوت" Spiderweb، التي نفذتها طائرات مسيرة أوكرانية لا تزال قائمة.
وفي مطلع يونيو عام 2025، استهدفت طائرات مسيرة أوكرانية مطارات روسية خارج الدائرة القطبية الشمالية، في هجوم وصفته كييف بأنه أحد أكثر العمليات تعقيداً وجرأة منذ بدء الحرب.
وقال شخص ثانٍ مطلع أيضاً على تفكير الرئيس، بحسب الصحيفة، إن المخاوف الأمنية تفاقمت بسبب قيام الولايات المتحدة بالقبض على الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو في يناير الماضي.
ورداً على ذلك، شددت جهاز الحماية الفيدرالي، الإجراءات الأمنية الصارمة، حيث يجري عملاء الجهاز عمليات تفتيش واسعة النطاق بمساعدة وحدات الكلاب، ويتمركزون على طول ضفاف نهر موسكو، مستعدين للتصرف في حالة وقوع هجمات بطائرات مسيرة، وفق الاستخبارات الأوروبية.
تزامن تشديد الإجراءات الأمنية مع تخلّي بوتين، الذي كان يركز عادةً على الجغرافيا السياسية، عن السياسات الداخلية للتركيز على الحرب، وفقاً لما ذكره شخصان يتحدثان معه.
ويعقد الرئيس اجتماعات يومية مع المسؤولين العسكريين، يركز فيها على التفاصيل العملياتية مثل أسماء المستوطنات الأوكرانية الصغيرة التي تتغير السيطرة عليها. في المقابل، لا يحصل المسؤولون غير المرتبطين بالحرب عادةً على فرصة للقائه إلا مرة واحدة كل بضعة أسابيع أو أشهر.
وقال أحد المقربين منه: "يقضي بوتين 70% من وقته في إدارة الحرب، والـ30% في المتبقية في لقاء (أشخاص مثل) رئيس إندونيسيا أو التعامل مع الشؤون الاقتصادية"، مضيفاً أن السبيل الوحيد للحصول لقضاء مزيد من الوقت معه، هو "الانخراط أكثر في الحرب".










