الصين.. انفجار "منجم فحم شانشي" يختبر سياسة بكين لأمن الطاقة | الشرق للأخبار

الصين.. انفجار "منجم فحم شانشي" يختبر رهانات بكين على أمن الطاقة

time reading iconدقائق القراءة - 6
رجال إنقاذ في موقع انفجار بمنجم فحم ليوشينيو بمقاطعة شانشي، الصين. 23 مايو 2026 - Reuters
رجال إنقاذ في موقع انفجار بمنجم فحم ليوشينيو بمقاطعة شانشي، الصين. 23 مايو 2026 - Reuters

ساعد الإنتاج القياسي للفحم في الصين على حماية اقتصادها من أسوأ تداعيات حرب إيران واضطرابات الطاقة العالمية، لكن انفجاراً مميتاً وقع في منجم فحم بمقاطعة شانشي أعاد فتح أسئلة حساسة بشأن الثمن الذي تدفعه بكين مقابل سعيها المحموم إلى أمن الطاقة، وفق "بلومبرغ".

وأسفر انفجار وقع الجمعة في منجم "ليوشينيو" الخاص، الواقع في إقليم شانشي الغني بالفحم، عن سقوط ما لا يقل عن 82 شخصاً، في أكثر حوادث التعدين دموية في الصين منذ سنوات.

وينتج المنجم أساساً فحم الكوك المستخدم في صناعة الصلب، وليس في محطات توليد الكهرباء، كما يُعد منشأة متوسطة الحجم مقارنة بإجمالي إنتاج المنطقة.

تشديد الرقابة على التعدين

ورغم محدودية حجم المنجم نسبياً، فإن الحادث أثار استجابة رسمية واسعة، شملت عمليات إنقاذ ضخمة بمشاركة مئات العاملين في الطوارئ، وتعهدات بإجراء تحقيق شامل، إلى جانب تدخل مباشر من الرئيس شي جين بينج وكبار المسؤولين.

ويرى محللون أن الحادث سيؤدي على الأرجح إلى تشديد الرقابة على قطاع التعدين في عموم البلاد، ما قد يهدد إنتاج الفحم على المدى القريب، وبالتالي يؤثر في توليد الكهرباء وخطط بكين الرامية إلى تعزيز أمن الطاقة.

وقال ديفيد فيشمان، الخبير في مجموعة "لانتاو" الاستشارية في شنغهاي، إن مثل هذه الحوادث الكبرى تؤدي عادة إلى "حملات تفتيش وطنية وتشديد واسع في تطبيق معايير السلامة"، مضيفاً أن هذا النمط تكرر في السابق، ومن المرجح أن يتكرر الآن بسبب حجم الكارثة والتصريحات القوية الصادرة عن القيادة الصينية.

انتهاكات خطيرة

وأشارت التحقيقات الأولية، بحسب التلفزيون الرسمي الصيني CCTV، إلى وجود "انتهاكات خطيرة" في المنجم، بينما أطلقت سلطات إقليم شانشي عمليات تفتيش أوسع تستهدف مخاطر الغاز والمياه وسلامة الأنفاق والأسقف داخل المناجم.

وجاء في افتتاحية نشرتها صحيفة "الشعب" الرسمية أن "كل حادث يمثل جرس إنذار"، داعية إلى وقف تغليب التنمية الاقتصادية على حساب السلامة، والتركيز على الوقاية بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الكوارث.

لكن تشديد الرقابة يأتي في توقيت حساس بالنسبة للصين، فالحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز عطلا شحنات النفط والغاز لعدة أشهر، فيما تستعد البلاد لفصل الصيف الذي يشهد عادة ارتفاعاً كبيراً في استهلاك الكهرباء بسبب الحرارة، وفق "بلومبرغ".

وأي تراجع في إنتاج الفحم قد يؤدي إلى تشديد الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة، أو حتى فرض قيود على استهلاك الكهرباء الصناعي، كما حدث خلال أزمات سابقة هزت الاقتصاد الصيني.

ورغم أن الصين بدأت العام بمخزونات كبيرة من الفحم، فإن هذا التوازن مهدد بالتغير مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال بسبب الحرب، وتراجع الواردات، ما يزيد الضغط على الفحم ليبقى المصدر الأساسي لتوليد الطاقة الحرارية في البلاد.

وخلال السنوات الماضية، ضاعفت حكومة شي جين بينج اعتمادها على احتياطات الصين الضخمة من الفحم لتقليل الاعتماد على واردات الطاقة. وسجّل إنتاج الفحم مستوى قياسياً العام الماضي، بزيادة بلغت 30% مقارنة بما كان عليه قبل عقد، ولا يزال الفحم يشكل العمود الفقري لمنظومة الطاقة الصينية، في ظل التوسع في كهربة الصناعة والسيارات.

كما بات الفحم المحلي يُستخدم أيضاً مادة أولية لإنتاج الكيماويات والنفط والغاز.

مشكلات هيكلية

لكن هذا السعي المحموم إلى أمن الطاقة دفع المناجم إلى موازنة صعبة بين رفع الإنتاج بسرعة وضغط البنية التحتية والمعدات إلى حدودها القصوى.

وذكرت صحيفة "بكين نيوز" أن منجم "ليوشينيو" ربما أخفى أنفاقاً غير مصرح بها خلال عمليات التفتيش، كما أن بعض العمال كانوا يعملون من دون أجهزة تحديد مواقع GPS، المخصصة لتسهيل عمليات الإنقاذ.

وقال رانا ميتر، المؤرخ وأستاذ العلاقات الأميركية الآسيوية في جامعة هارفارد، إن المسؤولين المحليين قد يتحملون اللوم علناً، وربما يواجهون محاكمات، "لكن سيتم تقديم ذلك باعتباره حملة من الحكومة المركزية ضد التراخي المحلي، وليس دليلاً على خلل بنيوي في نظام الحكم".

ورغم أن الصين حققت تقدماً ملحوظاً في مجال سلامة المناجم خلال العقد الماضي، مع تراجع عدد الحوادث والوفيات، فإن خبراء يرون أن المشكلات الهيكلية ما زالت قائمة، خصوصاً ما يتعلق بالحوافز الاقتصادية والضغوط الواقعة على المسؤولين المحليين لتحقيق أهداف الإنتاج.

ورغم ذلك، تشير تقارير إلى أن بكين أصبحت أكثر حذراً في طريقة تعاملها مع الأزمات. ففي عام 2021، أدّى تشديد الرقابة قبل الذكرى المئوية للحزب الشيوعي إلى تقليص الإنتاج والمساهمة في أزمة كهرباء واسعة. أما بعد كارثة انهيار منجم في منغوليا الداخلية عام 2023، التي أودت بحياة 53 شخصاً، فقد ركزت السلطات على منع الحوادث من دون تقليص الإنتاج بشكل كبير.

لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت كارثة "ليوشينيو" ستؤدي إلى استجابة أكثر اتساعاً، خصوصاً بعد تعليق العمل في جميع المناجم الـ25 بمقاطعة تشين يوان، حيث وقع الانفجار، إضافة إلى توقف مناجم أخرى في منطقة تشانج تشي الأوسع.

وقال مدير مكتب إدارة الطوارئ في مدينة تشانج تشي، تشانج وينبو، إن السلطات ستشدد الرقابة على عمليات التعدين، وستتصدى لتزوير أو حذف تسجيلات المراقبة، كما ستكثف عمليات تفتيش مناطق العمل المخفية.

وأكد المسؤولون أن عمليات الإنقاذ تعقدت بسبب الفيضانات والأضرار الهيكلية الشديدة داخل المنجم، فيما قدّم رئيس بلدية المدينة اعتذاراً لعائلات الضحايا، متعهداً بمحاسبة المسؤولين عن الحادث.

تصنيفات

قصص قد تهمك