
أعلنت رئيسة وزراء مقاطعة ألبرتا الكندية، دانييل سميث، الخميس، أن المدينة الغنية بالنفط في غرب كندا ستجري استفتاءً في 19 أكتوبر المقبل، تسأل فيه مواطنيها عما إذا كانوا يرغبون في البقاء جزءاً من كندا، أو يفضلون إجراء استفتاء ملزم بشأن الانفصال.
وجاء إعلان سميث عبر خطاب متلفز، في مسعى إلى تجاوز مأزق قانوني وإجرائي يهدد بتقويض جهود النشطاء المؤيدين للاستقلال، وقد وقع مئات الآلاف من المواطنين، من كلا الجانبين، على عرائض، إذ قالت إنها "تفكر في حقوقهم الديمقراطية"، حسبما أفادت به صحيفة "نيويورك تايمز".
ويأتي قرار سميث بتولي زمام هذه العملية الشائكة، بعد أيام من حكم محكمة في ألبرتا بأن عريضةً تدعو إلى إجراء استفتاء لانفصال ألبرتا عن كندا "غير دستورية"، لأن المقاطعة لم تستشر جماعات السكان الأصليين التي ستتأثر حقوقها سلباً، حال حدوث الانفصال.
وكانت مجموعة تُعرف باسم "ألبرتا الحرة" (Stay Free Alberta) حاولت فرض استفتاء على الانفصال، مستندة إلى قانون محلي يسمح للمواطنين بتقديم عريضة لإجبار الحكومة على تنظيم تصويت عام. لكن محكمة في ألبرتا أوقفت هذه المحاولة الأسبوع الماضي، معتبرة أن الحكومة لم تفِ بواجبها في التشاور مع الشعوب الأصلية بشأن تغيير دستوري كبير.
ما أهمية مقاطعة ألبرتا؟
ألبرتا هي رابع أكبر مقاطعة في كندا من حيث المساحة، حيث تبلغ مساحتها 661 ألفاً و848 كيلومتراً مربعاً، كما تعد رابع أكثر المقاطعات اكتظاظاً بالسكان، حيث يبلغ عدد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة.
وتعد واحدة من أهم مقاطعات غرب كندا الثلاثة (مقاطعات البراري)، تحدها من الغرب مقاطعة كولومبيا البريطانية، وساسكاتشوان من الشرق، وولاية مونتانا الأميركية من الجنوب.
ويشغل الجزء الشرقي من ألبرتا السهول الكبرى، بينما يحد الجزء الغربي منها جبال روكي، إذ تتمتع المقاطعة بمناخ قاري في الغالب، لكن درجات الحرارة الموسمية تميل إلى التقلب بسرعة بسبب جفافها الشديد، وتكون هذه التقلبات أقل وضوحاً في غربها.
وعاصمة المقاطعة، إدمونتون، وأكبر مدنها كالجاري، وتعتبر قلب كندا الاقتصادي، مع تنوع اقتصادي يشمل الزراعة، التكنولوجيا، والطاقة النظيفة.
من هم الانفصاليون؟
يتمثل التيار الانفصالي في جماعات ضغط يمينية متشددة، وأحزاب صغيرة مثل "حزب ألبرتا الجمهوري"، وجزء من القاعدة الانتخابية لحزب المحافظين الموحد (UCP).
ولطالما وُجدت حركة انفصالية صغيرة في ألبرتا، لكنها نمت في السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر انتشاراً، إذ تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن ما يصل إلى 30% من سكان ألبرتا سيصوتون لصالح الانفصال عن كندا.
وبينما يعزو البعض هذه الحركة إلى أسباب ثقافية، إذ يُنظر إلى ألبرتا على أنها أكثر محافظة من بقية البلاد، إلا أن المظالم الاقتصادية هي التي جعلت هذه الفكرة أكثر جاذبية في السنوات الأخيرة.
وتعد ألبرتا مُنتجاً رئيسياً للنفط في كندا، وخلال العقد الماضي، اعتُبرت اللوائح البيئية وغيرها من اللوائح التي رُوج لها في ظل الحكومة السابقة برئاسة جاستن ترودو عقابية، إذ حرمت سكان ألبرتا من دخلهم.
ويشعر بعض سكان المقاطعة أنهم يُفرض عليهم ضرائب باهظة لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية في المناطق الأفقر من البلاد، ويرون أنه لا ينبغي للحكومة الفيدرالية استخدام ضرائب سكان ألبرتا في وقت تُعيق فيه قدرتهم على كسب المزيد.
لماذا يسعى الانفصاليون للاستفتاء؟
وتصاعدت حدة الحديث عن انفصال ألبرتا عن أوتاوا خلال العامين الماضيين، مع تزايد استياء سكان المقاطعة النفطية من السياسات الفيدرالية التي تُعتبر في وضع غير مواتٍ لهم ولشركاتهم، إذ يرون أن كندا "تستغل" ثروات ألبرتا النفطية، ثم تفرض عليها قوانين باسم البيئة.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أوقف قاضٍ التماساً قدمته جماعة مؤيدة للانفصال تُدعى Stay Free Alberta، تدعو إلى إجراء استفتاء، وقد دفع هذا الحكم سميث إلى التعليق قائلة: "إنه خطأ قانوني ارتكبه قاضٍ واحد".
وذكر مشروع Alberta Prosperity Project "ازدهار ألبرتا"، الداعم لاستقلال المقاطعة، على موقعه الإلكتروني أن "سيادة ألبرتا تحمل في طياتها وعداً بالازدهار الاقتصادي، والتمكين السياسي، والحفاظ على التراث الثقافي، والطاقة النظيفة، وتعزيز مكانتها على الساحة العالمية"، حسبما أفادت به مجلة Time.
وأضاف المشروع: "من خلال بسط سيطرتها على مواردها وقوانينها وسياساتها، تستطيع ألبرتا رسم مسار نحو مستقبل يتماشى مع تطلعات شعبها ورفاهيته، بما يضمن إرثاً من الازدهار للأجيال القادمة".
ما موضوع التصويت؟
وكانت سميث قد دعت سابقاً إلى إجراء تصويت في 19 أكتوبر على عدد من المسائل المتعلقة بسياسة الهجرة، لكنها قالت الخميس، إنها ستضيف السؤال التالي: "هل ينبغي لألبرتا أن تبقى مقاطعة تابعة لكندا، أم ينبغي لحكومة ألبرتا أن تبدأ الإجراءات القانونية المنصوص عليها في الدستور الكندي لإجراء استفتاء ملزم على مستوى المقاطعة حول ما إذا كان ينبغي لألبرتا الانفصال عن كندا أم لا؟"
ببساطة، سيطلب الاستفتاء من سكان ألبرتا أن يقرروا ما إذا كانوا يريدون البقاء في كندا، أو إجراء استفتاء آخر للانفصال.
وسميث صرحت علناً بأنها ستصوت لصالح البقاء في كندا، لكنها تريد استخدام الاستفتاء كورقة ضغط سياسي، للحصول على تفويض شعبي قوي يجبر الحكومة الفيدرالية في أوتاوا على الخضوع لمطالب ألبرتا وإجراء تعديلات دستورية تمنحها حكماً ذاتياً موسعاً.
ما رأي القادة السياسيين الكنديين؟
يعارض الحزبان الرئيسيان في الحكومة الفيدرالية الحزب الليبرالي بقيادة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، وحزب المحافظين بقيادة زعيم المعارضة، بيير بويليفر، الانفصال بشدة.
وسعى كارني إلى تغيير الانطباع السائد بأن حزبه يسعى إلى كبح نمو ألبرتا، وعمل مع سميث على اقتراح خط أنابيب جديد لنقل المزيد من النفط من المقاطعة إلى ساحل كولومبيا البريطانية، ومن ثم شحنه إلى الأسواق الآسيوية.
وأعربت سميث عن أملها في أن يُظهر تغيير موقف الحكومة الفيدرالية تجاه النفط لسكان ألبرتا أن كندا تعمل من أجل المقاطعة، لكن بويليفر قال إن حزب المحافظين "سيشن حملة ضد الانفصال. أنا أؤيد وحدة البلاد، وسنعمل جاهدين يومياً وبكل السبل لتوحيد هذا البلد حول الأمل".
ما علاقة الولايات المتحدة؟
اجتمع قادة الانفصاليين 3 مرات العام الماضي مع مسؤولين من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن، على الرغم من أن وزارة الخارجية والبيت الأبيض وصفا تلك الاجتماعات بأنها "مجرد لقاءات روتينية مع جماعات المصالح".
وكان وزير الخزانة سكوت بيسنت، يتحدث عن حركة "استقلال ألبرتا"، حيث قال في يناير الماضي: "لديهم موارد هائلة. سكان ألبرتا شعبٌ يتمتع باستقلالية كبيرة"، وأضاف أن هناك "شائعة مفادها أنهم قد يُجرون استفتاءً حول رغبتهم في البقاء ضمن كندا أم لا".
وصرح نشطاء الاستقلال الذين تواصلوا مع الإدارة الأميركية بأنهم طلبوا تمويلاً ومساعدات أخرى، كاستخدام الدولار الأميركي، حال نجاحهم في فصل هذه المقاطعة غير الساحلية عن كندا، إلا أن الإدارة نفت تقديم أي تعهدات بتقديم دعم مادي أو غيره.
وأعلن مؤيدو ترمب ونشطاء حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً"، وعلى رأسهم ستيفن بانون، دعمهم العلني لانفصال ألبرتا عن كندا، إذ ترغب أقلية صغيرة داخل حركة الاستقلال في انضمام ألبرتا إلى الولايات المتحدة، إلا أن قادة الانفصاليين تراجعوا عن هذا الموقف لعدم شعبيته لدى أغلبية الحركة.








